صدرت مؤخرا بعض الكتب والتقارير التي تحدثت عما يسمى «الشركات الأمنية العاملة في العراق» وللحقيقة اقول ان المعلومات التي تم تداولها ترقى إلى ما فوق الخيال، فالاعتقاد السائد لدى أغلب الناس كان يفيد أن هذه الشركات تؤدي مهام محددة وتخضع - على الأقل - إلى قوانين البلدان او الجهات التي تعمل لحسابها.. الا ان ما خفي كان ادهى وأعظم وأمر.. ما هي هذه الشركات؟كيف تنتدب المرتزقة للعمل لحسابها؟ كم عددها في العراق وما هي الأعمال التي قامت، ومازالت تقوم بها هناك؟ إلى أي من القوانين تخضع هذه الشركات؟ متقاعدون وفقراء مع تزايد بؤر التوتر والحروب في العالم بات عدد «الشركات الأمنية» في تزايد ايضا. هذه الشركات تنتدب افرادها عادة من المتقاعدين من الجيوش الأمريكية والبريطانية والافريقية الجنوبية وامام ارتفاع تكلفة هؤلاء المتقاعدين لجأت هذه الشركات إلى البحث عن عمالة ارخص ووجدت ضالتها في دول كثيرة من أمريكا اللاتينية مثل البيرو والشيلي وبنما.. وكان الأسلوب الوحيد المعتمد في الانتداب هو الاغراء بالمال واللعب على النقطة الحساسة للمجندين الا وهي الفقر والبطالة. الف دولار في اليوم! يتقاضى الجنود النظاميون في كل من بريطانيا وأمريكا ما بين 1500 و5000 دولار وذلك حسب رتبهم. أما أجر المرتزقة فهو الف دولار في اليوم للفرد الواحد، وتفسر بعض الأطراف هذا التفاوت بأن عمل المرتزقة ظرفي وأن عمل الجندي النظامي دائم حسب العقد الذي يمضيه مع وزارة دفاع بلاده. من يشرف عليها وما هي مهامها؟ أكدت المعلومات أن الحرب على العراق جرت إلى هذا البلد ما لا يقل عن 130 «شركة أمنية» اغلبها من امريكا وبريطانيا واسرائيل.. ومن الناحية المبدئية فان الاشراف المباشر على هذه الشركات يعود إلى الدول التي تعمل لحسابها. وفي تفسير للمهام الموكولة اليها، من الناحية المبدئية، قال «جون هيلاري» مدير الحملات والسياسات في منظمة «وورأون وانت» )war on want( «بعض المرتزقة ذهب إلى العراق وفي اعتقاده انه يقوم بتوفير الأمن.. بعضهم يعتقد انه يساهم في ارساء الديموقراطية.. لكن مهامهم الحقيقية بعيدة كل البعد عن هذين الاعتقادين». قذارة.. فظائع.. وثروات! قال جون هيلاري أن شركة black water الأمنية على سبيل المثال قادرة على نشر 20 الف جندي في مكان واحد ووقت واحد وهي تملك أسلحة متطورة جدا وعتادا حربيا وطائرات وأضاف إن هذه الشركات تعمل أحيانا مع الجيوش النظامية وأغلب الأحيان بمفردها، أما الأعمال التي تقوم بها هذه الشركات في العراق فهي قذرة وفظيعة وربما أدهى من ذلك، فهي التي تتولى قتل العراقيين وهي التي تتعامل مع المعتقلين في السجون والمعتقلات وتمارس عليهم مختلف أنواع الاهانة والتعذيب.. وهي تباشر التحقيق مع السجناء والمعتقلين وهي التي يعهد لها باخضاع المناطق المتمردة (والتعبير لجون هيلاري).. وهي التي تقوم بتفجير السيارات والمساجد السنية والمقدسات الشيعية بهدف زرع الفتنة والتناحر بين ابناء الشعب العراقي.. شهادات وعملاء بعد اطلاق سراحه من سجن «ابو غريب» افاد مواطن اردني بأنه تعرض إلى الاهانة والتعذيب طوال فترات التحقيق معه. وأضاف هذا المواطن قائلا: «بعد اعتقالي جاءني محقق وقال لي بالحرف الواحد:انا اسرائيلي وسوف أتولى التحقيق معك بالأساليب التي تليق بكم أنتم العرب، لقد حققت مع المئات من العرب عموما والفلسطينيين بصفة خاصة وسوف اعاملك بالطرق التي تعلمتها في بعض البلدان العربية بالذات»! وقال شاهد اخر أن المرتزقة ليسوا من الأجانب عن العراق فقط بل ان هذه الشركات استقطبت ايضا عراقيين تدفع للواحد منهم 25 دولارا في اليوم واوكلت لبعضهم مهمة الترجمة وللبعض الاخر مهمات أخرى قذرة مثل التخريب والاختطاف والتصفية الجسدية خاصة في صفوف العلماء. اثراء على حساب الجثث والدماء وفي احدى شهاداته قال جون هيلاري: «لم يكن رقم معاملات بعض هذه الشركات يتخطى مليون دولار في السنة. ومنذ الحرب على العراق سنة 2003 باتت تحقق ارباحا طائلة اذ بلغ رقم معاملات احداها 296 مليون دولار.. وهذا طبعا اثراء على حساب الجثث والدماء والأبرياء»!! لا يخضعون لاي قانون وكشف هيلاري في شهادته أن الأعمال القذرة التي تقوم بها هذه الشركات لا تجعلها عرضة لاية مساءلة قانونية مهما كانت فظاعة الجرائم.. واكد انه لا يوجد قانون في العالم يجرم ما تقوم به هذه الشركات وان منظمته تسعى إلى حث الاممالمتحدة على سن قوانين تمنع هذه الفوضى التي تحدثها هذه الشركات التي تختفي وراء قناع توفير الحماية والامن وتشيع قانون الغاب في العراق وغيره من بؤر التوتر والحروب. غطاء للجرائم عندما ندرك أن هذه الشركات لن يطالها أي عقاب مهما كانت فظاعاتها وتجاوزاتها ندرك ايضا لماذا تستعين بها امريكا وبريطانيا بالخصوص في العراق، فمن الناحية المبدئية يعاقب الجنود النظاميون عندما يرتكبون جرائم حرب او تجاوزات بينما لا يعاقب المرتزقة، من جهة أخرى عندما يسقط جندي نظامي في العراق فانه يدخل اجلا او عاجلا في السجلات الرسمية للاموات بما يعني ذلك من سخط اهله والرأي العام البريطاني والامريكي عموما لكن عندما يموت مرتزق فإنه يموت مثل الكلب ولا يسأل عنه أحد...! كلاب حرب! ونختم بهذه العبارة ذات الدلالة العميقة اذ قال جون هيلاري: «ان المرتزقة كلاب حرب» وكان يشير إلى اولئك الذين انتدبتهم دول غربية أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها للقيام بالحرب نيابة عن تلك الدول او جعلتهم، في احسن الأحوال،، في الصفوف الأمامية وهذا التعريف الذي أطلق انذاك على الأفارقة بالخصوص ينطبق على كل مرتزق حتى اذا مات فإنه لا يستحق أن تذرف من اجله دمعة واحدة. وللتذكير ايضا قال هيلاري أن عشرات الالاف من هؤلاء المرتزقة حصدتهم المقاومة العراقية وذهبت اخبارهم في خبر كان.