كأس أمم إفريقيا: برنامج مواجهات اليوم من الدور ثمن النهائي    إنتقالات: لاعب جديد يعزز صفوف الملعب التونسي    النادي البنزرتي: التركيبة الكاملة للهيئة التسييرية الجديدة    زلزال بقوة 6.2 درجات يضرب هذه المنطقة..#خبر_عاجل    تقرير لقناة تلفزة تي في يكشف عن تصرفات لحسين جنيح في المغرب "مسيئة" لصورة المنتخب    عاجل/ آخر مستجدات عمليات البحث عن الحيوان المفترس في قابس..    انطلاق العمل بتطبيقة تمكن التونسيين المقيمين باليابان من تسلم وثائق الحالة المدنية دون الرجوع الى المصالح المختصة بتونس    عاجل/ جريمة بنزرت..أول شهادة من قريبة الضحية تكشف..(فيديو)    44 يومًا وتبدأ رحلتنا مع رمضان 2026... تعرف على أول أيامه    طريقة تنظيف'' air fryer'' مثل المحترفين... بسيطة وفعّالة    عاجل : القبض على التيكتوكر ''حسحس'' بعد تورطه في غسل الأموال    10 تطبيقات تهلك batterie تاليفونك حتى وأنت ما تستعملهاش    فنزويلا.. إطلاق حملة لملاحقة المتواطئين في اختطاف القوات الأمريكية مادورو    الحماية المدنية: 559 تدخلا منها 143 للنجدة والإسعاف على الطرقات خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية    قضية جمعية «تونس أرض اللجوء»: عامان سجنًا مع تأجيل التنفيذ في حق المتهمين    عاجل-نائب يوضح: ما حقيقة الأداءات الجديدة على المحروقات داخل الجزائر؟...شنيا تأثيرها على التوانسة؟    طبرقة وجهة لتربص الفرق الأوروبية    علاش تمّت سرقة أدوية من مركز الصحة بالقيروان؟    صادم/ العثور على 5 أطفال جثث هامدة مع والدهم..وهذه التفاصيل..    عاجل/ منخفض جويّ وتقلّبات منتظرة بداية من مساء اليوم..    مواطنة تنهار عصبيًا بعد نزع باب سيارتها بالقوة ...والسبب الشنقال    عاجل/ إطلاق نار قرب القصر الرئاسي بفنزويلا..    عندك كحة ''شايحة''والا بلغم.. 6 أنواع من السعال تحدد نوع العلاج وأهم الأعراض    محرز الغنوشي: ''تتأكد اليوم التقلبات الجوية ...وهذه المناطق المعنية أكثر''    طقس الثلاثاء: تقلبات منتظرة مع انخفاض في درجات الحرارة    اليوم: تحويل جزئي لحركة المرور على مستوى مفترق المروج 1 و2... التفاصيل    الثلوج تعطل حركة النقل والسفر في بريطانيا وفرنسا وهولندا    عاجل: تعرف على المرشح الأبرز لخلافة سامي الطرابلسي    كأس أمم إفريقيا 2025: الجزائر تدخل اختبار الكونغو الديمقراطية بطموح العبور إلى ربع النهائي    فنزويلا تندد أمام الأمم المتحدة: الهجوم الأمريكي انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة    الخارجية الأمريكية تعلن نصف الكرة الغربي منطقة "نفوذ" مطلق للولايات المتحدة    تمديد استثنائي ونهائي لآجال التسجيل في الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب 2026    «تونس المزيانة» .. رحلة بصرية ومعرفية بين أحضان الطبيعة التونسية الساحرة    الكوتش وليد زليلة يكتب ... الرحمة والرفق أساس التربية النبوية    عطية وإبراهيم يوقعان على أول أهدافهما مع مصر... والفراعنة إلى ربع النهائي ورقم قياسي جديد لصلاح    جدلية الحاضر والمستقبل في رواية "مواسم الريح" للأمين السعيدي    فتح باب الاكتتاب في صندوق تعويض الأضرار الفلاحية بسبب الجفاف    بعد توقّف دام 4 سنوات: عودة المهرجان الدولي للقصور الصحراوية    الليلة: كيف سيكون الطقس؟    