ألقى الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي كلمة بمناسبة تنصيب المجلس الوطني للحوار الاجتماعي. وفي ما يلي فحوى كلمة الطبوبي: "مرحبا بكم في بيتنا الجديد.. وهنيئا لنا جميعا ولتونس العزيزة بهذا الانجاز المدني العظيم.. شكرا لمكتب العمل الدولي الذي لم يبخل علينا بالدعم حتّى تحوّل الحلم إلى واقع وشكرا لكلّ من آزرنا ووقف إلى جانبنا حكومات ونقابات صديقة من أجل استحداث هذا الإطار الجامع لقوى الانتاج في بلادنا حتى يكون فضاءً حرّا للحوار والتوقّي من النزاعات الشغلية ولتبادل المعلومات والتوافق على قاعدة ما أجمعنا عليه في العقد الاجتماعي الذي أبرمناه تحت قبّة المجلس الوطني التأسيسي منذ 6 سنوات تقريبا بمناسبة الذكرى الثانية لثورة الحرية. لقد كنّا على قناعة تامّة بأنّ ما تمّ الاتّفاق عليه آنذاك في إطار العقد الاجتماعي، هو لَبِنَة أُولى على درب التأسيس لمقاربة جديدة للنهوض بالحوار الاجتماعي وجعله دوريّا، مسترسلا حتّى نقطع مع المقاربة المناسباتية في التعاطي المشترك مع الملفّات الكبرى. ولقد أكّدنا منذ إمضاء العقد الاجتماعي على أهمية مأسسة الحوار الاجتماعي باستحداث المجلس الوطني للحوار الاجتماعي وهو ما تمّ فعلا في مرحلة أُولى بصدور القانون المحدِث له في 24 جويلية 2017 ثمّ وفي مرحلة ثانية بصدور الأمر الحكومي المؤرَّخ في 7 أوت 2018 المتعلّق بضبط عدد أعضائه. ولعلمنا فهي مبادرة تونسية فريدة من نوعها في المنطقة تؤكّد من خلالها نضج الأطراف الاجتماعية. إنّ إرادة المضيّ قُدُما في اتجاه الارتقاء بالعلاقات الشغليّة في بلادنا نحو الأفضل وبما يتوافق أكثر مع ما تقتضيه معايير العمل الدولية والمواثيق العالمية جعلتنا نلتقي كأطراف انتاج ثلاثة للعمل سويّا من أجل تفعيل بنود العقد الاجتماعي وهي محطّات هامّة مهّدت الطريق وحدّدت أولويات العمل للشركاء الاجتماعيين ولا شكّ أنّ المجلس الوطني للحوار الاجتماعي سيشكّل الفضاء المُمَأسَس الذي سيحتضن الحوار حول مختلف الأولويات المضمّنة في بنود العقد الاجتماعي بعلاقة بالنموّ الاقتصادي والتنمية الجهوية، والعلاقات الشغلية والعمل اللائق والتشغيل والتكوين المهني والحماية الاجتماعية والتي ستكون، بلا شكّ، أرضية حوار لبلورة منوال تنموي مندمج جديد تشاركي يقطع مع الماضي. كما نعتقد جازمين أنّ المجلس سيكون الإطار المناسب لتبادل المعلومات والدراسات والوثائق بكلّ شفافية وهو ما سيمكّن الأطراف الاجتماعية من الحصول على كلّ المؤشّرات الاقتصادية والاجتماعية المحيّنة والمدقّقة في إطار اجماع كافّة الأطراف وهو ما سيشكّل المادة الأوّلية لحوار اجتماعي فاعل. وتلك لَعَمْرِي أهمّ الأسس لتعزيز الحوار الاجتماعي على كافّة المستويات المركزية منها والقطاعية والجهوية وخاصّة على مستوى المؤسّسات. إنّ استحداث هذا المجلس من شأنه أن يضفيَ على المشهد الاجتماعي والسياسي الشفافية المطلوبة ويعزّزَ الثقة في جدوى الحوار وفي نُبل مقاصده. فتفعيل العقد الاجتماعي من شأنه أن يساعد على إبراز المصالح الاقتصادية والاجتماعية لمختلف الأطراف قصد تمكين هؤلاء من البحث عن تسوية تُصالح بين استحقاقاتِ التنافسية، ومقتضيات العمل اللائق، وواجبِ المسؤولية المجتمعية للمؤسّسة في إطار احترام الحقّ النقابي وكرامةِ الإنسان والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمّال المحلّيين والمهاجرين. ونحن في الاتحاد العام التونسي للشّغل نثمّن اختيارَ العمل اللاّئق مدخلا لتفعيل العقد الاجتماعي، فهو يحيل إلى جملة الاستحقاقات التي هي من صميم الأهداف التي نادت بها ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية كما يتلاءم مع مقتضيات دستور 26 جانفي 2014 ومبدأ الجمهورية المدنية الديمقراطية الاجتماعية، ويحيل، في الآن نفسه، إلى العلاقة العضوية بين مقوّمات العمل اللائق ومتطلّبات تأهيل مؤسّساتنا من أجل الارتقاء بها نحو مواقع ذات قيمة مضافة أفضل، قائمة على المعرفة والجودة والابتكار والحوكمة التشاركية والاعتراف بمصالح وانتظارات أطرافها المعنية. ونحن وإذ نجدّد استعدادنا وتحمّسنا للانخراط في المجهود العام لتنفيذ برامج العمل اللائق بتونس 2017-2022 والترويج له داخل المؤسّسة التونسية وفي صفوف قواعدنا العمالية، فإنّنا نشدّد على ضرورة إرساء مناخ من الثّقة المتبادَلة وروح التوافق والتحلّي بالمسؤولية وتوفّر حسن النيّة وعقلية الكسب المتبادل لاعتقادنا أنّها تشكّل شروطا أساسية لحوار اجتماعي ناجح وفعّال. إنّ تلبية هذه الشروط يتطلّب مجهودا مشتركا من قبل الشركاء الاجتماعيين من أجل القطع مع الأشكال الهشّة للتشغيل وإرساء علاقات شغلية متطوّرة تحفظ جميع حقوق المتدخّلين وتضمن المساواة بين المرأة والرجل وتنصف مئات الآلاف من العاملات والعمّال في القطاع الفلاحي والقطاعات غير المنظّمة ومن أجل المُضِيِّ بنا قدما نحو إرساء منوال تنموي اجتماعي جديد يوفّق بين مقوّمات النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية."