يشكّل عام 2025 نقطة تحوّل واضحة في مسار البنوك التونسية المدرجة في البورصة، فالسنة لم تكن مجرّد مرحلة تعديل ظرفي، بل مثلت بداية إعادة تشكيل عميقة لنموذج الوساطة البنكية في بيئة اقتصادية لا تزال متسمة بضعف النمو الاقتصادي، رغم الانفراج التدريجي في السياسة النقدية الذي قاده البنك المركزي التونسي. البيانات المالية المجمّعة لنشاط البنوك في العام الماضي والمنشورة على موقع هيئة السوق المالية تكشف عن تبني مؤسسات القرض لخيار استراتيجي واضح: تعزيز متانة الموازنات، والتحكم في مخاطر القرض، وتوسيع الاعتماد على عائدات المحافظ المالية وهو ما يكسي هذا الخيار طابع المقاربة الدفاعية التي تعطي الاولوية للاستقرار المالي على حساب توسع الارباح. تعبئة الموارد: سيولة مرتفعة وثقة انتقائية بلغ قائم الودائع مع نهاية 2025 نحو 106,7 مليار دينار، بزيادة سنوية قدرها 7,5%، وذلك رغم تراجع سعر الفائدة المديرية ب100 نقطة أساس خلال السنة، وما تبعه من انخفاض في سعر السوق النقدية والحد الأدنى لعائد الادخار. هذا النمو شمل مختلف مكونات الودائع، مع مساهمة بارزة للودائع لأجل التي ارتفعت بنسبة 12,2% لتصل إلى 31,9 مليار دينار. غير أن هذا التطور لا يعكس بحثاً عن العائد بقدر ما يعبر عن تفضيل متزايد للسيولة في ظل استمرار الهشاشة الاقتصادية. وتبرز المقارنة القطاعية تبايناً هيكلياً لافتاً: فقد ارتفعت ودائع البنوك العمومية بنسبة 10,2% لتبلغ 36,45 مليار دينار، مقابل 6,1% فقط لدى البنوك الخاصة المدرجة. ويعكس هذا الفارق تحوّلاً في تدفقات الادخار نحو المؤسسات ذات الصبغة السيادية، بما يؤكد تنامي حساسية المودعين لمعيار الأمان المؤسسي. القروض: نمو محدود تحت قيود احترازية في المقابل، لم يتجاوز نمو القروض 1,8% ليبلغ قائمها الإجمالي 86 مليار دينار، وهو تحسن طفيف مقارنة ب2024 لكنه يظل دون المعدلات التاريخية للقطاع. ويُعزى هذا الأداء إلى عاملين رئيسيين: ضعف مناخ الاستثمار المحلي بما يحدّ من الطلب على التمويل المنتج، من جهة، وتزايد متطلبات الامتثال التنظيمي، خاصة في إطار تطبيق معايير بازل 3 والاستعداد لاعتماد معايير التقارير المالية الدولية، من جهة أخرى. ودفعت هذه المتطلبات البنوك إلى تحسين إدارة الأصول المرجّحة بالمخاطر والحفاظ على نسب الملاءة. في ذات السياق، تحوّل كبح توسع الاقراض إلى أداة تحكم احترازية تهدف إلى تقليص استهلاك رأس المال التنظيمي والحد من تكلفة المخاطر المتوقعة. سيولة قياسية وتحول في تخصيص الموارد سجّلت نسبة تحويل الودائع إلى قروض لدى البنوك المدرجة مستوى 80,6% في 2025، وهو أدنى مستوى تاريخي، مقارنة بأكثر من 120% في 2019. ويعكس هذا التراجع نمواً أسرع للودائع مقارنة بالقروض، مما عزز وضعية السيولة وقلّص الحاجة إلى إعادة التمويل الهيكلي. غير أن فائض الموارد لم يبق دون توظيف؛ فقد وُجّه أساساً نحو الاكتتاب في السندات السيادية، في ظل احتياجات تمويل