هل ترغب في تحسين مزاجك والتغلب على الاكتئاب؟ تناول هذه الأطعمة    منزل بورقيبة: ضغوطات وراء الجريمة ورسالة في مكان الحادثة تكشف جانبا من الخفايا    مشروع توسعة المدخل الجنوبي للعاصمة: بلاغ مروري    التضخم يتراجع إلى 5,3 بالمائة خلال سنة 2025 وفق معهد الإحصاء    للتوانسة: التمور متوفرة من المنتج للمستهلك بأسعار تبدا من 4 دنانير    قابس: تقدم موسم جني الزيتون بنسبة 56 بالمائة    عرض فيلم "سماء بلا أرض" يوم الثلاثاء 6 جانفي بحضور المخرجة أريج السحيري    بعد القطيعة مع الناخب الوطني... المكتب الجامعي ووزير الشباب والرياضة في اجتماع منتظر    المنستير تحتضن اليوم السابع للصيدلة السريرية حول "اضطرابات الدهون" نهاية جانفي الجاري    نشرة متابعة: انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة مع نزول أمطار مؤقتا رعدية    كيفاش تستعد للتقاعد مالياً ونفسياً؟    فتح باب الترشح للمشاركة في الدورة 43 من مهرجان بنزرت الدولي    مواعيد مهمة: رمضان، ليلة القدر، عيد الفطر الى يوم عرفة وعيد الاضحى    270 مؤسّسة تستفيد من البرنامج الترويجي لمركز النهوض بالصادرات    رقم معاملات قطاع التأمين في تونس يتجاوز 3 مليار دينار وسط تقدم ملحوظ للتأمين على الحياة أواخر سبتمبر 2025    اجتماع خاصّ بالاستعدادات لشهر رمضان    غدوة الأحد الدخول ''بلاش'' إلى المواقع الأثريّة والمتاحف    ليلة فلكية استثنائية: أول قمر عملاق يزين سماء 2026    نسبة اجراء اختبار الكشف عن سرطان عنق الرحم في تونس لاتتجاوز 14 إلى 16 بالمائة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد نجيب عبد الكافي يكتب لكم من مدريد: عن الأحزاب السياسية
نشر في الصريح يوم 27 - 02 - 2021

كثرت الأحزاب والتحزبات، فكثرت معها الشعارات والادعاءات، وأكثرها أكاذيب وافتراءات. كثرت بكثرتها تعريفاتها، ولعلنا نستطيع اختصارها في قولنا: " إنها جمعيات ذات غايات غير انتفاعية، تضم أشخاصا يتمنون العمل لغاية طويلة المدى، لذا فلها بالضرورة هيكلة داخلية، تضمن سيرها على قاعدة داخلية دائمة، فترمي من وراء ذلك المساهمة في إدارة الشؤون العمومية، وذلك عبر الحصول على انتساب ومساهمة أكبر عدد ممكن من المواطنين، وإلى " احتلال " السلطة، أو على الأقل الحصول على التأثير في مقرّراتها." إن الأحزاب السياسية لها ميزتان مختلفتان، وهما البحث جهارا عن الحصول على السلطة السياسية، عن طريق نوابها المنتخبين، والتعهد باستعمال تلك السلطة للصالح العام. بهذه الحوصلة المختصرة من التعريفات الكثيرة، المطولة أحيانا، لشرح مفهوم الأحزاب السياسية، نكوّن صورة، ولو تقريبية، لكنها منقوصة، تشكو عيوبا كثيرة. فأول نقد يمكن توجيهه إليها، هو عدم التعرّض للهيكلة الداخلية التي يجب أن يكون عليها الحزب، أو المنظمة السياسية، كما أغفلت مسألة انضباط الأعضاء المنتسبين للحزب، ولم تشر من قريب ولا من بعيد عن تمويل الأحزاب ومصدره، ولا عن شفافية هذا التمويل، وحق الشعب والدولة في متابعته والمحاسبة عليه. بهذا التعريف السائد، ورغم ما لاحظنا فيه من عيوب، تكون قد أدّت ما عليها، ولو صوريا، نحو الديمقراطية النيابية ومحتوياتها، الاجتماعية، مثل اجتماعية السياسة، وجلب وتجميع المواطنين، والتعبير عن تعدديتهم العقائدية، والمؤسساتية، وذلك بمراقبة السلطة التنفيذية وتقديم سياسيين آخرين ومرشحين.
