إصابة 52 فلسطينيا في مواجهات مع قوات الاحتلال    الدور 16 لكأس تونس: نهائي مبكر بين الإفريقي والنجم مطلع شهر جوان    حالة الطقس ليوم الثلاثاء 17 ماي 2022    ماذا في لقاء قيس سعيد بوزيرة العدل؟    ر.م.ع الكنام: تكشف أسباب الحريق    نور الدين بوجلبان في ذمّة اللّه    اتحاد الشغل يكرم الفنان مارسيل خليفة    عادل العلمي يدعو أنس جابر لإرتداء الحجاب    دولة آسيوية تعلن نفاد الوقود لديها    ليفربول يستغل الخلاف بين مبابي وريال مدريد    الكرة الطائرة: الأهلي يطيح بالترجي.. ويتوج بطلا لإفريقيا    نفوق عدد من الإبل بشكل مفاجئ يثير ذعر المربين في تطاوين    وزيرة العدل تأذن بإثارة تتبعات عدلية ضد 3 شركات وطنية من أجل شبهات فساد وتضارب مصالح    في دار الثقافة السليمانية: افتتاح معرض الفنان التشكيلي الطيب زيود تحت عنوان "عصي علي المحو"    مختار العجيمي: المهرجان السينمائي الدولي ياسمين الحمامات يخدم السياحة والثقافة    منظمة الصّحة العالمية تحذّر من انتشار سريع لكورونا بهذه المنطقة..    المسار الدّيمقراطي الاجتماعي: ضرورة ألاّ يهمّش الحوار الوطني الأحزاب    وزارة التجارة تقرّر تجميد الزيادات المسجلة في أسعار الأعلاف    رئيس الوزراء الفرنسي يقدم استقالته إلى الرئيس ماكرون    انفجار في منزل توفيق شرف الدين: وزارة الداخلية توضح    تفاصيل الاطاحة بمنفذ عمليات "براكاج" لمواطنين بجهة البحيرة..    الزاهي: ملفات المضمونين الاجتماعيين بمركز "الكنام" الذي تعرض لحريق مرقمنة ومحفوظة الكترونيا    قابس: تسجيل 03 إصابات جديدة بفيروس "كورونا"    ريال مدريد يُزيح الستار عن قميصه الجديد    تفاصيل الانفجار بمنزل وزير الداخلية    وزير الاقتصاد: " 5 قطاعات واعدة و انجاز 20 بالمائة من اجراءات دفع الاقتصاد "    هام: التراجع عن الزيادة الأخيرة في أسعار الأعلاف..وهذه التفاصيل..    تطبيقة للتعريف بزغوان كوجهة سياحية    بن سلامة: فكرة إجراء استفتاء بلاش تدقيق غير مقبولة    خلال الربع الأول من 2022 : الإقتصاد التونسي ينمو بنسبة 2.4 %    سيف الدين مخلوف في طريقه الى المحكمة    بالفيديو: فرحات هنانة يرد على تصريحات أرملة سفيان الشعري    اصطدام حافلة بنفق، هذا ما تقرر ضد السائق    انفجار بمنزل وزير الداخلية ونقل زوجته الى المستشفى؟    طقس الاثنين: تواصل ارتفاع درجات الحرارة    بنزرت: السيطرة على حريق نشب بمخزن إحدى المؤسسات الفلاحية    لهذا السبب تتعرض لصدمة كهربائية عند ملامسة أي شيء    الهيئة التونسية للاستثمار تقدم القطاعات الخمس ذات الاولوية "الاستثمارية"    بنزرت: تفاصيل القبض على محكوم ب26 سنة سجنا    توزر: إجراء 43 عملية جراحية على العيون لعدد من المرضى بصفة مجانية    المهرجان السينمائي الدولي ياسمين الحمامات في أرقام    دورة تونس المفتوحة ""Tunis Open by KIA: مسابقة لترسيخ العلامة التجارية KIA في دعمها للتنس    الأرجنتيني باولو ديبالا يعلن عن رحيله عن صفوف يوفنتوس الإيطالي    برشلونة يفتح باب الرحيل أمام حارسه الالماني شتيغن    قريبا في تونس: OPPO Reno7 الهاتف الذكيّ الجديد    جربة: استعدادات أمنية قبل يومين من انطلاق زيارة الغريبة    عتاب عكايشي يتوج بجائزه أفضل مدون تونسي لسنه 2021    بسام الوكيل يعود للاستثمار من جديد في عالم السيارات    القاعة الرياضية بباجة ... إلى متى يتواصل حرمان الجمعيات منها؟    صور وفيديو لخسوف القمر    الرابطة الأولى: برنامج الجولة الخامسة من مرحلة التتويج    عاجل: قتلى وجرحى في اطلاق نار بالبرازيل..    مهرجان الفروسية في أم العرائس : دخلة الولي الصالح ناصر بن وافي في الافتتاح وسباق المهاري في الاختتام    مدنين .. إنقاذ مركب مهاجرين غير شرعيين    أنس جابر تصعد للمرتبة السادسة عالميا    معهد الرصد الجوي: بث مباشر لخسوف القمر فجر الاثنين    المعهد الوطني للرصد الجوي يؤمن بثا مباشرا لخسوف القمر فجر الاثنين    خسوف كلي للقمر تشهده تونس فجر الاثنين القادم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ندوات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع "دار الصباح": مخاض الحكومة.. بين اكراهات المشهد وأوليات المرحلة
نشر في الصباح نيوز يوم 31 - 10 - 2019


إعداد: منى اليحياوي
نظم يوم الجمعة الفارط المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع دار الصباح مائدة مستديرة حول «انتخابات 2019 وآفاق تشكيل الحكومة وأولويات المرحلة السياسية القادمة»و ذلك بهدف فهم أعمق وأدق لما حدث ويحدث خلال الانتخابات وضمن مخاض تشكيل الحكومة في ظل ما يلوح من متغيرات جذرية في الشهد السياسي وما يبدو من ارتباك وصعوبات في الوصول إلى تحالفات سياسية تحت قبة البرلمان القادم تكون سندا قويا لحكومة تنتظرها تركة ثقيلة وتحديات اقتصادية واجتماعية وإقليمية غير مسبوقة..
وطرحت المائدة المستديرة بمشاركة ممثلين عن الأحزاب الفائزة في الانتخابات الأخيرة وعدد من الباحثين والإعلاميين ،جملة من المحاور والتساؤلات الاساسية بينها : كيف يمكن قراءة نتائج الانتخابات؟ وما هي مواقف الأحزاب من مسألة تشكيل الحكومة وفق ما ينص عليه الدستور والفصل 89 ؟ما تبعات هذه الفسيفساء والهشاشة البرلمانية على الاستحقاقات السياسية والأوليات الإقتصادية والإجتماعية القادمة والاستقرار السياسي للحكومة وللبلاد عموما؟ وأي علاقة يمكن أن تقام بين مختلف السلطات وتحديدا بين التشريعية والتنفيذية في ظل هذا المشهد الذي يحضر فيه رئيس الجمهورية المنتخب برمزية مكثفة لكن مجزوزة من أي سند حزبي؟و فيما يلي رصد لاهم ما تم التطرق اليه خلال الندوة ..
عياض اللومي (قلب تونس): التعامل مع تشكيل الحكومة سيكون على قاعدة التطابق مع برنامج الحزب
يجب الإقرار في البداية أن العزوف كان واضحا في الانتخابات ونسبة 40 بالمائة كانت مخيبة للأمال .يجب الإقرار أيضا أن هذه الانتخابات لم تكن نزيهة وشفافة بالمعايير الدولية ونسير هنا إلى الزج بشخص مترشح للانتخابات في السجن والجميع يعلم أنه بريء وأن الغايات كانت سياسية للتأثير على نتائجه في السباق الانتخابي.
كما شابت الانتخابات الأخيرة العديد من الخروقات ولا أدل على ذلك ما حصل في الدائرة الانتخابية لألمانيا حيث اضطرت المحكمة الإدارية لألغاء كامل النتائج ولو طبقت نفس المآخذات على بقية الدوائر لتبينت حقيقة الخروقات المرتكبة .رغم ذلك قبل الجميع بنتائج الانتخابات وفي مقدمتهم قلب تونس ورئيسه نبيل القروي.
أما على مستوى المضمون فقد بدا المشهد اثر نتائج الانتخابات متشرذما مع بروز قوة سياسية جديدة هي قلب تونس حيث من المنتظر ان يكون هناك فرز سياسي جديد.
لا يستقيم الحديث عن قوة ثورية فازت في الانتخابات فالجميع يتذكر المواقف من قانون المصالحة الإدارية ومن ملف العدالة الانتقالية لذلك أنا أميل إلى وصف المرحلة بمرحلة عقلنة الثورة.
فيما يتعلق بمسار تشكيل الحكومة فإن قلب تونس يتفاعل مع الأحزاب المعنية على أساس مدى التطابق مع برنامج الحزب وفي المقدمة مراعاة الجانب الاجتماعي وتحرير المبادرة التى ستكون عناوين رئيسية لتحديد بوصلتنا في التصويت للحكومة القادمة من عدمه.
أعتقد أنه على مستوى العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية سيلعب رئيس الجمهورية دور المحكم وسيكون على نفس المسافة من الجميع لكن من المهم التأكيد أنه يتعين على النهضة التواضع وتنسيب نتائجها في الانتخابات ليسير مسار تشكيل التحالفات وتكوين الحكومة في أقرب الأجال.
محمد القوماني (حركة النهضة): ثورة الصندوق والتأسيس الثاني
ليس من المبالغة وصف نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2019 بأنّها ثورة الصندوق. فمرّة أخرى على غرار 2011، تحصل المفاجأة في تونس، فيحضر الشباب بعد انسحاب، ويلعب «الفايس بوك» دورا ساحرا. ولئن جاءت النتائج مصدّقة إلى حدّ بعيد لاتجاهات نوايا التصويت في عمليات سبر الآراء منذ أشهر، فإنها كانت صادمة للكثير ومثار جدال وقراءات متباعدة.
وكان انحياز الشباب إلى المترشح قيس سعيد الذي يعدهم بتغيير جذري ل»نمط الحكم» وإرجاع السلطة إلى الشعب، فارقا وفارقيا، ورسالة واضحة في رفض «النمط» في الحكم والمعارضة.
حلّت حركة النهضة في المرتبة الأولى لتشريعية 06 أكتوبر 2019، في انتخابات أجمع المتابعون على التقدّم فيها للتيار المنتصر للثورة على حساب تيار الحنين إلى المنظومة القديمة. وكان انتصار النهضة سياسيا ومعنويا، أفرح أنصارها وصعب تقبّله من بعض خصومها، فراحوا يبحثون في تراجع قاعدة ناخبيها، دون غيرها من المتنافسين. وتبدو موازين القوى في البرلمان الجديد مرشحة لخلق انسجام مطلوب بين السلطات في قرطاج والقصبة وباردو.
اختفت بعض الكيانات السياسية أو تكاد، وسقطت أسماء شخصيات ملأت البرلمان المنتهي ولايته ضجيجا، وصعدت كيانات جديدة وأسماء شخصيات لاقت ترحيبا وأخرى مثيرة للجدال. ولم تصدق فرضيّة صعود المستقلين على حساب المتحزّبين، رغم ما تمّ من ترويج لها مقابل تبخيس للأحزاب. كانت «نسب الفوز ضعيفة» وبدا «الفوز منهكا»، بما يجعل المشهد البرلماني القادم متشظّيا كما سبقت التوقّعات، وبما يخلق صعوبات غير خافية في تشكيل أغلبية حاكمة، وبما يعزز المخاوف حول الاستقرار السياسي والقدرة على إنفاذ الإصلاحات المستوجبة وإنقاذ الوضعية الاقتصادية الحرجة.
صوّت البعض للنهضة، من غير قاعدتها التقليدية أو من الغاضبين عليها، لتفادي الأسوأ، (تصويت الضرورة) وبوّؤوها مكانة الضامن لاستمرار المسار الديمقرطي وتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة، أمام ما تهدّد المسار من مخاطر قوى، بدت مُريبة وقريبة جدا من الفوز واختطاف الحكم والدولة، وفي ذلك مؤشر على استمرار العجز عن بناء أحزاب جديدة وقوية وقادرة على الحكم.
ثورة الصندوق ثورة ثانية من داخل المؤسسات لتثبيت مسار ثورة 2011 وتصحيح مسارها، وليست ثورة مضادّة كما بشّر بها أنصار النظام البائد وعملوا على ذالك بوسائل مختلفة. وتستوجب ثورة الصندوق تأسيسا ثانيا مختلفا عن التأسيس الأول، لكنه مكمّل له ومصحّح في 0ن. ولن يكون مسموحا ولا مُجديا بعد انتخابات 2019، تكرار سيناريو الاستقطاب بعد 2011 مهما كانت العناوين والمناورات والمراوغات.
