يوم 6 أفريل القادم هو آخر أجل لخلاص معلوم الجولان لسنة 2026    سفارة الولايات المتحدة: ضمان مالي يصل إلى 15 ألف دولار لتأشيرات الأعمال والسياحة    عاجل/ ترامب يتوعد إيران ب"الرد القريب"..    تونس مسارح العالم: العرض الاسباني "كولوتشي باو" يستحضر مأساة الاستعمار الغربي لأفريقيا    اختتام فعاليات الدورة 17 من مهرجان مطماطة الدولي    الكرم : 15 سنة سجنا لمعتدى على طفل قاصر    كأس تونس لكرة السلة: تثبيت فوز شبيبة القيروان على جمعية الحمامات    من بينهم إطارين أحدهما في السلك الأمني: الاطاحة بعصابة للتنقيب عن الآثار..وهذه التفاصيل..    الدورة الأولى لمهرجان السينما الفلسطينية في تونس من 2 إلى 12 أفريل2026 والمخرج ميشيل خليفي ضيف شرف    تصفيات "أوناف" لأقل من 17 سنة: فوز ثمين للمنتخب التونسي على ليبيا    مباراة ودية - المنتخب التونسي لكرة القدم تحت 20 عاما يفوز على نظيره الموريتاني 3-0    معهد التغذية يحذّر التوانسة: هاو كيفاش تمنع من سرطان القولون    تونس تطرح مناقصة لشراء 100 ألف طن من قمح الطحين اللين    "فوتون" تتصدر المراتب الأولى بين الجيل الجديد من الشركات الآسيوية في قطاع الشاحنات المتوسطة والخفيفة في تونس    إمضاء 14 عقدا لبرامج البحث بين وزارة التعليم العالي وعدد من معاهد ومراكز البحث    رقم قياسي في استهلاك الغاز: هذا علاش صار نقص في بعض البلايص والوضع رجع طبيعي!    مهرجان Jazzit – الدورة الثانية: الكشف عن البرنامج    صادم/ فتاة ال16 سنة تروج المخدرات..!    ردّوا بالكم: تعليب الماكلة في الدار ينجم يوصل حتى للموت!    بيان من الحرس الثوري الإيراني حول تفاصيل استهداف طائرة "E-3" أمريكية و"تدميرها" (صور)    تونس تتألق عالميًا: حمزة الهمامي يتوج بذهبية الووشو كونغ فو    عاجل/ السيسي يوجه هذه الرسالة الى ترامب..    وزارة أملاك الدولة تنشر قائمة العقارات الدولية الفلاحية المعروضة للكراء بالمراكنة للشركات الأهلية    برد، تبروري، وثلوج: عودة شتوية قوية للتوانسة الّي خفّفوا اللبسة..    ترامب يتوعد إيران مجددا إذا لم تفتح مضيق هرمز    بين تونس والبرتغال... هل خسر يوسف الشرميطي الرهان؟    وزير الشؤون الاجتماعية : نعمل على إدخال تنقيحات على منظومة الكفالة تتيح للأسر التونسية رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة فاقدي السند    عاجل/ بسبب سوء الأحوال الجوية: ال"CTN" تصدر بلاغ هام وتعلن..    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    عاجل/ إسرائيل تعلن استهداف جامعة الإمام الحسين في طهران..    مفاجأة علمية: مادة بسيطة موجودة في البيض واللحم قادرة تحميك من القلق !    عاجل/ بشرى سارة للتونسيين بخصوص نسبة امتلاء السدود..    بسيطرة مطلقة: المنتخب الوطني يفرض كلمته في بطولة إفريقيا للجودو    ركبتك توجع فيك؟ : هذه حقيقة ''البرد'' اللّي يهرّي القروش    روسيا تطرد دبلوماسيا بريطانيا بتهمة التجسس    الرابطة المحترفة الاولى: روزنامة بقية جولات البطولة    عاجل: تقلّبات جوية بهذه المناطق وتحذير مهمّ لمستعملي الطريق    البنك الافريقي للتنمية ينظم الدورة العاشرة لسوق الطاقة الأفريقية يومي 8 و9 أفريل 2026، بالغابون    إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات المشاركة في العمليات ضد إيران    منشور للبنك المركزي يحد من التمويل : شنوا تأثيروا على أسعار الكراهب ؟    