أذكر أنّه عندما فتحت أول عيادة طبية بالمدينة، قدم إليّ شخص في غاية الأناقة من حيث ما كان يرتدي: قميص من أرفع ما شاهدت مع ربطة عنق سابقة عصرها في لونها المشعّ،وسترة وبنطلون لعلها غادرت محلّ بيعها من أيام فقط... أما الحذاء فقد شذّ ببريقه يسابق الزمن ليعلن زيجة حديثة العهد أو مناسبة أخرى... وحين دخل مكتبي أعلمني بأنّه لم يحلّ لكشف طبي، والحمد لله، فهو في صحة جيدة،ولكن لتقديم عرض في غاية الأهمية.. ثم فتح حقيبته دون أن ينتظر مني أيّ سؤال أو ملاحظة ما وشرع في سرد أرقام وسنوات، ثم سألني عن تاريخ الولادة، وعن حالتي المدنية وأشياء أخرى وأردف في نفس الوقت بأنّ لديه كلّ هذه المعلومات، لكن سؤاله كان لمجرّد التأكّد.. فهمت أنّه معتمد تجاري لشركة تأمين على الحياة، وأنّه يقدّم هذا العرض المغري جدا بصورة استثنائية حسب رأيه لندرة اختصاصي وقيمتي العلمية والمهنية.. وللحظة تساءلت هل إنالتنبأ بالوفاة في مقدور أحد؟وهل العلم باستطاعته التكهّن بتاريخ محدّد لها؟ بدون شكّ هناك إشارات نحسّ بهاويرسلها الجسم ليقول إنه يعاني من ظروف معيّنةقد تكون قاسية إلى حد أنها قد تنبؤ بل لعلّها تعجّل من موت الشخص. فمن المعروف أنه كلما بدت على الجسم آثار الشيخوخة، مثل هشاشة العظام وصعوبة الحركة وآلام المفاصل وضمور في العضلات وارتخاء في الاستجابة لما ومن حوله، كان الشخص معرّضا أكثر إلى الموت. إضافة لكل الأمراض المزمنة والعاهات التي يحملهاوبالتالي فقد كان عليه هنا أن يحرص على الاهتمام بحالته الصحية عن كثب، والقيامبفحوصات طبية للتأكد من حالته. وكثيرا ما تطلب منا شركات التأمين، نحن الأطباء، أن نمدّها بالحالة الصحية لمواطن ما.. وبالطبع ونظرا للسرية المهنية، فإنّ هذه الشهادة أو التقرير يسلّم إلى المعني بالأمر دون سواه.لأنّ الموضوع يتعلّق باحتمالات سوف تقرأها شركة التأمين بواسطة خبرائها في الإحصاء وفي الصحة لتحديد المبالغ التي على هذا المواطن رصدها إن كان يرغب في القيام بتأمين حياته. مؤشرات: إلى جانب ما يحمل الإنسان من عاهات وربما كذلك من أمراض حديثة العهد أو قديمة ومعروفة بخطورتها، فهناك عدة مؤشرات بإمكانها أن تقربنا من حقيقة علمية ما، منها رد الفعل السريع والذي يمثل دليلا على القدرات الإدراكية الأفضل. والدراسات تدل أن أصحاب ردود الفعل الأبطأهم أكثر احتمالاً للموت بنسبة تصل إلى خمسة وعشرين بالمائة. كما يوجد ارتباط إحصائي بين مستوى تعليم الفرد والوفاة، وعن طريق الارتباط الموجود بين مستوى التعليم وقوة قبضة اليد، حيث يمكن التنبؤ بالشيخوخة والموت عن طريق قوة القبضة التي تتأثر بالدراسة، وإن كان ذلك التنبؤ ضئيلاً. علما بأن الذين لم يدرسوا أو لم يتموا دراستهم يتعرضون إلى وفاة تسبقببضع سنوات، الأشخاص في نفس العمر والذين هم ذوي مستوى دراسي أهم. ويبدو حسب بعض الدراسات أن ضعف القبضة يشير إلى الشيخوخة وبالتالي إلى الموت القريب جدا. وهذا أمر طبيعي ففي قبضة اليد استجابة لقوة عظام وعضلات وأعصاب وعروق وكذلك من إرادة، بل ورغبة في الحياة.. كذلك مع التقدم في العمر، يبدأ الأنف في فقدان قدرته على الشم، إذ إن حاسة الشم تستدعي تجدداً مستمراً في خلاياه الحاسية الموجودة داخل المنخرين والتي تسير نحو الدماغ الشمي...