في ظل ضعف توزيع الكتاب في العالم العربي والصعوبات التي يلقاها الفن الجاد للحضور بالشكل المطلوب في المهرجانات العربية، التي تقام دون هوادة وتحتفي في المقام الأول بالثقافة والفن الرائجين، يصبح للأسابيع الثقافية مهمة خاصة جدا وذات جدوى في نفس الوقت. ولعل من محاسن اختيار عاصمة عربية في كل سنة لتكون عاصمة للثقافة العربية، هو إتباع آلية تنظيم الأسابيع الثقافية، كشكل من أشكال الاحتفاء بالثقافات العربية التي وإن كانت تشترك في التاريخ واللغة والذاكرة، فإن لكل ثقافة منتوجها الإبداعي الخاص الذي يكشف عن خصوصيتها الثقافية من جهة وعن المدارات الآنية والمعاصرة التي يتحرك فيها الشعر والفكر والمسرح وغير ذلك. لذلك فإن الأيام الثقافية التونسية التي انتظمت بسوريا قبيل عيد الأضحى، قد مثلت قناة تواصل ثقافي من نوع خاص خصوصا أن المادة الثقافية المقدمة كانت متنوعة فشملت الطرب من خلال صوت لطفي بوشناق وأيضا فرقة العازفات وفرقة الفنون الشعبية، وخصصت للفكر وللشعر حيزا بمشاركة الأساتذة المنجي الزيدي ومحمد علي اليوسفي والجليدي وكاتبة هذه الورقة ، بالإضافة إلى مسرح «فو» والثنائي رجاء بن عمار والمنصف الصايم وأفلام نوري بوزيد ونجيب بلقاضي، دون أن ننسى معرض الكتاب ومعرض الفنون التشكيلية . ورغم أهمية «دمشق» كعاصمة لسوريا ككل ،فإن اللافت أن الغوص في المحافظات يخفي مفاجآت سارة من ذلك أن الأمسيات الشعرية التي انتظمت في مدن دمشق وحماة (مدينة قديمة جدا يرجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد ومشهورة بنواعيرها) وحمص (يعود تاريخها إلى عام 2300 قبل الميلاد وتسمى بمدينة خالد ابن الوليد وفيها الكثير من المقامات مثل مقام أبو موسى الأشعري والصحابي عمرو بن عنبسة ومقام الخليفة عمر بن عبد العزيز وتوصف مدينة حمص بأبوابها السبعة المتميزة)، قد حضرها جمهور نوعي ومكثف وعقدت في مراكز ثقافية أقرب ما تكون إلى تحف فنية رائعة المعمار، زد على ذلك ما تم لمسه من حسن إنصات وتقدير كبيرين للشعر والمعلوم أن النخبة السورية جد مهتمة بالتجارب الفنية التونسية خاصة المسرح الذي تعتبره تجربة رائدة في المسرح العربي. والمدهش أن الذائقة في سوريا ليست واحدة، بل هي متنوعة فتجد مدينة أكثر ميلا للتجارب التقليدية وأخرى منجذبة إلى التجارب الحداثية دون أن يؤثر ذلك على أفاق تلقي أي تجربة جادة ومهما كانت قيمها الجمالية. والذي يلمسه المبدع أيضا وهو يتجول بفنه من مدينة إلى أخرى، أن العالم العربي متعطش إلى بعضه البعض وأن الفضول نحو الذات أكبر مما نتصور الشيء الذي يؤكد أهمية التواصل الثقافي المباشر.