وزير الشؤون الدينية يفتتح الملتقى التكويني لمؤطري الحجيج التونسيين استعدادا لموسم حج 1447ه/2026م    عاجل: القيروان... يطلق النار على زوجة والده بسبب الميراث... تفاصيل صادمة    تأجيل محاكمة والي منوبة الأسبق أحمد السماوي في قضية فساد    البنك المركزي يوقف تمويل بعض السلع... شنوا يعنيلك هذا كمواطن؟    بنزرت: إنقاذ كهل بعد سقوطه في البحر والبحث متواصل عن مرافقه    خطير/ كلاب سائبة تنهش سيّدة بكورنيش حمام الأنف..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    كأس تونس: برنامج مقابلات الدور ثمن النهائي    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    الشيخ محجوب المحجوبي: هذي العادة في المقبرة غلط والدين يقول غيرها    جائزة أفضل مخرج لفيلم صوفيا بمهرجان مانشستر السينمائي الدولي    احسن دعاء للميت    بشرى سارة لمرضى السكري.. وداعاً للحقن اليومية..    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البشير بن سلامة ل«التونسية» :تونس مهدّدة بأميّة ثقافية وب«قانون القطيع»
نشر في التونسية يوم 20 - 12 - 2014

رفضت طلبا من بن علي للانضمام إلى عضوية مجلس المستشارين
سأقبل منصب وزير الثقافة إذا تبنّت الحكومة القادمة مشروعي الثقافي
الحكومات العربية ترفض برلمانا للمثقفين
حاوره: عبد السلام لصيلع
كشف الاستاذ البشير بن سلامة وزير الثقافة الأسبق من 1981 إلى 1986 في حوار «التونسية» معه انّه سيقبل منصب وزير الثقافة من جديد في الحكومة القادمة أو في أيّة حكومة شريطة أن تتبنّى مشروعه الثقافي وتوفّر له الصلاحيات الكفيلة بتطبيق المشروع.
كما تتطرق للمخاطر التي تهدّد تونس ومستقبلها ومنها الأمية الثقافية وما يسميه «قانون القطيع» ودعا إلى ضرورة الإبقاء على الطابع الحداثي للدولة التونسية بالإضافة إلى مواضيع هامّة أخرى.
كيف تصف هذا الظّرف الذي تعيشه تونس على مختلف الأصعدة؟
بعد زوال نظام بن علي في الظروف المعروفة التي يتباين في وصفها وتفسيرها سواء السياسيون أو المحللون للشأن السياسي أو المثقفون أو عامة الناس فإن وجود الدولة التونسية بمؤسساتها العريقة لم يترك مجالا لأي فراغ في الحكم . ولكن ذلك لم يكن إلاّ وقتيا . وهي الفترة التي عاشها التونسيون قبل انتخاب مجلس نواب الشعب أخيرا. فكان مجلس تأسيسي لا يمكن أن يوصف إلاّ بالمؤقت لأن مهمته تقتصر على إصدار دستور الجمهورية الثانية ، وكانت رئاسة للدولة مؤقتة أيضا وحكومات مؤقتة . وهذا كلّه وإن ملأ فراغا في الحكم بعد سقوط نظام بن علي فإنّه لم يحلّ مشاكل البلاد المتراكمة إقتصاديا واجتماعيا وثقافيا . علاوة على أنّ المناخ العام المترتّب عن ثورة الشعب مناداة بالحريّة والكرامة والشغل والعدالة الإجتماعية لم يفرز قيادة نابعة عن هذه الثورة بل أحدث فراغا في الحكم كان من الطبيعي أن تملأه القوى الموجودة في الساحة سواء كانت أحزابا أو منظّمات تابعة للمجتمع المدني التي قاومت نظام بن علي .
