تابعت منذ أشهر على أعمدة جريدة "الصباح" السّجال الحاصل بين مؤيدي الطالبي وأنصار الشّرفي إثر صدور كتاب الطالبي"ليطمئنّ قلبي"، وهو أشبه ما يكون بسجال الأشاعرة والمعتزلة في القرون الاولى للإسلام أو سجال الزيتونيين والمستنيرين من أمثال المرحوم عبد العزيز الثّعالبي في بداية القرن العشرين في بلادنا. هو في جملته سجال بين النّقل والعقل ولئن إنتصر النقل في بلاد المسلمين لعدّة قرون فأوصلنا إلى ما نحن فيه من تخلّف وفقر وإنسداد حضاري فإنّ الأمر مختلف هذه المرّة.فبمقتضى الثّورة المعرفية وإنتشار المعلومة على أوسع نطاق لم يعد السّجال حكرا على فئة خاصّة وإنتفت مقولة "إلجام العوام عن علم الكلام " أضف إلى ذلك إنتشار مفاهيم جديدة في جميع أنحاء العالم مثل حقوق الإنسان وحرّية الفكر والتّعبير وحرّية العقيدة والضّمير وصار لكلّ واحد الحق بأن يدلي برأيه مهما كان منافيا لرأي السّلف. إنّ خطاب السّلفيين من أمثال الشّابي والطّالبي لم يعد يقنع أحدا فقد اعتادوا هم وأسلافهم طوال القرون الماضية على اعتبار عقل الإنسان عاجزا على التّفكير والإستنباط وتمييز الصّالح من الضّار. فالعقل بالنّسبة لهم ليس أكثر من ملكة لحفظ ما جاء في التّراث الدّيني وأقصى ما يمكنه هو السّعي في تفسير معرفة ناجزة وسابقة لوجودهم. لذلك تراهم يتبرّمون من سماع صوت مخالف لما ردّدوه طوال مئات السّنين. إنّي أقول لكل هؤلاء: إرفعوا لسانكم عن الشّرفي فإنّ فكره موجّه إلى جيل غير جيلكم فأنتم قد أصابكم التّكلّس وماتت ملكة الفكر عندكم. إنّ فكر الشّرفي موجّه إلى الشّباب الذي بات حائرا بين تطبيق شرائع جامدة محنّطة مضت عليها قرون ولم تعد ملائمة لنمط حياته اليومية وبين ترك هذه الشّرائع جملة وتفصيلا فيصبح فريسة لتأنيب الضّمير. إنّ أفكار الشّرفي تفتح آفاقا جديدة ورؤية مستنيرة لم يستطع هؤلاء التّقليديون تحسّسها. إنّ للشّرفي جمهوره ومريدوه وكلّ ما يقوله في ما يخصّ الصّلاة والصّوم والحج فيه نصيب من الوجاهة وقد علّمنا التّاريخ أنّ كل تجديد لابدّ أن يلاقي الاعتراضات والانتقادات وهذه الأفكار لابدّ أن تفرض نفسها في المستقبل القريب وذلك لحاجة مجتمعاتنا إليها فكما قال فيكتور هيغو:"نستطيع مقاومة زحف جيش ولكن لا نستطيع مقاومة فكرة آن أوانها". إنّ عبد المجيد الشرفي هو مثال البطل المقدام للفكر يذهب بمنهجيته إلى أعماق الأشياء ولا يتوقف في منتصف الطّريق أو يتراجع كما يفعل بعض المفكّرين الجبناء. فالبحث عن الحقيقة كما يقول الكاتب السّوري هاشم صالح هو مسألة جرأة أو عدم جرأة بقدر ما هو مسألة معرفة أو ربّما أكثر. بمعنى أنّ المفكرين الكبار هم وحدهم أولئك الذين يتجرّأون على الاقتحام في اللحظة المناسبة ويكتشفون الحقيقة الصعبة في حين ينكص الآخرون على أعقابهم صاغرين. كما أستحضر هنا رأيا للباحث جورج طرابيشي حيث يقول أنّه حتّى نستطيع النهوض والتّقدم عربيا وإسلاميا فلابدّ من "لوثر "مسلم يحرّر النّص من النّص أي تحرير النّص القرآني المفتوح على دلالات عديدة من النّص الفقهي الجامد الّذي حرّم ولا يزال النّظر العقلي في القرآن. ونظرا لتقدّم تونس في شتّى المجالات وخاصّة الفكرية منها فأنا لا أستغرب ظهور هذا اللوثر من بين ظهرانينا. إنّ الشّابي عجز عن دحض الفكرة بفكرة مضادّة فلجأ إلى التّخوين السّياسي متّهما الشّرفي بالإنصراف عن تطوير المعرفة إلى شعارات سياسية تستهدف التّجنيد ضدّ النّظام كما وصف كتب الشّرفي بالخطر على النّاشئة والحقيقة أنّ من يقرأ هذه الكتب لا يجد أثرا لكل هذه الإتّهامات ولا يسعني في هذا الصّدد إلاّ دعوة الجميع لقراءتها عملا بما جاء في الآية الكريمة:"إذا جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة.." أمّا عن أبو يعرب المرزوقي الذي يصف مادّة الحضارة الإسلامية بالدّجل فقد قرأت له مقالا في موقع "الأوان" يمجّد فيه الدّولة الدّينية ويكفي هذا الموقف لنتحاشى سماع آرائه ولنفهم المشروع الطّالباني الذي يحلم به. وعلى ذكر الدولة الدّينية فهناك مغالطة أخرى في مقال الشّابي عندما ذكر أنّ الفصل الأول من الدستور ينص على أنّ دين الدولة الإسلام ففي الحقيقة جاء في هذا الفصل أنّ" تونس دولة حرّة مستقلّة دينها الإسلام وكما هو واضح فكلمة دينها تعود إلى تونس وليس الدولة كما يدّعي الشابي. فدولتنا ليست دينية فهي دولة القانون والمؤسّسات ونظامنا جمهوري وفي هذا الصّدد أحيي الرّئيس زين العابدين بن علي الذي عرف منذ فجر التغيير من هو عدوّ تونس الأول وتصدّى له وكفانا شرّه إنّه الفكر السّلفي. أمّا الفكر المستنير فهو خير وقاية وخير علاج للتّعصب الدّيني.