طبقا لهذه المفاهيم تقريبا، نجد أن أكثرية الدول المتقدّمة ترى الأحزاب السياسية بعين الرضا والضرورة. فها هي مثلا، المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، تؤكد كم من مرة، أن " الأحزاب السياسية هي نوع من التجمّع الضروري لسير الديمقراطية سيرا حسنا." نجد كذلك الجمعية البرلمانية للمجلس الأوربي يعترف هو الآخر بأن "الأحزاب السياسية تشكّل صفة مميّزة دائمة للديمقراطيات المعاصرة، وهي عامل أساسي في المنافسة الانتخابية، وميكانيكية صلة أساسية بين المواطن والدولة." فدورها يتمثل في إدماج المجموعات والأفراد في العملية السياسية، وأن تكون آلة تقديم وتمثيل وتعبير عن مصالحهم، ووضع السلطات العمومية، من مختلف المستويات، أمام وجوب وضع سياسات وبرامج سياسية بديلة، ومحاسبة السلطة التنفيذية." نختم هذه التعريفات والشروح بتعريفنا الخاص، المبني على تجاربنا في تونس وفي أشباهها من البلدان، وما قاسيناه ونقاسيه بالأحزاب ومن أجل الأحزاب، أنها " شرّ لابد منه." فصبر جميل والله المستعان على ما تصف الأحزاب.
أما إذا قبلنا الأوصاف والتعريفات السابقة، وأردنا السير على درب من سبقنا في هذه السبيل، فعلينا أن نصدق مع أنفسنا، ونلقي نظرة موضوعية فاحصة على وضعنا وما نحن عليه، من خير وشر، ودور أو تسبب الأحزاب السياسية فيه، فنسأل: هل تنطبق كل هذه الصفات على ما وُهِبنا من عشرات الأحزاب السياسية؟ وهل التي نجحت منها فدخلت تحت قبّة مجلس النواب واحتمت بها، تعمل بالدور الذي أنيط بها حسب التعريف؟ ليس في وسعنا، إن أردنا النزاهة والعدل والموضوعية، الإدلاء بإجابة شافية تكون بمثابة الحكم لتلك الأحزاب أو عليها. فغربتنا، وبعدنا عن الوطن، وعدم معرفتنا مؤسسي تلك الأحزاب والعاملين باسمها، وعدم اطلاعنا على قوانينها التأسيسية –إن وُجدت - ، ولا على برامجها ومبادئها التي ستعمل من أجلها – إن كان لها برامج ومبادئ وأهداف غير ما يشاع ويُردّد، كل هذا وغيره يحول دون إبداء رأي صادق، موضوعي، متعقل، مبني على الواقع والحقيقة. أما ما يشاع، وينشر، ويُشتكى، فيصلنا عن طريق وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، وما نستطيع، أحيانا، النجاح في قراءته عبر بعض وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا خبرة لنا في ولوجها، فهو غير مطمئن ولا مُرض، ولا فيه ما كنا نأمل ونريد. إنّ ما يؤلمنا ويُحزننا أكثر، هو أن تونس كانت تتمتع، خارج حدودها، بسمعة أكثر من حسنة، فوضعت دائما في مقدّمة أخواتها من الدّول، مما جعل أكثر المسؤولين، في الدول الصادر عنها الإعجاب والاستحسان، يغضون النظر عن فقدان الديمقراطية الحقة فيها، واثقون من أن الديمقراطية والحريات التي تشملها، أو تتبعها، قادمة آتية لا شك في ذلك. كانت أوصاف ونعوت الاستحسان كثيرة، منها نعت لم أكن أقبله، رغم فهمي قصده وما يعنيه، فأناقش من يبديه بحضوري وأتهمه بأنه، بذلك النعت، وهو أن تونس هي أكثر دول العالم العربي والعالم الثالث " أوربّيّة" إنما يصف تونس بتنكرها وإهمالها هويتها وثقافتها، بينما القصد هو تقدّمها وتطورها، مثل أو قريبا مما عليه أوربا. أما اليوم، والحال في تونس ما هو عليه، ففي كل البلدان الأوربية، التي أفهم لغاتها على الأقل، يسود التساؤل والبحث عن تونس التي عرفوها، ويعلقون بما يزيدنا حزنا وهو قولهم: " لم تستطع هضم الديمقراطية." هل هذا صحيح؟ لماذا ومن هو المتسبّب؟ فالشعب التونسي اليوم هو شعب أمس، طموحه وحاجاته لم تتغيّر، بل زادت، وأمله في امتطاء قطار التقدم والتطور كبير، والعيب والنقص وسوء التصرف ليست من عيوبه الجماعية. فما نراه ونحزن له هو نعم، ثمرة الديمقراطية، التي، لا كما قيل لم يُحسن هضمها، بل لأن الأحزاب السياسية استغلتها، فاحتكرت فضائلها لمصالحها ومصالح باعثيها، لغاية في نفوسهم، لا لخدمة الشعب والبلاد، كما يدّعي بعضهم. ألا يحق لنا، والحال على ما هي عليه، أن نكرّر حكمنا بأن الأحزاب شرّ لابد منه؟ نعم! لكن بعد حذف النصف الأخير من نص هذا الحكم.