مرتفعة للميزانية. ويعزز هذا التحول في تخصيص الأصول التعرض الى المخاطر السيادية، ويعيد تشكيل هيكلة الموازنات لصالح الأصول المالية على حساب الوساطة الائتمانية التقليدية. هذا وتكشف القراءة التفصيلية للأرقام عن استمرار التباين بين القطاعين العام والخاص. فقد تراجعت القروض لدى البنوك العمومية بنسبة 1,1% إلى 33,4 مليار دينار، في حين سجلت البنوك الخاصة نمواً ب3,8% لتبلغ 52,5 مليار دينار، بما يعكس مرونة أكبر في التكيف مع الإطار الاحترازي الجديد. وسط هذا المشهد، برز البنك الوطني الفلاحي كاستثناء داخل القطاع العمومي، إذ حقق نمواً في القروض بنسبة 7,4% لتصل إلى 14,45 مليار دينار، مستحوذا على 16,8% من السوق. كما تعكس نسب الملاءة لديه مستوى مريحاً من رأس المال، مع هامش أمان معتبر مقارنة بالمتطلبات التنظيمية. صافي الدخل البنكي: تحوّل مركز الثقل نحو أنشطة السوق بلغ صافي الدخل البنكي المجمّع 7,29 مليار دينار، بزيادة معتدلة قدرها 4,3%. إلا أن الأهم يكمن في إعادة تشكل مصادر الإيرادات. فقد تراجعت قيمة هامش الفائدة بنسبة 18,5%، متأثرة بضعف نمو القروض وتقلص هامش الوساطة، لتفقد موقعها التقليدي كرافعة أساسية للربحية. أما العمولات، فلم تتجاوز نسبة نموها 1,1% في ظل قيود تسعيرية وضعف أثر الرقمنة على حجم المعاملات. في المقابل، قفزت عائدات أنشطة السوق بنسبة 32,4%، مدفوعة بارتفاع محافظ سندات الاستثمار بنسبة 23,4% والمشاركة المكثفة في الإصدارات المحلية من أذون وسندات الخزينة. وارتفعت مساهمة أنشطة السوق إلى 45,4% من صافي الدخل البنكي مقابل 35,4% قبل عام، بينما تراجعت مساهمة هامش الفائدة إلى المستوى ذاته تقريباً. هذا التحول يعكس انتقال نموذج الربحية من الوساطة الائتمانية إلى إدارة الأصول المالية، في سياق يتسم بتقلص فرص التمويل المنتج. في ذات السياق، ارتفعت مصاريف الاستغلال بنسبة 7,3% خلال 2025، وهي وتيرة تفوق نمو الإيرادات. وعلى امتداد الفترة 2020–2025، بلغ معدل نمو مصاريف التسيير 9,2% سنوياً مقابل 7,8% فقط للإيرادات. وبلغ مؤشر الاستغلال 48%، ليؤكد منحاه التصاعدي المتواصل منذ 2019، وهو ما يحدّ من قدرة البنوك على تحويل الإيرادات الإضافية إلى أرباح صافية ويؤكد وجود اختلالات بنيوية في الكفاءة التشغيلية. 2026 : بين تماسك الموازنات وتحدي تمويل الاقتصاد تُظهر مؤشرات 2025 أن البنوك التونسية دخلت مرحلة تثبيت مالي أكثر منها دورة توسع. فقد تعززت مؤشرات السيولة والملاءة، لكن مقابل اعتماد أكبر على عائدات المحافظ المالية وتراجع نسبي في تمويل الاقتصاد الحقيقي. ومن المرجح ان يظل المسار المستقبلي رهين عدة عوامل، من أبرزها تحسن مناخ الاستثمار المحلي، وتطور احتياجات الدولة التمويلية، وقدرة البنوك على استعادة دور الوساطة الذي يولد هوامش ربح متواترة ومستدامة. بذلك وبين منطق التحوط ومتطلبات النمو، ستتحدد بجلاء ملامح المرحلة المقبلة للقطاع البنكي التونسي.