توجد فرص حقيقية للالتقاء بين فرقاء سياسين لتكوين حكومة، إذا أنصتوا جيدا لمطالب الشعب خلال الحملة الانتخابية وكانوا حقا حريصين على استكمال تحقيق أهداف الثورة بالاستفادة من أخطاء التأسيس الأول في إنجاح التأسيس الثاني. لذا يبدو مُستغربا وغير مقبول، انزياح الحوار غير المباشر بين الكتل الأولى في البرلمان الجديد، دون استثناء، إلى الحديث عن رئاسة الحكومة القادمة وتوزيع الحقائب الوزارية، بدل الحديث عن البرنامج الإصلاحي المتأكد للإنقاذ الاقتصادي والتصدي للقضايا الاجتماعية الملحة الذي تجسده وثيقة معلنة يكون الشعب شاهدا عليها، وعن الشراكة التعاقدية المستوجبة بين مختلف الأطراف، بتوضيح طبيعة الحكومة المطلوبة وحجمها، والتي تُراعى فيها الكفاءة قبل المحاصصة، وتحظى بتزكية أغلبية نيابية ودعم قوى سياسية واجتماعية من خارج البرلمان، علاوة على مصداقية كافة أعضائها والقبول الشعبي لهم.
سالم لبيض (حركة الشعب): على النهضة أن تتواضع.. والالتقاء ممكن على قاعدة حكومة وطنية
في الحديث عن مسألة تشكيل الحكومة لابد أن يكون مسبوقا بمقدمات تتطلب تحديد جملة من المعايير أو أدوات الفهم لأننا لا نريد ان نتعامل مع المسألة تعاملا سياسويا صرف.
اثر 2011 خلنا ان مصالحة تاريخية قد وقعت بين الدولة والمجتمع بعد ان كانت الدولة ومؤسساتها مصادرة من أمثال هذه اللوبيات أو الاحزاب او القوى الدولية لكن بعد 8 سنوات تبين لنا ان المجتمع والشعب آخر من استفاد من الدولة بما هي التعبيرة الأساسية للمجتمع وآداته الرئيسية والشرعية للتغيير.
اذا الاشكال بالنسبة إلينا اليوم كيف نعيد للدولة وظيفتها في أن تكون تعبيرة المجتمع وحامية له ولحقوق الناس وللعدالة والحامية للتوزيع العادل للثورة والسلطة والحامية لكل القيم النبيلة التى يصبو إليها المجتمع.
نحن في حركة الشعب وعلى هذه الأرضية لا نرى في الحكم غنيمة على عكس قوى كثيرة أخرى بل وسيلة للاصلاح والتغيير.
الذي وقع في السنوات الأخيرة ان هناك قوى قدمت نفسها في الانتخابات كقوى ثورية واصلاحية لكن ممارساتها على امتداد السنوات الفارطة كانت معادية للثورة.واليوم بين عشية وضحاها بعد أن كانوا يتهكمون على الثورة وكادوا أن يتبنوا نظرية «البرويطة» يقدمون انفسهم في 2019 كقوى ثورة ويطلبون وضع اليد في اليد.
لكن لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين واختلافنا مع حركة النهضة ليس على قاعدة الحصول على حقائب وزارية معينة او تشكيل حكومة من عدمه بل هو اختلاف على شكل المنوال التنموي وطبيعة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بالمطالبة بمراجعة اتفاق الشراكة عام 95 الذي دمر النسيج الصناعي التونسي مع اعتبار الإصلاح الهيكلي الذي دخلت فيه تونس منذ 86 وإلى اليوم هو وبال على تونس وهذه القاعدة الاساسية التى يجب أن نقف عندها ويكون الخطاب مرتكز عليها.
فهل ستقبل الحركة التفاوض معنا على هذه الأرضية؟
نحن في حركة الشعب لم نغبط حركة النهضة في فوزها بل قلنا نقوم بعملية حسابية لنتيجة النهضة ب 52 نائبا واقتسامها على عدد النواب 217 ستكون نتيجتها أقل من 25 بالمائة فهل تستطيع النهضة تشكيل حكومة .
لقد مثلت حركة الشعب والتيار الديمقراطي اليد النظيفة في الفترة النيابية السابقة لذلك حققنا قفزة نوعية في عدد النواب وعلى حركة النهضة التحلي بالتواضع اليوم وإذا ارادت التفاوض لا تعقد مجلس شورى وتصرح أنها اختارت رئيس الحكومة وحسمت المسألة.
والمطلوب أيضا الاتفاق على قاعدة حكومة وطنية نظيفة بشخصية جامعة تلتقي حول برنامج وتقع محاسبتها بعد 6 أشهر مع متابعة لصيقة شهريا حول مسائل واصلاحات مستعجلة.
أحمد بوعزي (التيار الديمقراطي ) ضبط برنامج الحكومة سيكون أصعب بكثير من تكوينها
أثّرت نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية على الانتخابات التشريعية فأعطت بدورها نتائج غير متوقّعة كان الخاسرون فيها هي الأحزاب التي حكمت منذ 2011، وأنتجت فسيفساء غير متجانسة ولا تمكّن من تكوين حكومة بسهولة.
وبهذه الفسيفساء أصبح من الصعب تكوين حكومة مستقرّة دون إدماج سبعة أحزاب أو أكثر ممّا يجعل توزيع الوزارات مهمة شبه مستحيلة فما بالك بضبط برنامج جدّي وناجع. الواقع يجعل النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب يعملون مع من لا يريدون التعامل معهم لأن الأرقام تجبرهم على ذلك.
الكل خائفون من انتخابات سابقة لأوانها وخاصة المستقلّين والأحزاب التي حصلت على مقعد وحيد وبالخصوص حزب "قلب تونس" وبذلك سوف يحاول البرلمان تجنّب ذلك لأن الحسابات الفردية ستتدخّل ولا أحد ضامن لاسترجاع مقعده إن أعيدت الانتخابات، ولذا فالكل سيحاول انجاح تكوين حكومة.
التيار الديمقراطي الذي يحصل على رضاء جزء من "العائلة الحداثية" وعلى جزء من المحافظين يجد نفسه في موقع مريح، وقد اشترط كما فعلت حركة الشعب رئيسا للحكومة من خارج النهضة.
