النهضة ترشح عدنان بوعصيدة لرئاسة جامعة البلديات    توقيف 10 في احتجاج على إجراءات العزل بلندن    ترامب يرشح القاضية إيمي كوني باريت لعضوية المحكمة العليا    مسرح الأوبرا: قطب المسرح والفنون الرّكحيّة يقدم تظاهرة "الخروج إلى المسرح"    إجراءات عاجلة بولاية صفاقس لمجابهة فيروس كورونا    كورونا .. 64 إصابة جديدة بالمنستير    إلى هيكل المكي : برّه داوي روحك من عقد الجامعة !    سيدي الرئيس ..طبق حكم الإعدام .. و ارحمو أم رحمة.. يرحمكم الله    واشنطن تفرض قيودا على الصادرات إلى شركة صينية    صلاح الدين الجورشي يروي معاناته مع كورونا...ووصفة التغلب على الفيروس اللعين    المنستير: المركز الجهوي لحاملي "الكوفيد 19" بالمنستير يستقبل أوّل دفعة من المصابين    العلماء يحددون "خدعة" يستخدمها فيروس كورونا    تضمّن إبطال كل قرارات هيئة الحقيقة والكرامة..كتلة الدستوري الحرّ تقترح تنقيح قانون العدالة الانتقالية    قدم.. ريال مدريد يحقق فوزا صعبا على ريال بيتيس    كرة اليد: نادي ساقية الزّيت يتوّج بكأس تونس على حساب الترجي    قد تتم مقايضتها اقتصاديا للانضمام إلى صفقة القرن..هل تنجو تونس من فخّ التطبيع ؟    الاستاذ علي جمعة : لماذا لايستجيب الله لدعائك ؟؟؟    وزير السياحة: قطاع السياحة الاستشفائية كان الأكثر صمودا أمام الهزات الاقتصادية    «الضمان الاجتماعي» يستنكر    كأس تونس للكرة الطائرة: تأهل الترجي التونسي وسعيدية سيدي بوسعيد للدور نصف النهائي    جندوبة: وفاة كهل تحت عجلات دراجة هوائية    حجز بذور «ماريخوانا»    عدنان الشواشي يكتب لكم : نعم ... أنا مع حكم الإعدام    موفى 2020 دخول محول المطار حيز الاستغلال    يوميات مواطن حر: تخمة العطش    رئيس جامعة النزل: وضع السياحة كارثي..وأغلب الفنادق قد لا تفتح أبوابها مجددا    منفذ هجوم باريس كان يستهدف شارلي إبدو    رئيس الحكومة يشرف على مباراة نهائي كأس تونس    عصابة خطيرة عابرة للولايات: تمارس التنقيب عن الآثار....وبحوزتها قطع نفيسة لا تقدر بثمن ومخطوطات تاريخية للبيع بمئات الملايين    عائلة وأصدقاء «رحمة» ينظمون مسيرة غاضبة:...«عندنا طلب وحيد»    محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: رواية صالح الحاجّة «حرقة الى الطليان» تستحق القراءة    الهوارية: رئيس الحكومة وقناة TF1 الفرنسية يكرمان باعث المشروع السياحي «المغامر»    وفاة الكوميدي المنتصر بالله    الإتحاد الآسيوي يرفض طعن الهلال السعودي    سنفرا يكشف حقيقة علاقته بأحلام الفقيه    أميمة بن حفصية: لن أمثّل في "قلب الذّيب 2" دون بسّام الحمراوي    دراقر يقترب من أولمبياكوس اليوناني    وزير التربية: مشروع الإصلاح التربوي في تونس يجب ان يراعي زمن الطوارئ والجوائح    البريد التونسي يوضح في خصوص الحكم الصادر ضد وزير النقل معز شقشوق    بتخفيضها لسعر 1200 منتجا لسنة كاملة: mg تتحدى غلاء الأسعار    وفاة الفنان المصري المنتصر بالله    رئيس الحكومة يعلن يوم 26 سبتمبر من كل سنة يوم وطني للسياحة الريفية    الحمامات .. تسجيل أول حالة وفاة بفيروس كورونا    26 سبتمبر.. يوم وطني للسياحة الريفية    يرصدون مساكن عدد من العسكريين في بنزرت: القبض على 3 أشخاص    محمد الحبيب السلامي يتدّبر: ...