عمر بن عبد الله بنسالم إن القاضي العقاري يتعامل مع المواطنين الذين لهم أملاك عقارية دون غيرهم والنزاع عند تحديد تلك الأملاك وضبط مستحقيها قصد الحكم بتسجيلها لا يحصل إلا بصورة عرضية جدا لأن الحكم العقاري بالتسجيل يقر الحقوق ولا ينشئها. وأذكر أنه في ذلك التاريخ وبعد أن قطعنا في أعمال التحديد والتسجيل شوطا بعث والي صفاقس إلى رئيس المحكمة العقارية بتونس يطالبه بتغيير قضاة الفرع لأنهم يطبقون قانونا «أكل عليه الدهر وشرب» حسب العبارة الواردة بالمكتوب فما كان علي إلا أن أجبته أن المحكمة تطبق القانون ولا تسنّه. وحدث أن جاء موعد الانتخابات التشريعية في نوفمبر 1981 واتصل بي معتمد المكان في ذلك العهد السيد صالح الجعيدي وأكد لي حرص والي صفاقس السيد الحبيب التونسي على تشريك القضاة في الإشراف على الانتخابات وكنت ممتعضا وكارها لترؤس لجنة الفرز المركزي لمعتمدية بئر علي بن خليفة لأني قرأت في ذلك الأسبوع العدد الأخير من مجلة Jeune Afrique الذي أورد أن رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة حذر الولاة والمعتمدين وتوعّد كل من تنجح قائمات المعارضين في دوائرهم بالعزل. يا لها من ديمقراطية مؤسس الجمهورية والمجاهد الاكبر الذي لا يفتأ يردّد في خطبه بكون التونسيين هم غبار من الأفراد Poussière d?individus وأن العالم يعرف تونس بالانتماء إلى رئيسها وليس يعرفه بالانتماء إليها بمعنى أن الرئيس هو الأصل وأن تونس هي الفرع. وكان حدثني صديقي وزميلي القاضي الملحق الآن بوزارة الداخلية السيد صلاح الدين الضمبري أنه لما كان تلميذا بالمدرسة الابتدائية بالمدينة العربي بتونس العاصمة وسأل المعلم آنذاك السيد الحبيب التونسي: «من حرر تونس من الاستعمار؟ فأجابه بفرحة الواثق من صحة الجواب: «محرر تونس هو الحبيب بورقيبة» فنهره المعلم المذكور وقال: «بل المجاهدون التونسيون». أما اليوم في تاريخ الانتخابات 1981 يقول لي المبعوث من الولاية ليحمل صندوق نتيجة الفرز المركزي: «لقد صرح الوالي أنه سيُدلّس الانتخابات محبّة في الرئيس بورقيبة وله أن يعاقبه إن شاء فهو يرحّب بهذا العقاب» إن منزلق الانفراد بالسلطة لدى بورقيبة ابتدأ منذ أول انتخابات بلدية سنة 1957 كما نجحت القائمة المستقلة في بلدية دار شعبان الفهري ورمزها اللون الأصفر. وقد استشاط غضبا في ذلك التاريخ ونادى على الكاتب العام للجامعة الدستورية بالوطن القبلي السيد محمود المعموري وعنّفه لفظيا وقال: «كيف لم تقدر أن تستقطب في قائمة الحزب الحر الدستوري الحاكم الأشخاص ذوي الإشعاع؟» وعزله كما حل المجلس البلدي المنتخب ديمقراطيا بنابل قبل أن تنتهي مدته الانتخابية التي كانت محددة في ذلك العهد بثلاث سنوات. ونقل مركز ولاية الوطن القبلي إلى قرية قرمبالية الموجودة في منتصف الطريق تقريبا بين العاصمة تونسونابل وذلك بقصد معاقبتها. وكان هذا السبب التاريخي في وجود محكمة ابتدائية بقرمبالية إلى يومنا هذا وليس في عاصمة الولاية نابل على غرار بقية الولايات. أما مركز الولاية فقد رجع إلى نابل منذ سنة 1966 في عهد الوالي عمر شاشية. وبخصوص انتخابات 1981 توفرت للمواطن التونسي لأول مرة إمكانية الاختيار في نطاق الحرية والسرية بين عديد المترشحين عن 4 أحزاب سياسية متعددة: 1) الورقة الحمراء عن الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم 2) الورقة الخضراء عن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين المعارضة برئاسة السيد أحمد المستيري 3) الورقة البيضاء عن حزب الوحدة الشعبية المعارض برئاسة محمد بن الحاج عمر 4) الورقة الزرقاء عن الحزب الشيوعي التونسي المعارض برئاسة محمد حرمل وكانت المواعيد الانتخابية السابقة سواء بلدية أو رئاسية أو برلمانية تخضع لشعار «لا إمساك ولا تشطيب» وتدخل فقط في باب تعويد المواطن على الذهاب إلى مكتب الاقتراع لأن الحزب الحاكم هو المتفرد بالترشح وقد أفسح المجال سنة 1979 إلى تقديم قائمات تشمل ضعف العدد المطلوب ليختار المواطن النصف. أما في الانتخابات التشريعية لسنة 1981 فقد حرصت حكومة محمد مزالي على القطع مع نظام الحزب الواحد وكان المفترض أن يبدأ الفرز المركزي بداية من السادسة مساء بمقر المعتمدية وأتولى أنا بوصفي قاضيا رئاسة اللجنة بعضوية الكاتب العام للبلدية وقابض المالية. رئيس دائرة بمحكمة التعقيب حاليا