تونس- الأسبوعي يبدو أن الإيقاعات تغيّرت... والنغمات اختلفت... وأثر الواقع الجديد في مصير جيل كامل من فنانين صنعوا مجد أغنيتنا لتشهد فترتها الذهبية وذروة إشعاعها وتألقها في بداية الثمانينات إلى حدود أواخر التسعينات وانطلاقا من هذه الفترة دخلت أغنيتنا في أزمة على جميع المستويات وبدأت بوصلة فنانينا تضيع في حنايا الواقع الجديد. بل إن هذه التحوّلات دفعت عديد النجوم إما إلى الانسحاب و«الاستقالة» الكليّة أو متابعة هذا الواقع المرّ دون المجازفة بالتجديف ضد التيار... تيار الإيقاعات السريعة والأغاني «السندويتش». لمّا تحدثنا مع بعض الأسماء من هذا الجيل وقفنا على يأسهم... إحباطهم وشعورهم بالمرارة... الكل أطلق صيحة فزع بشأن هذا الوضع... عبد الكريم صحابو تحدث عن العشوائية... عبد الوهاب الحناشي أشار إلى تبلد الذوق... الناصر صمود تذمّر من الإقصاء والتهميش... الشاذلي الحاجي اعترف ب«الاستسلام» والإحباط والمنصف عبلة اتهم الإذاعة... ولئن اختلفت وجهات النظر فإن جميعها تدعو إلى ضرورة إعادة الروح للأغنية التونسية وهو ما تكتشفونه من خلال هذه الورقة. عبد الكريم صحابو: على استعداد للعودة إلى التلحين هذه اللحظة بشروط ساحتنا الغنائية طغت عليها العشوائية في غياب التجديد والبحث والحد الأدنى من الاجتهاد... بل إن المطرب أصبح اليوم «يلوك» أغاني غيره فكيف تلومون الملحنين؟... لنتحدث بصراحة لمن سيلحّن؟ هل لهؤلاء الذين يتعاملون مع الساحة الفنية بمنطق التجارة؟.. لا أتصور أنه بإمكاننا إعادة مجد الأغنية التونسية بهذه العقلية... الرغبة في الإنتاج أصبحت غير متوفّرة لجيل كامل لغياب الظروف الملائمة والمشجعة على العمل... اليوم كل فنان يخدم مصالحه لتضيع في ثنايا هذا التفكير المبتور والأعرج مصلحة الأغنية التونسية.. بعض المطربين تجاوزهم الزمن باعتبار أن الفنان إذا تجاوز الخمسين تتضاءل حظوظ نجاحه باستثناء قلّة نادرة... مازال بعض الشعراء يكتبون أغاني تجاوزها الزمن... بالنسبة لي إذا توفر لي الشعر الجيّد وضمان تسويق الأغنية فإني على استعداد للعودة إلى التلحين انطلاقا من هذه اللحظة. عبد الوهاب الحناشي: هجمة الفضائيات «بلّدت» الذوق الإيقاع تغيّر مع هجمة الفضائيات والذوق اختلف مع تزايد القنوات... مجتمعنا أصبح شبابيا ولا تعجبه إلا الأعمال التي تواكب العصر... أبناء جيلي من الفنانين لم يقتنعوا أنه لا بد من تغيير المنهج ومخاطبة الجمهور ب«لغته»... جيلنا يملك الخبرة والصوت الجميل وكل مواصفات النجاح ولم ينخرط في موجة الإيقاع الحديث فإنه سينجح طبعا دون النزول تحت مستوى معيّن... ما ينقصنا هو ضرورة العودة إلى الساحة من الباب الكبير... شخصيا أصدرت أغنية «هاوس» وبثت في عديد المناسبات على موزاييك فأعجبت أكثر من 80% من المستمعين... يجب أن ننسنى مسألة غياب شركات الإنتاج مع ضرورة تعويل الفنان على ذاته في إنتاج الأغاني لضمان تواجده. بلغيث الصيادي: الفنان الحقيقي «يتفرّج» لا يمكن أن ننكر القيمة الفنية لجيلنا الذي ساهم في إشعاع الأغنية التونسية في أواخر الثمانينات والتسعينات... لا شيء يشجّع اليوم على الإنتاج فالساحة الغنائية أصبحت مرتعا لمن هبّ ودبّ والفنان الحقيقي يتفرّج... ولا شك أن هذه الوضعية تستدعي من الجميع التحرّك وفتح الأبواب أمام الفنانين لأن