آيتان من سورة البقرة    النجم الساحلي: اصابة الحارس ايمن المثلوثي بفيروس كورونا    بهدف التوقي من فيروس كورونا : إحداث لجنة "تدخل عاجل" صلب وزارة الشباب والرياضة    رئيس الوزراء اللبناني المكلف يعتذر عن تشكيل الحكومة    طقس اليوم: انخفاض في الحرارة وسحب مصحوبة ببعض الأمطار    ترامب: لن نخسر الانتخابات إلا إذا زوروها    تحية لروح الكاتب كمال الزغباني..«حفلة الحياة» في مدينة الثقافة    وزارة الداخلية تكشف تفاصيل جريمة "عين زغوان" واعترافات القاتل    التداوي الطبيعي ..الجلجلان يقاوم الربو و يقوي الذاكرة    اعترافات قاتل الفتاة رحمة بمنطقة عين زغوان    البريد التونسي يصدر طابعين بريديين جديدين    اسألوني    نفحات عطرة من القرآن الكريم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نوفل سلامة يكتب لكم : في لقاء محاورة المنجز الفكري للدكتور هشام جعيط .."هل يكتب المؤرخ تاريخا أم يبني ذاكرة"؟
نشر في الصريح يوم 10 - 12 - 2019

بالاشتراك بين دار الكتب الوطنية ومؤسسة مؤمنون بلا حدود وجمعية الدراسات الفكرية والاجتماعية التأم يوم الجمعة 6 ديسمبر الجاري لقاء تكريم على شرف الدكتور هشام جعيط تناول محاورة منجزه الفكري والقضايا المعرفية التي طرحها هذا المفكر خلال كامل مسيرته المعرفية مع التوقف عند الكثير من كتبه والقضايا التي تناولها ومنهج البحث الذي اتبعه في تناول قضايا التاريخ الإسلامي التي اهتم بها وخاصة الأحداث المفصلية التي شكلت منعرجا حادا في التاريخ الإسلامي كقضية الفتنة الكبرى وقضية بناء الدولة الاسلامية زمن الاسلام المبكر والصراع على الحكم الذي تواصل إلى اليوم وهي كلها قضايا أثارت منذ ظهورها جدلا واسعا في الوسط الثقافي.
في هذا اللقاء قام الدكتور لطفي بن ميلاد الذي يشغل خطة أستاذ مساعد في التاريخ الوسيط في الجامعة التونسية بجولة موسعة شملت مدونة الدكتور هشام جعيط حمل خلالها كل الحاضرين إلى مختلف القضايا التي طرحها هشام جعيط في كل ما كتبه مبرزا أنه ابتكر لنفسه منهجا خاصا في فهم التاريخ وقراءته وإعادة كتابته وهو منهج يقوم على نقد ورفض للمدرسة " التاريخانية " في كتابة التاريخ وكذلك " المنهج الوضعي " واعتمد منهجا علميا يقوم على محاورة الوثائق والمصادر التاريخية بعد تمحيصها وغربلتها وإقصاء ما بثت لديه من انتحال أو اختلاق ثم القيام بعملية تركيب وصياغة للأحداث وهو في هذه العملية المركبة والصعبة يقدم فكرا تاريخيا جديدا ولا يكتب تاريخا من جديد وميزة هشام جعيط في كونه كاتبا قلقا ومفكرا متمردا على المعرفة القديمة خاصة في تعامله مع القراءة القديمة التي أرخت للتاريخ الاسلامي وهي طريقة توخت نهج الرواية التاريخية في حين أن التاريخ في نظر جعيط وقائع ومعطيات تعكس إلى حد كبير ما حصل وهذا ما يفصلها عن الرواية التي يدخل فيها العامل الذاتي وجانب الخيال فالوثيقة التاريخية تحيل على الواقعة التاريخية والحدث التاريخي لذا كان من مهمة المفكر الذي يكتب التاريخ أن يبدي موقفا من هذه الأحداث التاريخية من خلال قراءته ومحاورته للمصادر التاريخية وهذا المنهج الذي ألزم به نفسه هو الذي جعله يرفض كتابات المستشرقين الذين تناولوا التاريخ الإسلامي واعتبرهم متحاملين على الثقافة الاسلامية حينما كتبوا تاريخنا من خلفية الخوف من الإسلام الذي يعتبرونه العدو للحضارة الغربية فبقدر ما كانت كتابات المستشرقين مقبولة حينما يتناولون القضايا الفكرية للثقافة العربية الاسلامية فإنهم غير ذلك حينما يتناولون التاريخ الإسلامي.