التيار الديمقراطي أعلن عن خمسة شروط للمشاركة في الحكومة لأنه لا يريد الدخول ككمبارس أي "للتصديرة" كما نقول في تونس بل يريد النجاح في مقاومة الفساد التزاما بالوعود التي قدّمها لناخبيه ولذلك اشترط خمسة شروط وهي رئيس حكومة من خارج النهضة وبرنامج عمل حكومي واضح ومتّفق عليه وملزم، وثلاث وزارات يرى أنها أساسية لمقاومة الفساد وهي العدل الذي يجب أن يتتبّع الفاسدين دون تأخير والداخلية التي تساعد العدل على التنفيذ دون تلكّؤ أو تمييز والإصلاح الإداري حتى يقع تأهيل الإدارة وتنظيفها من الفساد.
ردّ النهضة جاء بصورة غير مباشرة من خلال تجييش صفحات التواصل الاجتماعي التابعة لها لكيل التهم والسبّ والتكفير للتيار الديمقراطي.
ننتظر اليوم اقتراح رئيس الحكومة لرئاسة الجمهورية حتى نستطيع استشراف المستقبل. مهمّة الحكومة اليوم ثقيلة وتتطلّب تضحيات سياسية ومالية كبيرة ستقلّص من شعبية الأحزاب الحاكمة لأن الحلول الانتهازية لن تسكت الاحتجاجات ولن تحل المشاكل ولن تبني اقتصادا قادرا على استيعاب جيش البطالين، ولأن المطالب النقابية المشروعة وغير المشروعة ستكبّل حاملي مشاريع الإصلاح. والسؤال الرئيسي هو أي برنامج اقتصادي اليوم لبلد ربع ميزانيته قروض بشروط موجعة؟ من أين ستأتي الدولة بالاستثمارات التي تخلق الثروة؟ من أين ستأتي بالأموال لدفع أجور الموظّفين؟ من أين ستأتي بالأموال لخلاص خدمة الديون؟ لأن طريقة جمع الضرائب الحالية بالية وغير ناجعة زد على ذلك طبيعة الاقتصاد الريعي وغير المهيكل، واحتكار أقلية نافذة تسيطر على كل الاقتصاد المهيكل، والفساد المستشري في القطاع العام الذي يجعل منه بالوعة لامتصاص اموال الضرائب وليس مصدرا لدرّ المرابيح على الدولة، ضبط برنامج الحكومة سيكون أصعب بكثير من تكوينها.
رابح الخرايفي (تحيا تونس) تكوين النهضة لحكومة في ظرف شهرين يبدو صعبا إن لم نقل مستحيلا
مسار تكوين الحكومة في تونس ومنهجيتها يتضمن مسارا أصليا دستوريا، ومسارا من خارج الدستور نصفه بمسار لا دستوري لكن مخرجاته إن تم التوافق عليها تصبح دستورية.
يتضمن المسار الدستوري فرضيتين، يتولى رئيس الحزب الفائز في الفرضية الأولى، تكوين حكومته إن فشل نمر لأحكام الفرضية الثانية وهي أن يختار رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر لتكوين الحكومة بعد إجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات، والكتل النيابية.
لقد برزت في سياق الفرضية الأخيرة،أفكار وعلت أصوات بعض الأحزاب والكتل النيابية فدخلت بعض الألفاظ ذات مضامين سياسية إلى قاموس العلوم السّياسية من قبيل"التفويض الشعبي" و" حكومة الرئيس" وهي ألفاظ و مفاهيم ضد أحكام الدّستور لأنه لم ينص على التفويض الشعبي، وإنما نص على الانتخابات ولم ينص على" حكومة الرئيس" وإنما نصّ على أن الحكومة هي حكومة الحزب الفائز الأول بالانتخابات التشريعية.
أما منهجية الحزب الفائز في تكوين الحكومة وتصور هيكلتها واختيار أشخاصها فإنها غير واضحة كما هو ذات الأمر لدى الأحزاب التي ستشارك في الائتلاف الحكومي أو لدى الأحزاب التي اختارت المعارضة.
في سياق المسار الدّستوري لتكوين الحكومة نشير إلى انه يتضمن فرضيات تضمنها الفصل 89 من دستور 14 جوان 2014 وتتنزل الانتخاب التشريعية التي جرت في تونس يوم 6 أكتوبر2019 في إطار هذا الفصل الدستوري، والتي أفرزت نتائجها الأولية قبل استيفاء جميع إجراءات الطعن وتصبح نهائية فوز حركة النهضة بحصولها على 52 مقعدا، وتوزعت بقية المقاعد على حزب قلب تونس على 38 مقعدا، وحزب التيار الديمقراطي على 22 مقعدا، وائتلاف الكرامة على 21 مقعدا، والحزب الحر الدستوري على 17 مقعدا، وحركة الشعب على 16 مقعدا، وحزب تحيا تونس 14مقعدا.
تبدو سبعة أحزاب فقط قادرة على تكوين كتل نيابية دون انتظار انضمام نواب مستقلين أو نواب مستقيلين من أحزاب أخرى. يبقى للأحزاب الأخرى ذات التمثيل النيابي الضعيف إمكانية تكوين كتلة نيابية تختار المعارضة أو منح الثقة للحكومة المقترحة لمّا تتجمع هذه الأحزاب مثل أفاق تونس، ونداء تونس، والبديل، ومشروع تونس، ومستقلين.
ولا تستطيع حركة النهضة بمفردها تكوين حكومة فهي مضطرة للتشاور مع الأحزاب الفائزة لتكوين ائتلاف حكومي قصد تشكيل حكومتها ونيل الثقة. يقوم هذا التشاور في مناخ سياسي متوتر تتداخل فيه المنهجية الغامضة لحركة النهضة في تشكيل الحكومة وإستراتيجية الأحزاب المستهدفة بالحوار، وتجري هذه المشاورات تحت ضغط الوقت والأولويات الاقتصادية والمالية للبلاد.
ونجاح حركة النهضة في ظرف شهرين لتكوين حكومة يبدو صعبا أن لم نقل مستحيلا ، بناء على ما نستخلصه من سوسيولوجيا هذه الأحزاب ومن مواقفها المتناقضة بين البعض والمتصادمة بين البعض الآخر قبل الانتخابات وبعد صدور نتائجها.
الإمكانية الحسابية أو الرياضية التي يمكن إن تمكن حركة النهضة من تكوين حكومة وهي أن تراجع موقفها من حزب قلب تونس وتستميله وتقنع ائتلاف الكرامة بقبول حزب قلب تونس،مع بعض الأصوات الحرة الأخرى. المحصلة هي تمكن حركة النهضة من ضمان النصاب القانوني الذي يسمح لها بعرض حكومتها على مجلس نواب الشعب لنيل الثقة. إن مرت الأمور بسلام ونالت حكومتها الثقة فستكون حكومة ضعيفة دون سند سياسي قوي رغم إنها تكونت وفق الأحكام الدستورية .
يسري الدالي (نائب منتخب عن إئتلاف الكرامة) إئتلاف الكرامة لن يكون عثرة أمام توحّد هذه القوة الثورية
لقد أفرزت نتائج الإنتخابات التشريعية 2019 مشهدا سياسيا مغايرا لذلك الذي أفرزته سنة 2014، إذ حصلت القوى الثورية على ما يقارب المائة والعشرين مقعدا وهي النهضة، التيار الديمقراطي، إئتلاف الكرامة، حركة الشعب، حزب الرحمة وبعض المستقلّين الأحرار، و لا أحد يمكنه أن يزايد على أيّ مكوّن من هذه المكونات في نفسه الثوري على الأقل، وفي المشاركة في الثورة أو الإيمان بها وإنجاحها..
ومن أجل عدم إحباط من إنتخبنا ومن أجل الإيفاء بعهودنا نحوه ونحو هذا البلد الذي نحسبه أمانة في رقابنا، يتوجب علينا نحن هذه القوة الثورية ان نبحث معا في ما يوحّدنا من مبادئ عامة تتمثل في السيادة على الثروات الوطنية ومراجعة العقود الخاصة بها وفي إستكمال مسار العدالة الإنتقالية وإلغاء حالة الطوارئ والتقليص ثم القضاء على حالة التبعية الدولية والمديونية الخانقة للبنك الدولي. وإصلاح منظومة التعليم والتربية والثقافة بما يتماشى مع هويتنا وثقافتنا وحضارتنا ومراجعة كاملة للمظومة القضائية وكذلك الأمنية والديوانية حتى نحفظ من ناحية، الحقوق والحريات، ومن ناحية الأمن والسلامة لأجهزة الدولة وهياكلها وأدوات إنتاجها، وكذلك الأشخاص والأفراد فنقضي على كل نشاط يهدد الدولة من الداخل ومن الخارج ونقضي على كل من يقتنص فرصة الرجوع بنا إلى مربع الإستبداد والقمع والتسلط...
إن العديد من بقايا النظام البائد يعمل على تسويق عجز الفائزين من الشق الثوري عن التوحد والتحالف من أجل تشكيل حكومة، لذلك لا نرى في هذه الفترة بالذات على شاشات التلفزة وفي المنابر الإذاعية وعلى أعمدة الصحف، سوى شخصيات ثورية، يأتون بها حتى ينهش بعضها البعض، وحتى يعمّقون الهوّة بيننا.
إن الأغلبية المطلقة التي إنتخبت هذا الجسم الثوري تنتظر منا أن نستجيب لتطلّعاتها في توحيد الصف الصادق النزيه الأمين، وآمالها في تحسين وضعيتها الإقتصادية والإجتماعية وتحقيق الأمن والرفاه والكرامة لجميع التونسيين والتونسيات.
إئتلاف الكرامة لن يكون عثرة أمام توحّد هذه القوة الثورية ولن يعرقل مسارات توافقها ولن يعارض تحالفها في ما بينها.
سنعمل بحكمة رصينة، وبإيمان خالص من أجل إستكمال تحقيق أهداف الثورة وطرح جميع برامجنا على طاولة النقاش و نحن متأكّدون بأننا سوف نجد الآلية اللازمة للتعديل الذاتي في عرض البرامج ومناقشتها وإختيار الأنسب منها، إلّا أنّ البرامج وحدها لا تكفي والموصفات الإيجابية للمنتخبين وحدها لا تكفي. وشخصيا وكخبير في علم نفس الشغل أرى أن التفاهم في آليات تنفيذ هذه البرامج وطرق متابعة إنجازها وتقييمها مرحليا ونهائيا، تكتسي نفس الأهمية ويجب التفاهم حولها قبل الحديث عن الشخصيات التي يمكن إختيارها لترؤّس الجهاز التنفيذي...
جوهر بن مبارك: هناك مؤشرات قوية على السير نحو أزمة سياسية
اعتقد ان كل المواقف التى استمعنا اليها اليوم وحتى قبل ذلك تؤشر على اننا نقف على حافة أزمة سياسية ،ربما قد لا تتطور الامور في هذا الاتجاه ونرجو جميعا ذلك، لكن هناك بوادر ومؤشرات على امكانية تطور الأوضاع باتجاه الأزمة.
استطاعت مواقف مختلف الاطراف الى حد الآن ان توضح شيئا رئيسيا وهو : ماهي الاطراف السياسية أو القوى البرلمانية التى يمكن ان تكون في المرحلة الأولى معنية بمسألة تشكيل الحكومة وابرام التشكيل البرلماني الساند لها؟. وعمليا توجد 5 قوى معنية نظريا بتشكيل الحكومة وهي حركة النهضة وائتلاف الكرامة وحركة الشعب والتيار الديمقراطي وتحيا تونس. وهذه الأطراف ليس لديها مانع مبدئي في التعامل بينها
في الانتخابات التشريعية تم التصويت بشكل اجمالي لقوى في الاغلبية تعتبر نفسها في مركبة الثورة ،بالتالي فانا اعتقد ان حصول هذه القوى على الاغلبية المطلقة من تصويت الشعب التونسي يحملها مسؤولية سياسية أمام الناخبين وعليها الجلوس على الطاولة أولا وان تتفاوض بكل ما تعنيه الكلمة في برنامج يقود الى تشكيل حكومة وفية لإرادة الاغلبية الساحقة من الناخبين.
تدفعنا هذه المسؤولية للتطرق إلى الفصل 89 من الدستور وحالاته الثلاث الواردة ضمن فرضيات تشكيل الحكومة.
تتمثل الحالة الاولى التى نحن فيها الان في ان هذه القوى المعنية بتشكيل الحكومة تملك زمام المبادرة السياسية طالما اننا مازلنا في الفقرة الاولى من الفصل 89.والخطر هو ان تفقد هذه القوى المبادرة السياسية ونمر إلى المرحلة الثانية التى تنص انه في صورة الفشل في تشكيل الحكومة يتولى رئيس الجمهورية تعيين الشخصية الأقدر ، هنا سندخل في منطقة الخطر لأنه في هذا الباب صلاحيات رئيس الجمهورية ليست حرة بل مقيدة والفصل المذكور ينص على ضرورة التشاور مع الكتل البرلمانية وان عبارة تعيين الشخصية الاقدر تعني ان تكون له القدرة على تجميع الاغلبية المطلوبة للحصول على الثقة في البرلمان
بمعنى انه عندما يعاين رئيس الجمهورية ان المجموعة الأولى اخفقت في الحصول على الثقة في البرلمان سيفتح مشاورات للبحث عن شخصية أخرى وان فشل الحزب الأول وجماعته سيدفع رئيس الجمهورية إلى التشاور مع الجميع لكن بالأساس مع الحزب الثاني.وهنا قد نصل إلى وضعية يمكن أن تفلت فيها زمام الأمور والمبادرة بشكل يكون فيه خذلان للإرادة العامة الشعبية.
انتهى بالمرحلة الثالثة التى تعد مغامرة غير محسوبة العواقب فالفصل 89 في فقرته الأخيرة يقول : يحق لرئيس الجمهورية أن يحل البرلمان ويدعو الى انتخابات سابقة لأوانها في أجل أدناه 45 يوما وأقصاه 90 يوما ،يعني انه من الناحية السياسية رئيس الجمهورية سيأخذ قرارا سياسا ثقيلا اما إعادة الانتخابات أو قرارا بعدم حل البرلمان يعنى أن يدير رئيس الجمهورية أزمة سياسية دون سقف زمني قد تدوم أشهر أو سنة أو أكثر بمعنى أن حكومة يوسف الشاهد ستبقى بدورها دون سقف زمني وحتى البرلمان لا يستطيع سحب الثقة منها.
على الجميع الإسراع في التفاوض بجدية وتقديم التنازلات بما فيها حركة النهضة المعنية بقيادة المفاوضات مع تقديم الضمانات الضرورة لشركائها دون حسابات سياسوية.وعلى التيار المطالبة بشروطه التى تبدو معقولة في أطرها المفترضة والرسمية وعلى حركة الشعب أن تجلس على طاولة التفاوض بشكل جدي استجابة ووفاء لإرادة ناخبيها ووضع شروطها ومناقشة المضمون السياسي للحكومة والضمانات التى تريدها ومن ثمة تحدد موقفها.
ايمن البوغانمي (باحث جامعي): الأحزاب التونسية ومعضلة ثقافة المعارضة
إن المكونات الرئيسة للطبقة السياسية التونسية، على اختلاف عناصرها فكريا وتنظيميا، تشترك في محضن نشأتها. وهو الدكتاتورية ومقاومتها. وما يميز الدكتاتورية بساطة السياسة فيها. بساطتها لا من حيث تحدياتها وتكلفتها، فتلك باهظة فعلا. ولكن من جهة هيكلتها العامة.
فأحادية نظام بن علي قسمت الطبقة السياسية، أو كادت، إلى قسمين: تابعين يراوحون بين الانتهازية والكفاءة التقنية ومعارضين يراوحون بين العقائدية والشجاعة الشخصية. ففقدت ممارسة السلطة كل قيمة معنوية. من يطلبها يريد "نصيبا من الكعكة". ويباهي بتعففه من يعتزلها. وحين يتهمه ب"وضع العصا في العجلة"، يرد: وهل ثمة أصلا عجلة حتى نضع فيها العصا.
في رحاب هذه العدمية، جاء الخطاب السياسي في تونس الديمقراطية صدى لما كان عليه تحت الدكتاتورية. فممارسة السلطة لم تكتسب تلك الوجاهة المرتبطة بمسؤوليات الشأن العام. وإذا من يطلب السلطة متهم، ومن يتفاوض على تشكيل الحكومة مقاول. لا بأس أن يقول ذلك الإعلاميون. كل البأس أن يقوله السياسيون.
من الطريف أن يدعي حزب برلماني أن ناخبيه اختاروه للمعارضة. السؤال: إذا كان هذا حال ناخبيه، فكيف بمناوئيه؟ لعلهم هم من يدفعونه للحكم. ولذا يختار المعارضة نكالة فيهم.
والأطرف أن يتشدق حزب بالانتصار، ثم يردف أنه ماكث في المعارضة، لا يتزحزح عنها. ولئن كان من حق الأحزاب أن تختار المعارضة، فإنه من الصعب أن تجمع بينها والفوز. ففي الديمقراطيات، يعترف الحزب بهزيمته، فيخلص إلى أنه سينضم للمعارضة. أي أن المعارضة ليست اختيارا لحزب يطلب السلطة، بل اضطرار حين يفشل في إدراكها.
تقتضي الجدية فهم السياق الديمقراطي التونسي انطلاقا من الدستور والقانون الانتخابي. ولئن كان هذا وذاك قابلين طبعا للتعديل، فإنه في الأثناء لا بد من اعتماد القواعد الحالية.
ونقد الخصوم السياسيين أساس من أسس الديمقراطية. ولكن يتعين أن يتقيد الناقد بما هو مستطاع. أما أن يتحول السياسيون لصناديق صدى تكرر كلام الإعلاميين أو تغريد صفحات التواصل الاجتماعي من دون مراعاة لقواعد المنافسة السياسية القائمة وما تفرضه من ممكنات ومستحيلات، فإن ذلك يفقد السياسيين مصداقيتهم.
مثال ذلك اتهام السياسيين بعضهم البعض بالمحاصصة الحزبية. ومن يفعل ذلك، فإنه يتهم بها حين يدرك النصر. وحسن النية يقتضي أن كل حزب يسعى للنصر. فإذا اتفقنا على ذلك، وإذا أضفنا إليه أن النظام الانتخابي القائم لا يسمح لأي حزب بالانفراد بالأغلبية أو حتى بالاقتراب منها، تكون العنجهية مرفوضة من الجميع. فالمنتصر يحتاج للمنهزم. والمنهزم لا شك يأمل أن يكون غدا هو المنتصر بما سيحوجه لمنهزم الغد الذي هو منتصر اليوم. ولذا، فلا معنى لإيعاز حركة النهضة بفرض الإرادة. ولكن لا معنى أيضا لاتهامها باتباع المحاصصة من قبل شركائها المحتملين.
وليست المحاصصة عيبا إلا أن نتجاهل أن تونس خرجت من الأحادية إلى التعددية. فتشكيل التحالفات الحزبية والتأليف بين البرامج المتناقضة والهويات المتنافرة من جوهر الديمقراطية، حتى وإن كان غير متواتر في فرنسا والولايات المتحدة. وهما النموذجان المرجعيان اللذان يعرفهما المثقفون التونسيون.
المفروض أن تسند المناصب على أساس الكفاءة وقاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب. هذا صحيح. ولكن هل ثمة حزب وازن في البرلمان لا يملك كفاءات كافية لتشكيل حكومة؟ إذا كان هذا المقصود، فيا خيبة المسعى: أحزاب تطلب السلطة دون أن يكون فيها من يتحمل مسؤوليتها.
