بقلم: الأستاذ محمود داوود يعقوب (المستشار القانوني لجمعية كرامة وحرية)
7 - خرق قاعدة «القاضي الطبيعي» والتمييز بين متهمين بذات الجرائم: إن القوانين التي يضعها المشرّع – مهما كان سموها – لن تبلغ الغرض من سَنّها إلا إذا توفر على إعمالها قضاء مستقل يفرض سلطانه على الناس كافة دون أي تمييز. وحق الإنسان في اللجوء إلى القاضي الطبيعي حق أصيل يرتبط بصفة الإنسانية وهو من المبادئ الأصولية العليا، بل لعله المبدأ الأول الذي يهيمن على كل نظام قضائي أيا كانت فلسفة هذا النظام إذ يؤدي بالضرورة إلى أن لكل فرد الحق بأن يقاضى أمام قاضيه الطبيعي ،وإلا يجبر على المثول أمام غير هذا القاضي ، وفكرة القاضي الطبيعي قديمة حديثة اقتضاها مبدأ الفصل بين السلطات أي استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية والتنفيذية، فكل تدخل من أي من هاتين السلطتين في اختصاص القاضي بمناسبة دعوى معينة، يعد اعتداء على سلطة القضاء. ويأتي هذا التدخل في شكل انتزاع دعوى من قاضيها الطبيعي طبقا لإحكام القانون الذي حدد اختصاصه، أي ولايته وجعلها من اختصاص قاضي آخر، ويعد هذا الانتزاع المفتعل للولاية، أو الإضفاء المصطنع للاختصاص، مساسا باستقلال القاضي صاحب الاختصاص الأصيل، بل يتضمن عدوانا على استقلال وحياد القاضي الأخر الذي أصبحت الدعوى من اختصاصه بطريق الافتعال. وكل ما تقدم يعد تدخلا في شؤون القضاء، لما يؤدي إلى تنحية القاضي عن دعواه، وتخصيص قاض بالذات لنظر الدعوى، لذلك فان مبدأ القاضي الطبيعي مكمل لمبدإ استقلال القضاء، ويعد أيضا نتيجة حتمية لمبدإ المساواة أمام القضاء التي تأبى إلا أن يتساوى الناس أمام قضاء واحد هو القاضي الطبيعي المنوط به – بحسب الأصل – تأدية العدالة، والفصل فيما ينشأ من منازعات أمام المحاكم العادية غير الاستثنائية سواء بين الأفراد بعضا أم بين الأفراد والدولة . ومما سبق يتضح أن حق الفرد باللجوء إلى القاضي الطبيعي يعد ناقصا في حالة مثول الفرد أمام محاكم استثنائية تتميز جرائم المتهمين بها بطابع خاص، وهو ما يستوجب ضرورة عدم إنشاء محاكم استثنائية، والاحتكام إلى القضاء العام المختص بجميع الجرائم ويشمل اختصاصه كل المتهمين. وانطلاقا من مبدإ استقلال القضاء وحياده، يمكننا أن نستخلص عناصر القضاء الطبيعي وهي: o أن تكون المحكمة مشكّلة بموجب قانون و ليست مشكلة من السلطة التنفيذية. o أن تكون المحكمة موجودة و مؤسسة قبل ارتكاب الجريمة لكي يمكن الاطمئنان إلى استقلالها و حياديتها. o ان تكون المحكمة دائمة أي غير استثنائية أو غير مرتبطة بظروف و أحوال معينة. o أن تتوافر لقضاة المحكمة الضمانات اللازمة. وبالرجوع إلى قانون العدالة الانتقالية يلاحظ انه نص في فصله السابع على: « المساءلة والمحاسبة من اختصاص الهيئات والسلطات القضائية والإدارية حسب التشريعات الجاري بها العمل». وهذا تكريس صريح للقاضي الطبيعي، ولكن الصدمة ستأتي مباشرة من الفصل الذي يليه وهو الفصل 8 الذي ينص على: «تحدث بأوامر دوائر قضائية متخصصة بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف تتكون من قضاة، يقع اختيارهم من بين من لم يشاركوا في محاكمات ذات صبغة سياسية،...». ومن الثابت أن هذه الهيئات القضائية الاستثنائية (ولا أقول الخاصة) لا تتوفر فيها عناصر القاضي الطبيعي، فهي تشكل من السلطة التنفيذية، ولها صبغة مؤقتة وأحدثت للنظر في جرائم سابقة، كما أنها لا تحترم مبدأ المساواة فيما يتعلق بجرائم تزوير الانتخابات والفساد المالي والاعتداء على المال العام والدفع إلى الهجرة الاضطرارية لأسباب سياسية، إذ إنها لا تنظر إلا في الجرائم التي تحيلها عليها هيئة الحقيقة والكرامة. كما أنّ القانون صمت تماما عن ذكر طرق الطعن في الأحكام التي ستصدرها تلك الدوائر، فهل أحكامها نهائية أم ابتدائية الدرجة قابلة للطعن فيها بالاستئناف و التعقيب؟ وإن كان باب الطعن مفتوحا فهل يعقل أن يقع الطعن في قرارات دوائر قضائية وصفت بأنها «متخصصة» أمام محاكم أعلى غير مختصة؟ إن غياب تنظيم قضائي هرمي متكامل مكلف بالعدالة الانتقالية سيؤدي إلى انعدام جدوى من أحداث دوائر قضائية وصفت بأنها «متخصصة» ونؤكد أنها خاصة استثنائية. وعلاوة عما سبق فكيف سنوفق بين أحكام الفصلين 7 و8؟ أي متى تبقى القضية من اختصاص القضاء الطبيعي ومتى تصبح من اختصاص القضاء الاستثنائي؟ يبدو أنه يجب انتظار ان تضع الهيئة الأدلة الإجرائية المبسطة لسير أعمالها في كافة مجالات اختصاصها، وهذا بدوره خرق جديد فالإجراءات هي من الاختصاص الحصري للقانون. 8 - تكريس الطابع الذاتي للمصالحة و انعدام جدواها: يعرف الفصل الأول من القانون العدالة الانتقالية بأنها: «العدالة الانتقالية على معنى هذا القانون هي مسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وجبر ضرر الضحايا وردّ الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان». كما يضيف الفصل 15: «تهدف المصالحة لتعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولة القانون وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة». وهو ما يستفاد منه أن من غايات هذا القانون تحقيق المصالحة الوطنية وحفظ وتوثيق الذاكرة الجماعية، وهي أمور تتجاوز المصالح الخاصة لتحقق المصلحة العامة، فالعدالة الانتقالية لا يجب ان تكون رهينة قرارات فردية، بل هي منظومة وطنية جماعية، وعليه فمن المفترض ان يكون الطابع الوطني الجماعي هو أساس المساءلة والمحاسبة والمصالحة والمصارحة. لكن بالرجوع إلى القانون نجد وان المصالحة تبقى رهينة إرادة الضحية: الفصل 2: «كشف حقيقة الانتهاكات حق يكفله القانون لكل المواطنين مع مراعاة مصلحة الضحايا وكرامتهم ودون المساس بحماية المعطيات الشخصية». الفصل 45: «تحدث لجنة للتحكيم والمصالحة صلب الهيئة يعهد إليها النظر والبت في ملفات الانتهاكات على معنى هذا القانون بعد الحصول على موافقة الضحية...». الفصل 46: «تتعهد لجنة التحكيم والمصالحة بناء على اتفاقية تحكيم ومصالحة: - بطلب من الضحية بما في ذلك الدولة المتضررة ، - بطلب من المنسوب إليه الانتهاك شرط موافقة الضحية، - بموافقة الدولة في حالات الفساد المالي إذا تعلق الملف بأموال عمومية أو أموال مؤسسات تساهم الدولة في رأسمالها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة» فالمستفاد من جملة هذه الفصول ان المصالحة شأن خاص بالضحية وليس قضية وطنية، وهذا الطابع الذاتي للمصالحة يهدم أحد أسس العدالة الانتقالية ويعطيها طابعا انتقاميا ثأريا، فالضحية هو المتحكم في قرار المصالحة لا المصلحة الوطنية، وهو ما يمكن ان يترك عجلة الانتقام دائرة، فالثأر لا يولد إلّا الرغبة في الثأر، والانتقام هوة لا قاع لها. وعلاوة عما سبق فإن القانون بعد أن منح «هيئة الحقيقة والكرامة» واللجان المتفرعة عنها سلطة فوق كل السلط، نص في الفصل 50 على أنه: « يتم إكساء القرار التحكيمي بالصبغة التنفيذية بعد إمضائه من الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس في أجل أقصاه ثلاثة أيام من تاريخ إيداعه لديه»!!!. فلماذا تخلت الهيئة عن عليائها في هذه النقطة فقط؟ وعلى فرض أن «اتفاقية التحكيم والمصالحة» تمت فعلا فماذا ينتج عنها؟ المنطق القانوني يقضي بأن الصلح «عقد وضع لرفع النزاع وقطع الخصومة» كما أنه « لا رجوع في الصلح بالوساطة في المادة الجزائية ولو باتفاق الأطراف»، أما اتفاقية التحكيم والمصالحة في قانون العدالة الانتقالية فهي: « لا تعني الإفلات من العقاب وعدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات» (الفصل15)، كما أنها: «وفي حالات الانتهاكات الجسيمة لا يحول قرار اللجنة (أي لجنة التحكيم والمصالحة) دون مساءلة مرتكبي الانتهاكات على أن يؤخذ قرارها بعين الاعتبار عند تقدير العقاب»(الفصل45). فهل هو اتفاق صلح فعلا؟ أم مجرد اتفاق لتخفيف العقاب؟؟؟ ولو أردنا التوسع في الحديث عن «اتفاقية التحكيم والمصالحة» فسنقول فيها اكثر مما قاله الامام مالك في الخمر، لهذا أثرنا تركها لوقت لاحق. 9 - ربط الصلح بالتخلي المسبق عن حق التقاضي نصت المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه «لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون». كما نصّت المادّة الثانية فقرة ثالثة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن «كل فرد من حقه الالتجاء للأجهزة القضائية...» و نصت المادة الثامنة على أنه «تتعهد كلّ الأطراف في هذا العهد بأن تكفل توفير سبيل فعّال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه وحرياته المعترف بها في هذا العهد». ونذكر أيضا أن المادة السادسة من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الصادرة في 22/12/1965 نصت على أن: «تكفل الدول الأطراف لكل إنسان داخل في ولايتها حق الرجوع إلى المحاكم الوطنية وغيرها من مؤسسات الدولة المختصة لحماية ورفع الحيف عنه على نحو فعّال وكذلك حقّ الرجوع إلى المحاكم المذكورة التماسا لتعويض عادل مناسب أو ترضية عادلة مناسبة من أي ضرر لحقه كنتيجة لهذا التمييز». ورغم ان تونس صادقت على المواثيق السابقة الذكر وغيرها من المواثيق الإقليمية المكرسة لحق التقاضي فهناك خرق صارخ لهذا الحق في قانون العدالة الانتقالية، إذ ينص الفصل 46 فقرة أخيرة على أنه: «يقع التنصيص بالمطالب وجوبا على القبول بالقرار التحكيمي واعتباره قرارا نهائيا غير قابل لأي وجه من أوجه الطعن أو الإبطال أو دعوى تجاوز السلطة». أي أن أطراف المصالحة سيتخلون مسبقا عن حقهم في الطعن بالقرار التحكيمي، وهو ما يشكل انتهاكا لحق أساسي. 10 - غموض حماية الحق في الخصوصية والمعطيات الشخصية: ينص الفصل 47 على أنه: «لا يجوز لأطراف النزاع التحكيمي الامتناع عن المشاركة في جلسات الاستماع العمومية إذا طلبت الهيئة ذلك وتعلق إجراءات المصالحة في صورة عدم الالتزام بأحكام هذا الفصل»، وهو ما يعني بكل بساطة ان التمسك بالحق في الخصوصية سيؤدي الى الحرمان من إمكانية المصالحة، لهذا فإن الفصل 47 يتعارض مع أحكام الفصل 2 من نفس القانون الذي ينص على أن: «كشف حقيقة الانتهاكات حق يكفله القانون لكل المواطنين مع مراعاة مصلحة الضحايا وكرامتهم ودون المساس بحماية المعطيات الشخصية». فالفصل 2 يمنح للاطراف حق حماية خصوصيتهم ثم يأتي الفصل 47 ليجبرهم على كشف خصوصيتهم للعموم. وربما يخفف من هذا التناقض ما جاء في الفصل 53: «تتكفل الهيئة بتحديد إجراءات تنظيم وسير جلسات الاستماع مع احترام خصوصيات الضحايا وخاصة النساء والأطفال والفئات ذات الاحتياجات الخاصة والفئات الهشة وكذلك المسؤولين عن الانتهاكات وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية». ويبدو أنه كان من الأنسب رفعا لكل التباس وتجاوز لأي غموض إضافة العبارات التالية لمطلع الفصل 47 «دون الإخلال بأحكام الفصلين 2 و 53 من هذا القانون لا يجوز... بقية النص كما هي». يتبع