كذّبت الدورة الثلاثون ل"معرض تونس الدولي للكتاب"، المراهنات من قبيل أن هواجس الخوف والرّيبة نظرا لتزامُنها مع ظروف وأحداث صعبة وأليمة عرفتها بلادنا قد تحوّل دون إقبال العارضين والزوار وقد انطلقت محكومة بإرادة المشرفين على تنظيمها، من أفراد وهياكل، تحرص على تحدّي المخاطر المحدقة بالفكر والمهدّدة للمعرفة والحياة والمقوّضة للوطن؛ فإذا بالتظاهرة تتحوّل إلى اكثر من موعد مع الكتاب والنشرإلى أداة لمقاومة "ثقافة الموت" والظلامية والعمل على زرْع المعرفة والحث على التعلم ونشر ثقافة حبّ الحياة والتواصل مع الآخر بقطع النظر عن لغته وثقافته وإيديولوجيّته وقد تبيّن ذلك من خلال نوعيّة الكتب المعروضة ومواقف وآراء المشاركين في الندوات والموائد المستديرة وقد كان يوم الإربعاء الذي شهدت فيه تونس محاولات الإرهابيّين ضرب أمن البلاد مرّة اخرى استثنائيا في الدورة الحالية للمعرض من حيث الإقبال؛ فقد غصّت أروقة قصر المعارض بالكرم بعدد الزائرين ممّا خلق حركيّة غيرمعتادة في الفضاء خاصة أن نسبة كبيرة من الزائرين كانوا من الشباب التلمذي والطلابي مثلما أجمع أغلب العارضين وبين جميع من تحدثنا إليهم أنهم يؤمنون بأن المعرفة والتطور يعنيان الحياة؛ لتكون هذه التظاهرة مناسبة لتأكيد نزعة التونسي إلى التعايش السلمي والتكافل الاجتماعي والحب والتوق إلى المستقبل الأفضل ورفضه لكل مظاهرالعنف ونزعات التفرقة والتفتين و"الثقافات الجديدة" التي بشّر بها البعض وزكاّها البعض الآخر، وبرّر سبب الدفاع عنها، حتّى وإن تعلّق الأمر بالموت أو القتل ومشاهد الدم ومنغّصات الحياة التي تعمل بعض الجهات على زرعها في مجتمعنا اليوم؛وذلك من خلال ما عرفه المعرض من إقبال بأعداد محترمة في الأيام الأولى لتنظيمه أي انطلاقا من يوم الجمعة الماضي وبعد يومين من الحادثة الأليمة بسيدي علي بن عون التي هزّت كل التونسيّين وذهب ضحيتها ستة من الحرس الوطني وسابع بمنزل بورقيبة ببنزرت فهذه الظروف الاستثنائية والصعبة التي كانت حافة بانطلاقة الدورة ثلاثين لمعرض تونس الدولي للكتاب لم تثن عزيمة شريحة هامة من التونسيين، من مختلف الأجيال، عن الانتصار إلى العلم من خلال زيارة المعرض في أكثر من مناسبة والتجوّل في أروقته وكأنهم بذلك هبّوا إلى الكتاب بحثا عن زادهم الفكري والعلمي والثقافي ليكون أداتهم لمقاومة الخطر الداهم الذي يرفع شعارالجهل ومعاداة المعرفة والعلم والحياة، مثلما ذهب إليه القاص والروائي محمد الجابلي بقوله:" إنّ الأدب والفكر يظلان فعل المقاومة العصيّ على كل محاولات الهدم والتدمير، وهما السلاح الذي وجب أن تعمل الأمم على تلقينه لأجيالها الصاعدة لتكون لذلك قد بنت وحصّنت مجتمعاتها من كل المخاطر" بين "ثقافة التعمير" و"ثقافة التبشير" ولم تخف ممثلة المعرض الخاص بمنشورات وزارة الثقافة، في بلادنا في هذا المعرض، تخوّفها من تأثير حادثة تفجيرإرهابي لنفسه في سوسة وما رافق الحادثة من ذهول خاصة أن الخبر الصادم، حسب رأيها، انتشر في أروقة المعرض بسرعة؛ فيما أفاد محمّد الهادي الجويني بصفته ممثلا للجهة المنظمة للمعرض أن الجميع حريص على إنجاح هذه التظاهرة الدولية خاصة بعد أن تمّ اتخاذ قرار إضافة يوميْن للمدّة المحدّدة له وذلك بأن تكون أنشطة المعرض بمثابة دفع نحو الثقافة والفعل الذي يرتقي بالإنسانية وقد شدّد عدد من العارضين على إعجابهم بردّة فعل عدد من التونسيين بهذه الطريقة وتشجيعهم لأبنائهم على النهل من ثقافة الكتب والعلم دون سواهما من خلال اصطحابهم إلى المعرض والتجول بين أروقته وتصفّح ما يعرض من كتب ومجلات وحضور مختلف الفعاليات الثقافية التي تنتظم بهذه المناسبة كتقديم آخر الإصدارات أو الأمسيات الشعرية والندوات الفكرية والأدبية التي تنتظم خلال هذه الأيام بحضور الكتاب والشعراء والنقاد وقال العارض المصري "إيهاب فوزي" في هذا السياق:" حقيقة ما اكتشفته في التونسي هو إصراره على مواجهة كل من يقف أمام طموحه وتوقه للأفضل دون اللجوء إلى العنف. وما لاحظته اليوم من اقبال اعداد كبيرة من الشباب والأطفال على المعرض تأكيد على رفض هذه الشريحة من المجتمع للعنف وتحديها له بالخروج للشارع والفضاءات وعدم الهروب والانزواء؛ "فيما أفاد الليبي حسام زهران أنه لم يشعر بوجود حادثة أليمة وخطيرة أو خوف في تونس بسبب تواصل حركيّة المعرض وعدم تأثرالاقبال بما هو خارج أسوارالفضاء