حتى تكون قادرة على التمييز بين الروائح المختلفة، ومع زيادة العمر تفقد الخلايا هذه القدرة على التجدد، فتقل القدرة على أداء وظيفة الشم. لكن هذا الأمر لا يتعلق فقط بحاسة الشم والخلايا الشمية وإنما كذلك بكل خلايا الجسم ومنها خلايا جهاز الإبصار والقشرة الجلدية ونموّ الشعر واللحية. كلّ هذه الخلايا إن حبست تكاثرها نسبيا فهي تسبق كذلك هذه الوفاة بل وتهيؤها. ويأتي أخيرا اختبار الدم وهو الطريق الأمثل للتعرف على صحة الإنسان والأمراض المختلفة التي تصيبه. ويشير الباحثون إلى أن هناك مؤشرات حيوية في الدم التي تعتبر بمثابة تلميح لأمراض آتية، وبالتالي قد تكون إشارة إلى الموت بسبب ضعف الجسد. ولا شك أن الدم هو إحدى أفضل الطرق لقياس الصحة. فاختبارات الدم تنبؤنا بالأمراض الموجودة وهي تعطينا مؤشرات عن صحتنا المناعية وعن ارتفاع ضغط الدم ونسبة الشحوم والكوليسترول والقدرة الوظيفية للكلى وقدرة القلب على ضخّ الدم بالجسم. ولكن مؤخرًا وَجَدَ العلماء أن المؤشرات الحيوية بالدم يُمكنها أيضًا أن تُحدِّد ما إذا كان الشخص سيعيش لفترةٍ أطول أو إنّ أجله قد قرب. وغدا سوف نتمكن من القيام بتحاليل متعددة لعدة معطيات بالجسم سوف تمكّننا من تقدير متوسط العمر الذي قد يعيشه شخص ما. بل إنّ هذه التحاليل تقوم بها بعض المخابر في بلدان متقدمة. الذكاء الاصطناعي: كما أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي شائعًا في العديد من المجالات، وذلك عن طريق بعض البرامج والتطبيقات، لدرجة أنّه أضحى من الممكن الآن التنبؤ بالحالة المرورية عند الذهاب للعمل أو الدراسة وغيرها من أمور الحياة اليومية.كما تستطيع مواقع البحث توقع الكلمة اللاحقة التي ستكتبها. وأخيرا، أعلنت شركةغوغل العملاقة عن تقنية تستطيع تحديد موعد وفاة الشخص بدقة تصل إلى نسبة لا تقلّ عن الخمسة وتسعين في المائة. واعتمدت شركة غوغل في دراسة أجرتها حول هذه التقنية على جمع معلومات طبية متعلقة بمئات الآلاف من الأشخاص تلقوا الرعاية الصحية في مركزين طبيين في الولاياتالمتحدةالأمريكية. وقد مكنت الدراسات هذه من التنبؤ بخطر الوفاة لهؤلاء، وما إذا كان سيتم إعادة إدخالهم للمؤسسات الصحية، ومدة الإقامة بها، وغيرها. كل هذا أدى إلى معرفة دقيقة بالنسب التي تنجر عنها وفاة مع الفترة المتبقية على قيد الحياة أو قيد الموت لفئة من الأشخاص.. علما أنّه كلما زادت المعطيات السريرية دقة والتحاليل والتصوير والتخطيط ونتائجها إلا وزادت نسبة التعرف على احتمالات أدق بالنسبة لتاريخ الوفاة. وذكرت مؤسسة غوغل خلال مقال نشرته حول الموضوع، أن العمل لا يزال في مراحله المبكرة لإثبات إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الرعاية الصحية.، لكن وكذلك وأساسا للعمل الإحصائي الذي يخدم بالضرورة شركات التأمين. من جهة أخرى هناك نوع آخر من التأمين انخرط فيه كثير من أثرياء العالم، بالاحتفاظ، ببنك خاص، بالخلايا الجذعية لأبنائهم عند الولادة يسحبونها من الحبل السرّي؛ هذه الخلايا تصلح عند حصول أيّ عطب بالجسم أو أي حادث... وهي طريقة لإطالة عمر الإنسان بصورة مثلى. لكنّها في نفس الوقت تضيف لبنة إضافية إلى اللاعدل على وجه الأرض.. وبالعود إلى عون شركة التأمين الذي حلّ بمكتبي، وعندما وصل في سرده لحساباته، إلى رقم مالي خيالي قد ينتج، إن أنا أمضيت في الحين على العقد الذي بين يديه، وطرحه بكلّ تفاصيله على مكتبي، تمكنت من طرح سؤال وحيد وواضح: وكيف ومتى يمكن الاستفادة من هذا المبلغ؟ أجابني بدون تردّد: طبعا عند وفاتك يا دكتور. حسمت الأمر ووقفت ثم رافقته حتى الباب الخارجي للعيادة...