الأغنية التونسية هي الخاسر الأول. الناصر صمّود: إقصاء وتهميش أعتقد أنه وقع إقصاء جيل كامل من الشعراء والملحنين بعد أن قدّموا الكثير للأغنية التونسية... لقد عوّلت سلطة الإشراف على بعض الأسماء الحاصلة على الدكتوراه في الإدارة الموسيقية على غرار لسعد قريعة ومراد الصقلي وغيرهم ففهموا الحكاية خطأ والسبب أن الموسيقى إضافة إلى أنها نظرية فهي أساسا تقنية تحتاج إلى التجربة لكن الجميع ركّز وانكبّ على النظري فبقينا ننتظر... انطلاقا من سنة 1994 أصبحت وزارة الثقافة والمحافظة على التراث هي المنتج الوحيد للأغنية فدخلنا في سرداب المحسوبية و«الأكتاف» ومنطق العلاقات و«رزق البيليك»... التلفزة تعتمد على إنتاجنا في المناسبات الكبرى لأنه «الصحيح» فبقينا نعيش على الماضي فقط... والحل الوحيد هو تقديم الدعم لأسماء قديرة تتميز بكفاءتها مع منحها حريّة العمل بعيدا عن الدعم المشروط... المشكلة أن نفس الأسماء تتكرّر في كل اللجان وهذه هي المعضلة الحقيقية... بصراحة لست متفائلا لأننا أصبحنا هائمين على وجه الأرض من فرط اليأس والإحباط. الشاذلي الحاجي: استسلام وإحباط نحن اليوم أمام منطق جديد فقد الكثير من المصداقية والمسؤولية ورغم إقبال المتلقي على ما يقدّم له بنهم فإنه المتضرّر في الدرجة الأولى ويأتي بعده جيلنا الذي خدم الأغنية التونسية بصدق، أصبحت المواضيع تتشابه... الإيقاعات تكاد تكون واحدة... الكلمات لا يمكن فرزها والتميّز يقتصر على النادر والقليل... ولا شك أن الأرضية مهيّأة لهذا المنطق الجديد ولا بد أن نعترف بمسؤوليتنا في «الاستسلام» لهذا الوضع رغم التزاماتنا مع أنفسنا وقناعاتنا ولا أتصور تواصل هذه الموجة مهما تغيّرت المعطيات... أنا متفائل ب«استفاقة» هذا الجيل سنة 2010 لنتخلص ونتجرّد من شبح الإحباط... وعلينا أن نعيد بناء أنفسنا بطريقة ليست بعيدة عن مناهجنا ولا يمكن لنا أن نلبس كساوي غيرنا... فمن سابع المستحيلات أن يكون الشاذلي الحاجي راقصا على الركح في سبيل أن يعجب الجمهور ويشدّ إليه الأنظار... صحيح أننا اليوم على «دكّة» الاحتياط لكن يمكننا في أي وقت استعادة أماكننا لأننا بصراحة قيمة ثابتة ويصعب تعويض أصوات هذا الجيل بسهولة. المنصف عبلة: الإذاعة تخلّت عن دورها أغلب الفنانين من جيل كامل سحب من تحت أقدامهم البساط... إنتاجنا متوفّر لكن لا وجود لشركات إنتاج تشجّع الفنان التونسي بل إنها ترفض توزيع الإنتاج التونسي حتى «بوبلاش»... مشكلة أخرى مهمة وهي أن مصلحة الموسيقى بالإذاعة التونسية تخلت عن دورها في إنتاج الأغاني في الوقت الذي ساهمت فيه في نهضة الأغنية التونسية أيام ازدهارها وذروة تألقها وإشعاعها... ولا يكفي الإذاعة استقالتها من الإنتاج بل أنها لا تبث أغانينا بالكيفية التي تعرف بجديد الفنان... فأين تريدني أن أبث أعمالي الغنائية؟... أريد أن أشير إلى مسألة مهمة أخرى وهي تجاهل أغلب البرامج الإذاعية والتلفزية لأبناء جيلي بحجّة أننا «كبرنا» والحال أن الفنان لا تزيده السنوات إلا نضجا... أليست كل هذه العوامل محبطة للعزائم خصوصا أن كل الأبواب مغلقة... إنني أطالب بحصّة تلفزية تحضرها كل الأطراف المسؤولة لنسعى إلى معالجة هذا الملف مباشرة حتى يعرف الرأي العام كل الحقائق التي يجهلها. محمد صالح الربعاوي للتعليق على هذا الموضوع: