بعد اكثر من تاجيل عادت الاممالمتحدة لتؤكد على لسان الناطق باسم امينها العام ان تقرير لجنة التحقيق الخاص باستهداف منشاتها في غزة الذي يتراسه البريطاني ايان مارتن لن ينشر بالكامل وهو ما يعني بصريح العبارة تخلي المنظمة عن دورها الحيادي المطلوب في هذا التحقيق بما يزيد من طمس صورتها ومصداقيتها ولكن وهذا الاخطر هو تحول المنظمة التي اريد لها ان تكون رافعا للظلم وحاميا للعدالة وللشرعية الدولية الى حجر عثرة امامها وغطاء لجرائم الاحتلال وانتهاكاته في سابقة لا تخلو من المخاطر التي قد لا تتضح قريبا في منطقة باتت اشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار الاكبر في كل حين... والامر طبعا لا يتوقف عند حدود التعتيم الذي سيفرض على اجزاء من التقرير الذي يتطلع اليه اهالي ضحايا غزة والراي العام الدولي والعربي ولكن حول النوايا التي رافقت مثل هذه الخطوة وهي نوايا لا يمكن معها الاقرار برغبة واضحة في كشف الحقيقة التي وقف العالم باسره شاهدا على اطوارها طوال ايام العدوان الثلاثة والعشرين والتي استهدفت مقرات تابعة للامم المتحدة بينها مدارس تحمل راية "الاونروا" لجات اليها عائلات فلسطينية للاحتماء بها من حمى القصف العشوائي لطائرات ومدافع الجيش الاسرائيلي الذي طالما ادعت اسرائيل انه الاكثر اخلاقيا بين جيوش العالم قبل ان يزيل القناع عن وجهه الحقيقي خلال العدوان الاخير على القطاع... ولعل السؤال المطروح الذي سيلاحق الاممالمتحدة اذا لم تتراجع عن قرارها المعلن بالامس هو: من هو الطرف او الاطراف التي تسعى الاممالمتحدة لحمايتها وعدم الكشف عن هويتها ومن المستفيد من ذلك لا سيما بعد كل الدعوات والمطالب المتكررة التي اطلقتها منظمات انسانية وحقوقية تطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين؟ والحقيقة انه لا يمكن باي حال من الاحوال للامم المتحدة ان تدعي ان هدفها في ذلك اساسه الرغبة في احترام مشاعر الفلسطينيين والحرص على عدم تذكيرهم بما عانوه من آلام او جروج جسدية ونفسية ولا ايضا ان تدعي انها تحمي بذلك المستضعفين او تصون حقوقهم المشروعة... ولاشك ان في مثل هذا القرار الذي ياتي بعد الاعلان عن تاجيل صدور التقرير للمرة الثانية على التوالي بدعوى الحاجة لمزيد الادلة من شانه ان يثير اكثر من نقطة استفهام حول ابعاده واهدافه ولكن ايضا حول تداعياته الانسانية والاخلاقية والسياسية والتاريخية ازاء واحدة من جرائم الاحتلال الاسرائيلي المتكررة منذ عقود. واذا كانت المنظمة قد بررت موقفها باسباب قانونية بناء على توصيات الدائرة القانونية للامانة العامة للامم المتحدة التي تفرض بقاء السرية على بعض الاسماء والمعلومات السرية فانها قد تناست ان نفس هذا القانون يفرض عليها اكثر من أي وقت مضى احترام تلك الوعود التي كانت التزمت بها علنا في غزة لكشف ما خفي من الحقائق وتحميل كل طرف مسؤولياته القانونية ازاء ما حدث.