قدمت فرقة أورنينا للرقص المسرحي من فلسطين"ملحمة الإلياذة الكنعانية" ليلة أول أمس الأول بمهرجان الحمامات الدولي أمام حضور عدد متوسط من الجماهير وهي أول مرة تطأ فيها المجموعة أرض تونس بعد أن كانت قد حطت الرحال في أغلب بلدان العالم خلال العقود الأخيرة. لم تتأثر المجموعة برداءة الطقس وشغور أغلب مقاعد مدارج المسرح، بل بدت في أوج تجلياتها الثقافية والفنية والجمالية لتقدم على امتداد أكثر من ساعة، عرضا ضخما، في شكل كوميديا موسيقية مستلهمة من الفولكلور الفلسطيني، كان في مستوى قيمة وصيت فرقة أورنينا للرقص المسرحي التي تتحيز مراكز متقدمة على مستويين إقليمي عربي وعالمي. فكان هذا العرض، الذي يتضمن لوحات راقصة وقراءات شعرية ومعزوفات موسيقية، بمثابة شهادة حية على قدرة الفنون على طرح ومعالجة قضايا تاريخية وحضارية وثقافية في أبعادها الإنسانية، من خلال إعادة تشكيلها بأدوات فنية صِرفة. ليلامس العرض القضية الفلسطينية في أحلك فتراتها باعتماد المسرح الراقص الذي يعتمد الجسد ويطوعه للنبش في الذاكرة والتاريخ قصد معالجة قضية لا تزال تبعاتها تلقي بثقلها على واقع المنطقة والبلاد وشعوبها. فأكثر من أربعين عنصرا من الفرقة حوّلوا ركح المسرح الأثري بالحمامات إلى دائرة حوار حول تاريخ وحضارة الشعب الكنعاني أو الفلسطيني لتحمل هذه المجموعة الحاضرين في رحلة في الذاكرة تعود لأبرز المراحل والأحداث التي عرفتها الحضارة الكنعانية. وذلك من خلال خمسة عشرة لوحة في العرض تترواح بين الكوميديا الموسيقية ولوحات راقصة وقراءات شعرية ومعزوفات موسيقية. الجسد في هذا العرض أداة تبليغ وتأريخ ومحمل لجزء هام من ذاكرة أرض فلسطين وبلاد الشام، من خلال التوقف عبر لوحات راقصة ومغناة، في أبرز مراحل النضال والمقاومة ضد الغزاة والمستعمرين بدءا بالفرس مرورا بالمقدونيين والرومان والحروب الصليبية مستعرضا تعاقب الحضارات على هذه الأرض الخصبة, أرض الأنبياء بامتياز وصولا إلى حين النضال الفلسطيني المعاصر ضد الاحتلال الاسرائيلي. تمازج إثني وفني وقد نجح مدير الفرقة ومخرج العرض ناصر إبراهيم في هندسة ملحمة "الإلياذة الكنعانية" كوريغرافيا. فيما كتب نصها الأديب محمود عبد الكريم، لتكون بمثابة رسائل ثرية من حيث المضامين الحضارية والثقافية والاجتماعية والسياسية والأهداف الإنسانية النبيلة. لتبيّن مدى تجذر الكنعانيين في الحضارة والتاريخ وما عرفوه من تعاقب للحضارات والثقافات. مما انعكس على لغة الحوار المنفتح على ثقافات مختلفة وأديان مختلفة. قدمها العرض في طرح مسألة "جسر العبور" بعد النكبة و"جدار البراق" وما أثاره من خلافات سياسية وإثنية وما آل إليه الأمر من تغير ملامح مدينة القدس وغيرها من المدن الأخرى لنفس الدواعي. درويش حاضر بالشعر والتسجيلات الصوتية القاسم المشترك للوحات العرض الخمسة عشرة تمثل في الإيقاع الملحمي وتمازج نبرات الحزن والألم والأمل والحلم. وهي نبرات عكست عمق المعاناة ووقع الأحداث والمظالم التي عرفتها هذه الأرض وسكانها على امتداد قرون. ولتكشف مدى تعلق أبناء هذه الحضارة والأرض بوجودهم وحقهم في البقاء والانتماء من خلال خيار المقاومة الذي يعكس بدوره نزوع الكنعانيين إلى حب الحياة والتعاطي مع المختلف بنفس الأدوات في نزعة "ندّيّة" للتحدي. فكانت الكلمات منتقاة ومتناغمة مع التجسيد الركحي لعناصر الفرقة التي خبرت مسارح العالم. فكانت الأغاني التراثية القديمة والإيقاع الجبلي حاضرة على غرار أغنيتي "على دلعونة" و"يا حرية" وياما مويل الهوى ياما مويليا... ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّ" وغيرها من الأغاني الأخرى التي عرفت بصوت فيروز وغيرها. وكان الراحل شاعر المقامة محمود درويش حاضرا في هذا العرض سواء من خلال توظيف أشعاره أو اعتماد تسجيل صوتي له في قراءة لقصيدة " أيها المارون بين الكلمات العابرة". كما كانت مصطلحات من واقع المنطقة الحديث، من قبيل " ثورة" و"القسام" و"المشردون" والسلام"، حاضرة بقوة في لوحات العرض. وكأن في ذلك تأكيد على العلاقة الوثيقة بين السابق والحاضر وهو ترابط يؤسس ويكشف عن تواصل سلسلة النضال في المستقبل طالما أن القضية لا تزال قائمة الذات لكن مع كثير من الأمل بواقع جديد وأفضل. لذلك شدت اللوحات الحضور من خلال ما تكشف عنه من عمق في الطرح واتقان وانسجام في الحركات والتنقل على الركح. حتى بدت في بعض تجلياتها وكأنها لوحات قُدّت على مقاس ركح مسرح الحمامات. وقد شكل صوت الفنان السوري شادي العلي عامل آخر ساهم في تميز العرض الذي تجاوب معه الحضور بالبكاء أحيانا والفرح والتصفيق أحيانا أخرى. لتوصل الفرقة إلى الجمهور رسالة فنية تبرز من خلالها قوة المقاومة وصلابة الإرادة ضد ما يحدث على أرض فلسطين من قتل وتشريد وتهويد. الملابس والحركات والايقاع والكلمات والأدوات والإضاءة والسينوغرافيا كلها عوامل منسجمة مع التاريخ والأحداث في طرح متكامل، جعلت من العرض يرتقي إلى مرتبة الملحمة الإنسانية التي تتجاوز قضية شعب وجزء من خارطة العالم لتطرح قضية الوجود الإنساني ورحلته من أجل اثبات الذات وفرض نسقه في الكون.