خطوات متسارعة تأخذك الى ذاك المكان تفرّك رائحة الكتب ومعلقات نحتت بعنوان الثقافة.. وسرعان ما تتثاقل الخطوات حين تعترضك رائحة البخور والعطور وتتعثّر بين «الحساب» و«النار» و«أهوال القبور» فتتساءل إن كنت في احدى زوايا الأولياء الصالحين أو أنك في معرض للكتاب؟! المكان هو معرض الكرم بالضاحية الشمالية للبلاد والحدث الدورة ال29 من معرض تونس الدولي للكتاب والجمهور مختلف.
ولعل ما يغلب عليه تلك الشريحة التي يغريها الطبول والبخور والأعلام الخضراء، والأطفال يركضون يشترون الكعكة و«الكاكاي».. ذلك هو المشهد الاوّلي الذي يستوقفك وأنت تترجل الى داخل الفضاء باحثا عن المظاهر الحقيقية لمعرض الكتاب.
ولعل ما يلفت النظر بعد محاولة الهروب من روائح البخور والعطور أنك تجد نفسك بين عناوين كتب تغلب عليها الشعوذة والحلال والحرام والزوجة المطيعة والمعاشرة الزوجية.. وغيرها من العناوين الصفراء المولعون بالشأن الثقافي كانوا ينتظرون هذه الدورة على اعتبار انها ستكون مختلفة على سابقاتها حين أعلن وزير الثقافة في مناسبات سابقة انه «لا رقابة على الكتب بعد 14 جانفي» لكن من الواضح أن هذا المكسب طبّق فقط على الكتب الدينية في مرتبة أولى تم البعض من انتاجات الثورات العربية في مرتبة ثانية، ما عدا ذلك ينتابك ارهاق بصري وفكري كبيران وأنت تتجوّل بنظراتك بين أروقة الكتب الصفراء التي غصّت بها كل الأجنحة تقريبا وقد وضعها عارضوها في المقدّمة لإغراء بعض العقول ممن تستوقفهم «النار وأهوالها وعذابها» و«الحساب» و«الساعة وأشواطها».. و«موجب القتل في الفقه الاسلامي» عنوان معروض في الجناح السعودي الذي تصدّر فضاء المعرض، هذا الجناح الذي وُفّق في التزويق والتزيين وتوزيع التمور وفشل في عرض كتاب تتوفر فيه أقل ما يمكن من مقاييس الكتابة والابداع.... وحضرت ثقافة «الزّردة»وبالرغم من أن بعض الكتب التاريخية والعناوين التي أصدرت بعض الثورة تستوقفك أحيانا لتبعث فيك نشوة القراءة والاطلاع على سطورها الا انها لم تفلح في نزع رائحة البخور والعطور التي علقت في الأذهان والأجساد منذ حين، فثقافة «الزردة» كانت هي المسيطرة على معرض الكتاب طبول وبخور وشموع وأشياء أخرى تعيدنا بالذاكرة الى زمن مضى لكنه مازال باقيا بل زادت الطبول «نغمة».
«هل نحن في فضاء للكتاب او في أحد شوارع المدينة العتيقة»؟تتساءل احدى الزائرات «لوازم الحمّام متوفّرة وحتى «المطبّقة» حاضرة كل شيء في الخارج كان ينبئ بزردة أو سوق شعبي ولولا تلك الأفيشات المعلّقة لخلنا أنفسنا قد أضعنا العنوان...».
ورغم أن رائحة المطبّقة كانت مسيطرة على الفضاء إلا أن امرأة حاملا أغرتها رائحة العطور فأرادت اقتناء أحدها فأجابها بائعها «لا نبيع عطورا للمرأة، حرام في «الشريعة»، فغيّرت وجهتها الى المطبّقة وهي تتساءل «أخشى أن تكون هي الأخرى من المحرّمات؟».نسي البعض الغاية التي جاؤوا من أجلها وانغمسوا في شراء الشموع والعطور ولوازم أخرى تستغرب من توفّرها في ذاك المكان.
عن أية رقابة تتحدّثون؟!تساءل أحد زائري معرض الكتاب عن الأحاديث التي تم تداولها حول إلغاء الرقابة على الكتاب في المقابل يقول إنه لا توجد أي كتب ممنوعة ومعروضة في هذه الدورة.
وفي احدى الزوايا الأخرى تقف احدى السيدات مبتسمة ومستغربة تتحدث «المرأة هي الضحية بين هذه الأروقة فجلّ الكتب المعروضة اتخذها أصحابها المرشد والموجّه للمرأة حتى تكون زوجة مطيعة وأما صالحة وعاملة مثالية... مضامين تريد ترسيخ ثقافة خضوع المرأة وإطاعة وخدمة زوجها وإسعاده حتى ولو كان ذلك على حسابها، ولكن وحدها العقول المريضة تحاول ترسيخ وترويج مثل هذه الاشياء التي تجاوزها الزمن».
حضرت الطبول وفاحت رائحة البخور والعطور وأشعلت الشموع، لتكتمل مراسم«الزردة» وتاهت معالم الثقافة والأدب والابداع في زمن انقلبت فيه الموازين لتتفوّق ثقافة الزردة على ثقافة الكتاب.