صلاح الدين الجورشي (إعلامي): تشكيل الحكومة.. الإكراهات والاحتمالات
جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية مختلفة عن توقعات الأحزاب والمحللين السياسيين، وهي تستوجب وضع ورقة خاصة بذلك تتطرق إلى الدلالات العميقة لما حدث، ومن بينها ضرورة أن تقوم الأحزاب والنخب التونسية بمراجعة علاقتها بالتونسيين بعد أن اتضح أن الخطابات السياسية الموجهة إليهم فقدت أثرها فيهم، ولم تعد قادرة على تعبئتهم وتوجيههم.
في ضوء هذه النتائج والمواقف المسجلة من قبل الأطراف المعنية بتشكيل الحكومة يمكن تسجيل الملاحظات التالية التي من شأنها أن تساعد على تحليل الحالة الراهنة، واستكشاف احتمالات المرحلة القادمة.
أولا : من حق حركة النهضة التمسك بتشكيل الحكومة وأن يكون رئيسها من بين كوادرها العليا. هذا ما ينص عليه الدستور، وهو ما تفرضه الديمقراطية عموما ويقتضيه النظام البرلماني. ولو تصدر حزب آخر الانتخابات لفعل نفس الشيء. وقد سبق لحزب نداء تونس أن تمسك بهذا الحق في سنة 2014، وسعى نحو الهيمنة على الرئاسات الثلاث ولم يترك للنهضة إلا مواقع ضعيفة لا تستطيع من خلالها التأثير في المسائل الكبرى التي تتعلق بالحكومة أو بصلاحيات رئيس الجمهورية. لهذا السبب تعتمد حركة النهضة هذا المثال لكي تبرر سلوكها الراهن كحزب أول.
ثانيا : المشكلة الرئيسية التي تواجهها حاليا حركة النهضة أنها غير قادرة على استثمار هذا الفوز الانتخابي سياسيا وعمليا، لأن نسبة المقاعد التي حصلت عليها لا تسمح لها بتشكيل الحكومة أو فرض الشروط التي عادة ما يسعى إليها كل منتصر. وهذا دليل على كون الحركة لم تنتصر حقيقة في هذه الانتخابات، وإنما نجحت في الحد من خسائرها وحافظت على حجم سياسي مقبول. لهذا تشعر الحركة بالعجز كلما تعامل معها شركاؤها المحتملين بنوع التحدي وقدموا لها مطالب تعجيزية..
هذه عقدة غير مسبوقة في الحياة السياسية، وسببها أن حركة النهضة تجد نفسها مرفوضة من أغلب الطيف الحزبي والسياسي. فبعد أن كانت الحركة تشكل مظلة تلجأ إليها عديد الأطراف والأحزاب في سنة 2012، وكان البعض يرغب فعلا في التحالف معها، اختلف الأمر اليوم نتيجة عوامل عديدة يصعب في هذه الورقة المحدودة استعراضها وتحليلها.
ثالثا : يتجلى من خلال ما سبق أن بعض الأحزاب تلجأ حاليا إلى سلوك هو أقرب إلى ما تسميه النهضة ب "الابتزاز ". والحقيقة هو ليس ابتزازا بمفهومه الأخلاقي، ولكنه محاولة سياسية من هذه الأطراف من أجل حشر الحركة في الزاوية، ومحاولة الضغط عليها من أجل تحسين شروط التفاوض.
المرفوض في هذه المرحلة هو محاولة إغراق النهضة في مستنقع الفشل لضرب ما تبقى لها من مصداقية، وبالتالي الدفع بها نحو العزلة والتفكك. وهي استراتيجية غير مفيدة إطلاقا، لأن التخلص من الأحزاب الكبرى لن يساعد المسار الديمقراطي على التماسك والتطور، بل على العكس من شأنه أن يضعفه ويعمق أزمة الثقة في القوى التي تديره.
رابعا : المطلوب من حركة النهضة والأحزاب التي يمكن أن تشكل معها الحكومة القادمة هو استحضار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد، وهي أزمة تتجاوز بكثير ليس فقط إمكانيات "النهضة" وإنما أيضا امكانيات هذه الأحزاب. هذا يقتضي ملازمة التواضع، والتخلص من العقلية الحزبية الضيقة، وتوسيع دائرة التشاور على الصعيد الوطني لتشمل المنظمات الوطنية، وبالخصوص الانتقال من الجدل حول اسم رئيس الحكومة وهويته السياسية إلى فتح النقاش في اسرع وقت حول البرنامج الذي ستقوم الحكومة الجديدة بتنفيذه، والذي سيقوم الشعب بمحاسبتها عليه.
خامسا : يمكن لرئيس الجمهورية - إذا خلصت النوايا وتم تقديم المصلحة العامة على بقية الحسابات - أن يساعد على تشكيل حكومة قوية ومتماسكة. فالرئيس قيس سعيد الذي يملك شرعية سياسية عريضة جدا يستطيع أن يوظفها لصالح تشكيل تحالف واسع من شأنه أن يمكن من تكوين حكومة قوية وغير متصادمة مع قرطاج. لكن هذه الورقة يجب أن يتم استثمارها بشكل ذكي وحذر..
عبد اللطيف الحناشي(أستاذ التاريخ السياسي المعاصر والراهن):الحل في تكوين حكومة إنقاذ وطني
على خلفية النتائج الاولية التي صرحت بها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات(في انتظار النتائج النهائية) يمكن القول ان الانتخابات التشريعية كانت احتجاجا على خطاب الاحزاب وأدائها وسلوكها السياسي بشكل عام، وليس عقابا لها كما يذهب البعض،باعتبار ان الاحزاب تصدرت المراتب الاولى في ترتيب النتائج...
وحول تشكيل الحكومة لا شك ان حزب النهضة مطالب بهذه المهمة باعتبارها المتحصلة على اكثر المقاعد (52 او 51 مقعد)كما ينص على ذلك الدستور، بشرط تمكنها من توفير الاغلبية المطلوبة من الاصوات( 109 أصوات). وهو ما سيتطلب التحالف بين عدة أطراف لتحقيق هذه الاغلبية. غير ان الاشكال يتمثل في غياب أية أغلبية طبيعية حتى ولو كانت بالحدّ الأدنى.