عرفت الثقافة وعرف المثقفون في تونس في السنوات الماضية تغييبا وتهميشا واضحين، وحسب رأيك على ماذا يدل ذلك ومن المسؤول عنه ؟
الفراغ الذي عرفته الثقافة وعرفه المثقفون سببه سياسة مقصودة صادرة عن نظام بن علي وعن حكم « الترويكا». ذلك أنه يجب ألاّ ننسى أنّ بن علي أحدث ما أسمّيه التصحّر الثقافي. فلقد عمد إلى تجميد المؤسسات الثقافية ٬ اذكر البعض منها : ففي ميدان النشر أغلق الشركة التونسية للتوزيع حتى أصبحت خرابا سرقت منها الكتب وباتت تباع على قارعة الطريق وهي اليوم تنتظر أن ينصّب فيها «النصّابة» كما أشيع . وكذلك كتبها . كما حجبت ثلاث مجلاّت : مجلّة «الشعر» ومجلّة «فضاءات مسرحية » ومجلّة «فنون». وهذه الأخيرة عادت وصدر منها عدد ، ولمّا طالبت بأن يوضع في صدر المجلة أنّني المؤسس حجبت مرّة أخرى . وتعلّلت بأن مجلة « الحياة الثقافية» مازالت إلى اليوم تحمل اسم مؤسسها محمود المسعدي.
أمّا المسرح الوطني فلقد جمّد طوال أكثر من عقدين وطرد منه المسرحيون وجمد المجلس العلمي ل بيت الحكمة وألغيت كل الأقسام من تحقيق وترجمة وابداع ومعها مشاريع رائدة.
وفي ميدان السينما تم حلّ الشركة التونسية للانتاج السينمائي وحلّت محلها قناة «آفاق» المرتبطة بقناة فرنسية ووراءها الربح الوفير لا للدولة ولكن لبعض الخوّاص. وأفتكّ مركز الفنّ الحيّ بالبلفيدير ليجد ملجأ في مكان أقلّ شأنا.
وتقلّصت العناية بدور الثقافة والمكتبات وصار عدد منها خرابا وتحوّل إلى أماكن لبيع «الكسكروت» وغيره . وأغلق العديد من دور السينما. و القائمة طويلة . ولكن إلى جانب ذلك تفاقمت البناءات التي من ورائها صفقات يتم ابتزاز اعتماداتها والمثال الصارخ مدينة الثقافة التي بقيت إلى اليوم تبتلع الأموال الطائلة وهي غير تامة.
أمّا خلال حكم « الترويكا» فإن السياسة المتبعة في ميدان الثقافة كانت تقليص ميزانية وزارة الثقافة لتهذب الاعتمادات إلى وزارة الشؤون الدينية لأن السياسة المتبعة في هذا الميدان هي تغيير نمط الحياة وظهر ذلك في مهاجمة « العبدليّة» وبعض الجامعات ومحاصرة التلفزة الوطنية والسيّطرة على وسائل إعلام لتخدم التطرف الديني وغير ذلك ممّا يطول شرحه .
في أيّ اتجاه يسير مستقبل تونس؟
رغم المحاولات التي قامت بها « الترويكا» لتغيير مسار تونس الحديثة فإنّ المجتمع المدني ومؤسسات تونس الحديثة التي بنتها دولة الاستقلال وقفت في وجه من أراد تغيير وجهة البلاد . لذا جاء الدستور متماشيا مع النمط الحداثي . كما أنّ قوى التطرّف والتشدّد الديني عجزت عن التأثير في المسار الديمقراطي سلبيا وتمّ تنظيم العديد من الانتخابات على النسق الذي أرادته المنظومة الديمقراطية. وهي ماضية اليوم في الوقوف ضدّ من يريد النكوص على الأعقاب.
بالنسبة إليك ما هي المخاطر التي تهدد المسار الديمقراطي ؟ وكيف بقع التغلّب عليها وتجاوزها؟
هذه المخاطر عديدة .وأوّلها ما اسميه ب« الأميّة الثقافية». وهي أخطرها وهي الباب الذي تنفذ منه كلّ الشرور المنافية للديمقراطية . لقد قلت في المشروع الثقافي الذي نشرته أخيرا بجريدة « الصريح» إنّ الاشكالات التي فوّتت على الشعب فرصا عديدة لتحقيق توازنه بصفة عامة أثناء خوضه منجزات مخطّطاته التنموية المتعدّدة بعد الاستقلال لا تعدو أن تكون ،في رأيي ، إلاّ ثقافية بالأساس . وستبقى مطروحة طالما ظلّت قوى المجتمع الحيّة كلّها غير مؤمنة « بأنه ليس هناك من وعي وطني وسياسي بلا وعي ثقافي» كما قال أحد العلماء ،وغير واعية بما جاء في حدّه الأدنى ، في إعلان حقوق الانسان من أنه « لكلّ شخص حقّ المشاركة في الحياة الثقافية العامة وفي التمتّع بالفنون وفي التقدّم العلمي ومكاسبه وفي حماية النتاج العلمي والأدبي والفني».وفي الميدان السياسي لا بدّ من مرجعية ثقافية، كما أكّد ذلك مالك بن نبيّ عندما كتب : « السياسة عندما تمارس بدون مرجعية ثقافية تتحوّل إلى مجرّد عنتريات ولغو نضاليّ».
وبما أنّ غرض السياسة الأول والأخير في مفهومها الحداثي هو ضمان العيش الكريم للمواطن في ظلّ الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات فإنّها تقتضي أن تكون هناك مواطنة حقيقية تنبني أساسا على القيم الثقافية، وتعمل جاهدة على تجسيم البعد الثقافي في صلب التنمية الشاملة حسب ضوابط عملية.
ذلك أنه قد يذهب في ظنّ الكثيرين انّ انتشار التعليم الماحي للأمية ، أي المعمّم للقراءة والكتابة ، وكذلك المانح للشهائد العلمية على اختلاف احتصاصاتها هو الضامن وحده لانتفاء الأمية الثقافية ، بينما يقتصر ذلك في الواقع على محو الأمية الثقافية بينما يقتصر ذلك على محو الأمية التعليمية فقط ولم يكن الشاعر والكاتب الفرنسي بول فاليري إلاّ على حقّ عندما قال: « لا أتردّد في القول بأن الشهادة العلمية هي عدوّة الثقافة». ولذلك نجد أنّ جلّ الاسلاميين المتطرفين وجدوا ملجأ في المعاهد والكليات العلمية لأن الجانب الفكري والأدبي والفلسفي العقلاني المرن لا يجد في الغالب ، إلاّ من فاز بنفسه، مناخا ملائما لتجاذب الأفكار في غير الاختصاص العلمي حتى يقيهم من التزمّت والغلو في الدين والتشدّد فيه، ويحميهم من التعصّب المقيت ، والتطرف البدائي . وإذا كانت الشهائد العلمية لاتمحو وحدها الأمية الثقافية فإن أمّة عاشت احقابا وهي تشهد موت ثقافتها ودخولها في الجمود الفكري المتواصل يضاعف من هذه الأمية، ويطبع بها المجتمع بطابع وعقليّة يصعب تغييرهما بسهولة.
وحسب أحدث البحوث في هذا الباب فإن الأمية الثقافية تعني افتقاد المرونة فكرا وممارسة في التعامل مع الذات ومع الآخر، مع الماضي الموروث، ومع الحاضر ومستجداته ، مع مفردات الحضارة ومنجزاتها .
هي إذن التحجّر الفكري والعقائدي والتزمّت الدّيني والقومي والأيديلوجي والمذهبي، وضيق الأفق بكافة أشكاله ، والتعصّب الأعمى لهذا الطرف دون سواه وسمّاها بعضهم الجاهليّة الأولى . ويصحب ذلك تقمّص ضرب من الشحّ في التألق في مجال الممارسة الثقافية، إضافة إلى ظاهرة لافتة للنظر تتمثّل في السلوك المشين المنافي لمنطق كلمة ثقافة أساسا ، وأشدّه سوءا، وأضرّه بالذات والآخر، بالمجتمع والانسانية قاطبة هو اللجوء إلى العنف، ولو كان القصد منه الإصلاح والنّهي عن المنكر ، وما شابه ذلك من الاستنباطات التي هي في ظاهرها حقّ ولكنّ باطنها باطل.قال ليون تولستوي:«كلّ إصلاح فرض بالعنف لن يصحّح أبدا سيئا . فالحكمة ليست في حاجة إلى العنف».
إذن، أكبر المخاطر يكمن في خلوّ أيّ برنامج سياسي من مرجعية ثقافية واضحة المعالم والرؤية، وفي هذا السياق يمكن لي القول على غرار العديد من علماء الاجتماع إنّ مجتمعات العالم الثالث الهشّة والتي إنهار فيها سلّم القيم معرّضة إلى خطر عظيم إذا هي تلقفتها تيّارات عديدة حالمة جملة من القيم ، هذه تجذب إلى متاهات المستقبل دافعة إلى القفز في غمرة تقدّم غير ثابت الأركان ، وتلك تجرّ إلى مجاهل ماض تاه فيه الكثيرون فأحدثت فوضى غريبة في العقول ، وصارت في الواقع حافزا للكسب المادي فقط بما فيها الوصول إلى الحكم بشتى الطرق وركوب مطايا متعدّدة.
وهكذا عندما ينهار سلّم القيم بهذه الصورة ويختلط الحابل بالنّابل يحدث ما تحدث عنه الكاتب الفرنسي تان ( 18281893 ) قائلا :« إنّ القطيع البشري إذا ترك وشأنه ورجع فجأة إلى وضع قريب من الطبيعة فإنه لا يقدر إلاّ على التحرك والتصادم بعضه ببعض حتى تسيطر عليه القوة المحض كما هو الشأن في عصور التوحّش ثم سرعان ما يبرز من خلال الغبار والصراخ ، سائق عسكري يكون عادة جزارا. في مجال التاريخ من الأحسن توخي المواصلة عوض العودة إلى البدء» . أليس في هذه القولة عبرة لذوي الابصار في خضّم ما تخوضه البلاد اليوم من معارك ما أتى الله بها من سلطان العابد الجابرزي هذه المظاهر إلى نمط من التعليم رائج في مجتمعات العالم الثالث، وبالخصوص في العالم العربي :« إنّ نمط التعليم السائد اليوم في البلاد العربية هو أمّ ضرب من التعليم التكنولوجي مقطوع عن كل تفكير يتعلق بالمعنى ومآله تكوين يعمل بصورة آلية ودعمائية وإمّا هو تعليم غارق في عالم أسطروي مؤثر أساسه حشو الأدمغة، ونتيجته تكوين عقول جامدة . وبكون القاسم المشترك لهذين النوعين من التعليم غياب التساؤل النقدي أي ذلك السؤال المتمثل في : لماذا وكيف؟ الذي يبقى غير مطروح».
وهكذا فإّه الخطر الذي يهدّد بلدنا إنّما هو الاستسلام إلى «قانون القطرة » عندما يتحكم في أو بالعقلية النحلية والعدد ، وأو بالمال، العرقيّة أو الجهوية التي تستند إلى النزعة العرقية أو الجهوية أو القبلية، إو الأبوتية أو النرسجية المدمّرة ، أو التهالك، عن غير وعي على الموت من أجل الموت . مرها في الحياة وهو ما نشهده في العديد من ال بلدان العالم الثالث وخصوصا في العالم العربي من الإهاب إلاّ نتيجة لهذا .