وهشام جعيط في عملية إعادة القراءة للكثير من فترات التاريخ الإسلامي بدءا من مرحلة النبوة وتكوين دولة المدينة ومرورا بعصر الخلافة الراشدة ثم تكوين الدولتين الأموية والعباسية وكل الأحداث الجسام التي رافقت كل هذه المحطات الهامة لم ينقطع ولم ينفصل عن الرجوع إلى أمهات المصادر القديمة التي روت هذه الأحداث ليقوم بعملية تمحيص وتدقيق للروايات ليس من منطلق تطبيق منهج علم الحديث وعلم الجرح والتعديل الذي وضعه أهل الاختصاص في علم الرواية وإنما قد توخي منهجا علميا الزم به نفسه يقوم على معيار العقل والمنطق والمقارنة لقبول أو رفض الرواية التاريخية التي روت الحدث التاريخي وباعتماد هذا المنهج وصل هشام جعيط في كتابته لتاريخ الاسلام المبكر إلى خلاصات ونتائج مختلفة عما تركز في كتب القدامي وشاع.
وفي هذا كله فإنه من خلال ما استمعنا إليه من نقاش ومحاورة للمنجز الفكري للمحتفى به نقف على فكرة أساسية وهي أن هشام جعيط في كل ما كتبه عن التاريخ الاسلامي قد حاول أن يجد العلاقة المغيبة بين الذاكرة التاريخية والتاريخ كوقائع حصلت وخطورة هذه العلاقة تكمن في التنبه والتفطن إلى أن عملية كتابة التاريخ من أجل استحضار الذاكرة واستعادتها تعتمد بصورة مكثفة على الجوانب النفسية وهيمنة القراءة الوجدانية في حين أن عملية كتابة التاريخ لمحاورته ومعرفة ما حصل بنسبة تقربه إلى حقيقة ما وقع لفهم ما حصل يعتمد على منهج علمي صارم فإذا كانت الكتابة التاريخية لاستعادة الذاكرة هي كتابة تمجيدية فإن الكتابة الأخرى بالاعتماد على المناهج العلمية المعروفة مهمتها مساءلة هذا التاريخ. والسؤال الذي يطرح في الكتابة التاريخية المعاصرة و التي يقوم بها هشام جعيط هو : هل يمكن اعتبار أن ما كتبه هشام جعيط من قبيل التفسير الجديد للتاريخ ؟ وهل بما كتبه يعيد بناء التاريخ الذي كتب ؟ وهل يمكن أن نعتمد على ما قاله " بول ريكور " في كتابه التاريخ ذاكرة النسيان من أن المؤرخ حينما يحاور الأحداث التي جرت فإنه يورد تاريخا جديدا ويصنع التاريخ من جديد. وهذا يعني أن المؤرخ المعاصر تحكمه قاعدة أنه بقدر ما للماضي من قوة فانه علينا تفسيره وفهمه بأدوات الحاضر.
و اليوم يمكن القول أنه بهذا المنهج الذي اختص به هشام جعيط في الكتابة المعاصرة للتاريخ فإن مدرسة تاريخية جديدة قد ولدت في تونس متميزة ومختلفة عن غيرها من المدارس التي ظهرت في المشرق العربي والغرب الأوروبي وهي مدرسة بدأت تظهر ثمارها مع هشام جعيط وبعض تلامذته على غرار بثينة بن حسين وكتابها " الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية " ما يقلق في هذا الاعتراف الذي ينتصر له هشام جعيط في كوننا قد أسسنا اليوم مدرسة في كتابة التاريخ خاصة بنا هو كيف يمكن لرواد هذه المدرسة التونسية أن يتخلصوا من هيمنة المعرفة للغرب في كتابة التاريخ الاسلامي ؟ وكيف يمكن لهذه المدرسة أن يكون لها منهجها الخاص في ظل انفتاح المؤرخ على الاختصاصات الأخرى والاستفادة من المناهج المختلفة وهي كلها مناهج غربية تكرس رؤية معينة للمعرفة والثقافة والحضارة والمقدس ؟.
