لم أعرف في حياتي رجلا ملأ الدنيا بكتاباته وابداعاته المختلفة بعد تقاعده غير الفقيد العزيز الرشيد ادريس الذي رحل مطمئنا يوم السبت الماضي عن سن تناهز الثانية والتسعين قضاها كلها في خدمة البلاد والعباد سياسيا وثقافيا واجتماعيا وعلميا. لقد التحق الراحل الرشيد ادريس برجال الحركة الوطنية قبل ان يتم العشرين من عمره وبسرعة تمكن من ان يكون في الصف الامامي في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وقد ظهرت عليه بوادر النجابة في الديبلوماسية مبكرا ولذلك قام باعمال كثيرة في تطوير علاقات الحركة الوطنية بمثيلاتها في البلاد العربية وافريقيا كما نجح في ربط علاقات قوية بين الحزب الحر الدستوري التونسي والبلدان الاسلامية المستقلة في الاربعينات والخمسينات. وعلى اثر الاستقلال تكونت حكومة اول دولة مستقلة في تونس فكان ضمن اعضائها، لكنه لم يستمر وزيرا لمدة طويلة ذلك ان الزعيم بورقيبة اختار له ان يكون سفيرا، وابقاه في هذا المنصب الى يوم احالته على التقاعد بعيد اتمامه سن الستين بقليل. كل ذلك يعرفه الجميع تقريبا، ويعرفون تفاصيل كثيرة اخرى فالراحل عاش حياة نضالية وسياسية وديبلوماسية ثرية جدا يصعب الاحاطة بها لانها تمتد من عام 1934 الى 1980. لكن الذي لا يعرفه الكثير من التونسيين ان الرشيد ادريس بعد تقاعده نشر عددا كبيرا من الكتب بعضها في باب المذكرات والسيرة الذاتية.. وبعضها في الشعر والرواية والقصة والمسرحية بل رغب في صياغة سيناريو لمسلسل تلفزي ثم تراجع عن تنفيذ المشروع وحوله الى رواية تدور احداثها في الحمامات وتونس العاصمة، كما كتب في مسائل سياسية وحضارية وكيف لا يفعل وهو السياسي المحنك فضلا عن تعلقه بالدراسات والبحوث العلمية من خلال نشاطه على رأس الجمعية التونسية للدراسات الدولية التي اسسها في فترة تقاعده ولم يتخل عن ادارتها الا قبل سنة واحدة من يوم وفاته، او من خلال رئاسته لجنة التحقيق والاستقصاء في قضايا حقوق الانسان. شخصيا عرفت الراحل العزيز الرشيد ادريس بعد تقاعده بأشهر وبالتحديد مع صدور كتابه الذي نال شهرة فائقة ويحمل عنوانا موحيا يشي بمحتواه «من باب سويقة الى منهاتن» في تلك الفترة كنت قد اسست ناديا ادبيا واعلاميا بدار الثقافة الطيب المهيري بحي الزهور دعوت الى منبره شخصيات فكرية وادبية وسياسية للحوار مع الشباب.. ولبّى الرشيد ادريس الدعوة وجاء الى حي الزهور وفوجئ بحضور جمهور كبير امتلأت به القاعة الكبرى التي كانت تتسع لاكثر من ثلاثمائة نفر، وانهى حواره مع الشباب في سعادة تحدثت عنها عيونه وفضحتها حتى بدلته الأنيقة. صحيح ان الرشيد ادريس كتب بعض المقالات قبل عام 1980، ولكن ابدا لم يعلم عن موهبة ادبية الا وهو يتخطى الستين خاصة وانه اكتشف ان كتابه الاول «من باب سويقة الى منهاتن» حظي باستقبال كبير لدى كل الذين عرفوه عن كثب أو لدى كل الذين يسمعون عن هذه الشخصية الفذّة دون ان تسمح لهم ظروفهم بالاقتراب منه ربما لوجوده شبه الدائم في الولاياتالمتحدةالامريكية سفيرا لتونس بواشنطن ومندوبا قارا لها في المنتظم الأممي بنيويورك. لقد نشر الكاتب الرشيد ادريس مؤلفات كثيرة كلها بين 1980 و2009 وفي هذه المدة الطويلة.. لانها تأتي بعد التقاعد اثبت انه شاعر وقصاص وروائي فضلا عن اثباته لقدراته في كتابة المقالات السياسية والفكرية التي لم يتخلص فيها من ميله الى الصياغة الفنية ولم يبتعد في كتابة المذكرات السياسية على الروح الابداعية التي يتميز بها. ولأنه اصر على حضوره الأدبي ولو بشكل متأخر نسبيا فاني اصبحت منذ بداية الثمانينات على اتصال به،. فهو يعلمني بانتظام عن مؤلفاته الجديدة وعن مواعيد صدورها بل كان رحمه يحيطني علما بدخول مخطوطه هذا او ذاك الى المطبعة وكنت من ناحيتي سعيدا بنشر أخباره الأدبية وقد اسرّ لي يوما أنه لا يحس وجوده.. ولا يحس بالسعادة الحقيقية، الا عندما يؤلف كتابا او يتحدث مع الناس في شأن من شؤون الأدب، بل ان سعادته تكون اكبر لما يتحدث عن كتاباته القصصية والروائية. ولان الله قد أطال عمره بعد سن التقاعد فانه تمكن من صياغة جزء كبير من مذكراته النضالية والسياسية والديبلوماسية اما عن صباه ومراهقته وشبابه الأول فانه تحدث عنها ابداعيا في روايات من قبيل «فانون الفجر» الذي اصدره باللغتين العربية والفرنسية او في قصص من قبيل «أرق على ورق». لقد تمكنت من اجراء حديثين صحفيين مع الرشيد ادريس في الثمانينات والمنتصف الاول من التسعينات، وفي سنة 2000 اجريت معه لقاء تلفزيا ضمن برنامج «فنون مغاربية» ثم لقاء آخر متلفز ضمن برنامج «صفحات من العمر». وفي كل هذه اللقاءات ثروة حقيقية من المعلومات عن هذا الرجل باح بها هو بنفسه.. بل هناك بعض المعلومات التي لا يعرفها احد. فلقد ذكر لي ان اختيار بورقيبة له ليكون سفيرا لتونسبالولاياتالمتحدة لم يكن احتفاء به بل هو نوع من التغييب يُتقن بورقيبة لعبته سياسيا. عندما باح لي بهذا «السر» لاول مرة وعلى «الملأ» سألته لماذا غيّبك بورقيبة عن الساحة السياسية التونسية نهائيا وابقاك سفيرا مدى حياتك المهنية. فقال هذا الجواب ستجده في كتابي القادم!! ما أريد قوله ان الرشيد ادريس نموذج رائع عن النضال.. وعن السياسية.. وعن الديبلوماسية.. وعن الكتابة الادبية.. وهو النموذج الامثل عن رفض التقاعد والعمل على اثبات الذات والوجود الى لحظة الانطفاء والرحيل.. وهي لحظة الاشراق ولحظة الحضور.