أمّا كيف يقع التغلب على هذه المخاطر وتجاوزها فذلك يتوقف في الواقع على البرامج التي ستقترحها الحكومة القادمة وغايتها هي الإبقاء على الطابع الحداثي للدولة.
يعتبر كثيرون أنك كنت أحسن وزير ثقافة في تاريخ تونس. إذا عرضت عليك الوزارة من جديد في الحكومة القادمة هل تقبلها؟ ولماذا؟
الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى شيء من الإطناب. ذلك أن الذي يهمني ليس الجري وراء الوزارة. فلو كان غرضي ذلك لما استقلت من الحزب الذي كنت من بين مؤسسيه بعد الثورة وهو الحزب الحرّ الدستوري الديمقراطي وكنت نائب الرئيس. وفي اعتقادي أن الوزارة مرغوب فيها إذا كان لصاحبها برنامج مضبوط وقدرة على تطبيقه في ظروف مواتية. أما الوزارة من أجل الكرسي فقط فهو أمر مشين. ولكن لو تبنت حكومة ما مشروعي الثقافي الذي نشرت خطوطه العامة وحيّنته أخيرا في صورته التطبيقية والإجرائية وسأنشره في الوقت المناسب فلا أرى مانعا من قبول المنصب إذا توفرت لي الصلاحيات الكفيلة بتطبيق المشروع، والا فإني أخيّر مواصلة الكتابة.
ماهي أبرز عناصر مشروعك الثقافي؟
في المشروع شرح مستفيض لمفهوم القيم والحقوق الثقافية التي بقيت عند الكثيرين غامضة ولكنها هي الرّكيزة الأساسية في ما تقوم به منظمة اليونسكو من إجراءات لترسيخ هذا المفهوم في الأذهان لأنه الركيزة الأساسية التي تقوم عليها التنمية الشاملة سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية. ولهذا اقتراحي هو اقناع أصحاب القرار في تونس مثلا بتنقيح الدّستور وتضمين هذا المفهوم في بنوده... وثانيا وحرصا على النجاعة يحصل احداث وزارة دولة للقيم والحقوق الثقافية في رئاسة الحكومة، مهمتها تحسيس المسؤولين في الادارة والمؤسسات بهذا المفهوم. وثالثا، إحداث وكالة لتشجيع الاستثمارات الثقافية (APIC) مهمتها ايجاد الاطار القانوني لحث رؤوس الأموال على الاستثمار في الصناعات الثقافية وكلّ ما يتعلق باقتصاد الثقافة. وبطبيعة الحال لابد من القيام بكل الاجراءات للتعريف عالميا بالمنجزات الثقافية.
ماهو مصير اقتراحك الذي دعوّت فيه الى تشكيل برلمان للمثقفين العرب؟
مقترح برلمان المثقفين له في الواقع تاريخ طويل. ان هذا المقترح كان سيطرح في أول قمّة عربية مخصّصة للثقافة دعت اليها حكومة المرحوم محمد مزالي مع منظمة الألكسو وكنت وزيرا للثقافة آنذاك. ولكن باسقاط حكومة مزالي في جويلية 1986 تم التخلي عن عقد هذه القمة الثقافية.