تشبث حركة النهضة بان يكون رئيس الحكومة من حزبها امر وجد رفضا من قبل اغلب الاحزاب المتمثلة في مجلس الشعب(لحد الان على الاقل )، ورفض اغلب الاحزاب المدنية التحالف معها لتشكيل الحكومة لأسباب سياسية او ايديولوجية، باستثناء ائتلاف الكرامة القريب منها ايديولوجيا تحديدا.
كما وضعت بعض الاحزاب شروطا لا يبدو ان النهضة على استعداد لقبولها ومنها تسلم وزارات سيادية(التيار الديمقراطي) ورفض حزب حركة النهضة بدوره التحالف مع احزاب محددة(حزبي قلب تونس 38 مقعدا والحزب الدستوري الحر).
على خلفية هذه المعطيات يبدو ان حزب حركة النهضة سيكون في وضع صعب والبلاد على ابواب ازمة سياسية لا تحتمل على وقع الازمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة ما يدفع باتجاه بعض الخيارات المحدودة والضيقة.
امر سيدفع باتجاه 3 احتمالات او فرضيات في حالة تدخل رئيس الجمهورية وربما منظمات المجتمع المدني المؤثرة في الشأن العام.
1. تأليف حكومة برئاسة شخصية وطنية مستقلة غير حزبية....(حكومة كفاءات)وبعض الشخصيات الحزبية (عدد محدود جدا).
2. تأليف وحدة وطنية :بقيادة شخصيات غير حزبية واخرى حزبية على خلفية برنامج اصلاحي في اطار المحاصصة الحزبية.
ولكن الى أي مدى يمكن الاتفاق على رؤية مشتركة بين تلك الاحزاب حول الأولويات الأساسية للبلاد؟.
3. اعادة الانتخابات كما تنص عليه الفقرة الرابعة من الفصل 89 من الدستور(يعود الامر لرئيس الجمهورية)وهو خيار يبدو مكلفا جدا داخليا وخارجيا.
على خلفية كل ذلك نعتقد انه من الضروري تشكيل حكومة انقاذ وطني(كفاءات وذلك على خلفية برنامج واضح ودقيق يتعلّق بالقضايا المصيرية) (ادارة الازمة الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية والخدمات)) تمنحها الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الثقة وان يحاول كل طرف الاحتكام إلى المنطق والعقل وإيجاد حد أدنى من التوافق عن طريق تقديم التنازلات المجدية.
لماذا حكومة الانقاذ الوطني؟ قد يبدو هذا خيارا صعبا بل مؤلما لبعض الاحزاب لكنه ممكن بعد فشل حكومات ما بعد الثورة، جزئيا او كليا، في ادارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي. اما شكل الحكومة فنرى اننا بحاجة الى تشكيل حكومة انقاذ الوطني وذلك اعتبارا للازمة الاقتصادية الحادة والشاملة ولا نعتقد ان حزب او ائتلاف حزبي محدود(العدد والحجم) قادر على ادارة الازمة المركبة والمعقدة التي تعيشها بلادنا بتداعيات الازمة العالمية المحتملة.
قد يكون هذا المقترح مخالف لطبيعة النظام الديمقراطي وآليات اشتغاله غير ان مصلحة الوطن تظلّ فوق الاحزاب والمجموعات،فالوطن في خطر...
طارق الكحلاوي (باحث جامعي): إكراهات الزمن والميزانية لا تسمح بالإبطاء في تشكيل الحكومة
لا يمكن النظر في مداولات تشكيل الحكومة بمعزل عن اللحظة النفسية الجديدة التي كشفت عنها الانتخابات، فتشكيلها يتم في سياق نفسي جديد. تحديد افاقها وحسابات تشكيلها يمر حتما عبر ذلك.
ولنتفق ان هناك موجة عامة ظهرت اكثر في الانتخابات الرئاسية في صالح حماية القيم العامة وتجنب الفساد او ما يشتبه فيه كذلك، لكن هذا لا يعني حصرا استعادة "لحظة الثورة".
فيما يتعلق بالتشريعية اعتقد ان التحليل الافضل يجب ان ينصب نحو جدة وقدم وعلاقة كل طرف بالاطار السائد والمعروف والتقليدي وليس "الخط الثوري".
اكراهات الزمن والميزانية
متى يبدأ العد التنازلي للاربعة اشهر من التكليف الاول؟ "في اجل اسبوع من اعلان النتائج النهائية للانتخابات" وبناء على تاريخ انتهاء الطعون يكون اذا حوالي 15-20 نوفمبر. ينتهي اجل تشكيل الحكومة من قبل الحزب صاحب اكبر عدد من المقاعد يوم 20 جانفي. هل يمكن وفقا لهذه الاجندة لحزب النهضة الموجود اصلا في الحكومة المتخلية في زمن اجتماعي ساخن تحمل عبئ الابطاء في تشكيل حكومة؟
اي قارئ للميزانية التي تركها يوسف الشاهد سيفهم اننا ازاء قنبلة موقوتة تم تصميمها لعنصر حملته الانتخابية، مصاريف تفوق بشكل كبير المداخيل، وكتلة اجور مرتفعة، مقابل مفوضات قريبة مع اتحاد الشغل. ميزانية تكميلية امر حتمي، ولا يمكن ان يتجاوز الامر بضعة اشهر لتعديل الاوتار.
اكراهات الزمن والميزانية لا تسمح بالابطاء في تشكيل الحكومة واضاعة الوقت.
توزيع القوى والسيناريوهات الممكنة
إن خيار النهضة لرئيس حكومة نهضوي يعني اما خيارا واع بفشله وبالتالي اسبابه خارج حسابات تشكيل الحكومة ذاتها والارجح يتعلق بتجاذبات داخلية، او يستشعر موافقة مبدئية من قبل قلب تونس لمنحها الثقة دون حقيبة.
لهذا الارجح سنمر الى حكومة رئيسها مستقل. ولهذا على الحزب المكلف القيام بذلك ربح الوقت والاستثمار في شعبية الرئيس لتجميع مختلف القوى والتفاهم على شخصية قوية ونظيفة يساهم في اختيار فريقه وتكون شخصية منسجمة مع برنامج باجندة تنفيذية مرقمة، يضمن موافقة المنظمات المهنية ويحتاج على الاقل سنتين اوثلاثة قوامه مكافحة الفساد واعادة ترتيب اولويات المالية العمومية بما يسمح باعطاء اولوية للجانب الاجتماعي ولورشات كبرى اقتصادية وبكلفة ادارية وبيروقراطية محدودة. لا نحتاج استنساخا لا ل"حكومة الترويكا" ولا ل"التوافق". والا فانه سيتم القضاء على ما تبقى من منسوب الثقة في العملية الديمقراطية ذاتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.