لقد طالت الأزمة وتشعبت، وهذا هو الهدف الأساسي الذي أراده واضعوا الدستور، إذ به يضمنون بقاءهم حيث أرادوا أطول مدّة ممكنة، فيها يستغلون ويَحْتَمون. لقد صدق الأستاذ حاتم قطران، عضو اللجنة الأممية لحقوق الطفل، عندما قال: " ...منذ الثورة، ها هم الممثلون السياسيون الجدد، وبعض الوجوه غير الجديرة بالثقة، لم يتركوا الحيطة، ويواصلون الحذر من بعضهم البعض، مما انتهى بهم إلى وضع كلّ العراقيل، حتى لا يستطيع أحدهم أن يحكم ويدير فعلا. إن موقف عدد مهم من الفاعلين السياسيين، ومن أشخاص غير جديرين بالثقة، سواء على المستوى الحكومي أو مستوى مجلس نواب الشعب، الذي يعطي، يوما بعد يوم، صورة عما تستطيع قلة الأمانة والخساسة أن تفعله من سوء للسياسة، وبتصرفه هذا، تجاه المخاطر الكبرى التي ترصد البلاد، سيكلفهم حسب كل احتمال، في الانتخابات المقبلة، أو حتى قبل ذلك، محاسبة كل رصيد."
لقد طال التلاعب والزندقة، والشعب ملّ وضجر، والبلاد انحطت وافتقرت، فقد حان أن يأخذ أحد " الثور من قرنيه " كما يقال في هذا البلد، أي أن يؤخذ الأمر بقوة وحزم، فيوقف الضالين عن ضلالهم، ويحول دون مشاغبتهم وانتهازهم، فيستأنف قطار البلاد سيره على السكة القويمة، بتوافر مجهودات الجميع، نحو مستقبل أفضل للجميع. كيف؟ ومن؟ إننا نعتقد أن رئيس الحكومة الحالي، الذي يبحث، حسب كل الظنون المستوحاة من تصرفاته، إثبات مقدرته ونواياه الإصلاحية الحسنة، بالتعاون مع من اعتبرهم حقا نواب الشعب يعملون من أجله، فأخطأ في اعتباره، فوقع في شباكهم، وها هو يعمل لفائدتهم أكثر من عمله للبلاد وشعبها. إننا لم نيأس بعد مما يستطيع إنجازه، لو أراد. فليبدأ مسرعا، في إطار حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد، بمناداة ثلاثة خبراء مختصين، فيحوروا قانون الانتخابات أو يضعوا آخر جديدا، يتناسب وأوضاع البلاد الجديدة من ديمقراطية وحريات، وأيضا من ثقافة وطباع وعادات. ويأتي بثالوث آخر من المختصين، ليضعوا قانونا جديدا يجعل الانتخابات للشعب والمواطنين، لا للأحزاب والقائمات، ثم يعرض ما تهيأ على الشعب مباشرة عبر المؤسسات المدنية جمعاء، وبعد الاتفاق على ما أعد، يعرض على المواطنين في استفتاء عام. عندها تحل الأحزاب أو تُخضع للقوانين الجديدة، فيبقى من توفرت فيه الشروط، ويحل من خالفها، وإلى قرار المواطنين عبر انتخابات حقة، يختار فيها المواطنون مرشحين، يعرفونهم بسماتهم، لا قوائم غامضة وأسماء مجهولة. هل بمقدور رئيس الحكومة الإقدام وأخذ الثور من قرنيه؟ لا أظنه قادرا وهو مكبّل في شراك. فلينسحب تاركا المكان لغيره. قد يحتاج من يقدم بحزم على مثل هذا الاقتراح، القابل طبعا لكل تعديل - خارج عن نطاق الأحزاب - التي لا هي منزلة، ولا هي واجب حتمي، فما هي إلا وسيلة من وسائل العمل الجماهيري، قد يحتاج إلى غيره لأن " اليد الواحدة لا تستطيع التصفيق " فلتمد أيدي التعاون الصادق لكل مخلص أمين. وليعمل بقول الله عز وجل: وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان."
مدريد في 13-2-2021.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.