ويظهر أن الحكومات العربية غير راغبة في عقدها بما في ذلك حكومات بن علي المتعاقبة فيما بعد. والدليل على ذلك أنه لا أحد يفكر فيها الآن، بينما الفكرة تبناها بصورة من الصور المرحوم محيي الدين صابر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) آنذاك التي مقرها تونس، وكانت هذه المنظمة قد أعدت خطّة شاملة للثقافة العربية في أربعة مجلّدات بسعي من المرحوم عبد العزيز حسين الوزير الكويتي، وقد أقرها مؤتمر وزراء الثقافة العرب في نوفمير 1985 بتونس وكان ذلك بدعوة منّي كوزير للثقافة في حكومة محمد مزالي. ولما خرجت من الوزارة بمناسبة انعقاد مؤتمر وزراء الثقافة العرب بالمغرب الشقيق سنة 1989 كلفني المدير العام للألكسو محيي الدين صابر آنذاك باعداد تصور عملي للخطة الثقافية العربية، فكتبته في أربعين صفحة ولكنّني منعت من حضور المؤتمر بالمغرب. وقدم العمل باسم المنظمة ووافق عليه وزراء الثقافة العرب ولكنه لم يبق لأسباب يطول شرحها.
وجدت نفسي في تلك الفترة محاصرا أثناء حكم بن علي لرفضي طلباته في التعاون معه ومنها قبول ضمّي كعضو الى مجلس المستشارين وقد احتجبت بعد مجلة «الفكر» التي كنت رئيس تحريرها طوال واحد وثلاثين سنة. فانصرفت الى الكتابة ومن بين المواضيع التي كنت أرددها للتشويش على بن علي، وكان أكره ما يكرهه هو الحديث عن الثقافة، هو موضوع برلمان المثقفين. فكانت لي مقالات ومحاضرات ولقاءات في تونس وفي البلدان العربية وبالخصوص مصر ولبنان وسوريا لبسط الموضوع ولكن لا حياة لمن تنادي حتى وجدت الفكرة قبولا في فرنسا فتكوّن البرلمان الأوروبي للمثقفين وشارك فيه من تونس الكاتب والمحلل النفساني فتحي بن سلامة وعبد الباسط بن حسن مدير المعهد العربي لحقوق الإنسان، لكن هذا البرلمان بقي عشر سنوات يعاني من قلة الدعم وعدم التأييد في أوروبا المنشغلة بأمور أخرى حتى تقلد نيكولا ساركوزي رئاسة الجمهورية الفرنسية فانحلت هذه النواة البرلمانية وراحت في خبر كان. والآن، وفي خضم هذا المناخ الذي يهدد الدول الوطنية العربية في أجواء التشدد والارهاب هل من سبيل الى الحديث عن الثقافة وعن برلمان للمثقفين والحال أن ما يقع في العالم العربي هو نتيجة للأميّة الثقافية أساسا.
نلاحظ تراجعا مخيفا للغة العربية والتعريب في تونس، ماهي أسباب ذلك؟
الجواب عن هذا السؤال سيأخذ حيزا كبيرا في هذا الحوار وهذا ليس ممكنا في هذه الفسحة الضيقة من الجريدة. ولقد بحثت في هذا الموضوع في كتبي العديدة سواء «الشخصية التونسية ومقوماتها» أو «نظرية التطعيم الايقاعي» أو غيرهما من الأعداد الخاصة من مجلة «الفكر» وأعتقد أن ما جاء في الدستور الجديد أخيرا من أن اللغة العربية ركن من أركان النظام الجمهوري يوجب على الحكومات الانكباب على هذا الموضوع بجد في نطاق ما تصرح به الأحزاب من وجوب اصلاح التعليم وما ذكرته عن العابد الجابري في خصوص التعليم يمكن أن يكون منطلقا للبحث في الموضوع.
ماهو كتابك القادم؟
انتهيت الآن من كتابة الجزء الثاني من سيرتي الذاتية (عابرة هي الأيام) الذي سأسلمه للناشر قريبا. وهي خلافا للجزء الأول الذي اقتصر على سيرتي السياسية (في مهب رياح السياسة) تبسيط ما يتعلق بالنشأة والتكوين والجذور. وسأشرع في كتابة الجزء الثالث من هذه السيرة ان بقيت في العمر بقية، وهو محاولة تأليفية لمسيرتي الثقافية المرتبطة بالخصوص بالفكر واللغة والأدب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.