من القضايا الأخرى التي طرحت في هذا اللقاء الذي يسائل المنجز الفكري للدكتور هشام جعيط قضية أي حضور للمتخيل التاريخي في الكتابة التاريخية وتحديدا هل بما قدمه من مؤلفات يكتب تاريخا صحيحا وحقيقيا أم يكتب تاريخا متخيلا صنعه هو بنفسه من خلال تخيل أحداثه التي لم تقع ؟ والمقصود هنا هو البحث في جوانب المتخيل فيما كتبه جعيط والتي تلامس أساسا المتخيل الذهني والمتخيل الزماني أي تاريخ الذهنيات ومشكلة الزمن في الكتابة التاريخية للحدث وهل يمكن الإقرار بأن كل كتابة تاريخية تحتوي على جزء من المتخيل ؟ وهل أن هذا المتخيل هو جزء من كتابة التاريخ ؟.
وهنا تطرح مسألة الوعي الضروري لكل قارئ لهشام جعيط بهذا المتخيل التاريخي في منجزه وفي كل ما قام به من إعادة القراءة والكتابة للفترة المحمدية وللفتنة الكبرى والصراع على الحكم وقضية القرآن والنبوة وخطورة الوعي بهذا المتخيل التاريخي هو في الكشف بأن المؤرخ قد يسقط في خطأ صناعة الماضي عوض اكتشافه كشفا جديدا . إن مشكلة المتخيل التاريخي هي في الوظيفة التي يؤديها وهي وظيفة تلتقي وتتقاطع مع وظيفة الدين وكتابة السيرة وفي تحول هذا المتخيل هو بدوره إلى تاريخ آخر وتاريخ جديد للنبي وسيرته وللدين وصيرورته.
الدكتور هشام جعيط هو في الأخير مفكر قلق قد اهتم بالقضية المركزية التي تطرح سؤال النهضة العربية وقضية التقدم والتأخر و مسألة الحداثة الغائبة عن الوطن العربي وهو مفكر ينتمي إلى المدرسة الألمانية في كتابة التاريخ وهي مدرسة لها منهجها الخاص في البحث يختلف عن مناهج المدارس الأخرى من فرنسية وغيرها وهذه الخصوصية المعرفية هي التي جعلته ينتقد الفكر الإصلاحي التحديثي على النمط الغربي معتبرا الفكر التحديثي النهضوي حركة ساذجة حينما اتجه روادها من العرب إلى القطع مع التراث واعتباره عبئا معطلا ومانعا من الحداثة. لقد انتقد حركة النهضة الأدبية وطالب بأن ترافقها نهضة دينية وأخرى ثقافية وسياسية. لم يقبل بالحداثة الاوروبية كما روج لها الغرب وانزاح إلى الحل التوفبقي والقبول بكل ما هو معرفة وعلم وثقافة وفصل ذلك عن النواحي المادية في الحضارة الأوروبية. وجه نقدا إلى أوروبا في كونها تدعي أنها حاملة للأنوار ولمشروع الحداثة وفي كونها قد خرجت من بربريتها في العصور الوسطى لتحتل الأوطان وتستعمر الشعوب. فكرته للالتحاق بركب الأمم المتقدمة هي أنه لا يمكن التخلي عن الجوهر والقفز نحو الآخر في محاولة تأليفية متوترة وقلقة. الاشكال الكبير الذي يظهر في مؤلفاته هو كيف يمكن للعالم العربي أن يخرج من علاقته المتوترة والمهزوزة مع الغرب وكيف يمكن أن يحسم أمر علاقة الحب والكره في الآن نفسه ؟ وكيف يمكن أن نتجنب انتكاسة أخرى في وصول الأنا العربي الإسلامي إلى الآخر الغربي المتقدم من دون وقوع صدمة حضارية أخرى كتلك التي أفشلت كل محاولات النهوض والإحياء الجديد ؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.