أبو مازن اعترافات برهان كانت معلومة من السياسة بالضرورة لكلّ من عاش انطلاق المرحلة التأسيسية وما أفضت إليه انتخابات سنة إحدى عشر و ألفين. فاعترافاته التي جاءت متأخرة و دون براهين دلّت عن ترابط الثورة المضادة و المرتدّين "النوفمبريين" واتحاد الاضرابات ساعة تاق عموم التونسيين إلى تعبير حقيقي عن الرأي الحر واختيار نظام بديل لنظام المافيات رغم غضاضة غصنه و قلة معرفته بما يدور داخل القاعات المظلمة وما يحاك وقتها لتقزيم تكلفة الثورة و عودة النظام المافيوزي في أسرع وقت. شبّه برهان في حديثه النقابيين بالجنود ثم طلب منهم العودة إلى ثكنات الاتحاد في محاولة لشيطنة هذا الصرح العتيد الذي بناه حشاد وخاض حرب التحرير وشارك في أغلب ردهات الحياة السياسية والاجتماعية التونسية وهذا يحسب إيجابا في خانة الاتحاد يوم غابت الأحزاب وانفردت الديكتاتورية بالشعب فنالت من قوته ومن دمه ومرغت أنفه بالتراب ثم صادرت الحريات و الأنفاس وعلمت القوم التطبيل والتصفيق فصار يسوس البلاد المتملق والقواد و المتمسح بأعتاب البطانة في العهدين البائدين حتى جاءت الثورة لبعثرة الأوراق. اذن قول برهان ينمّ عن غيظ دفين تحمله العائلة "الدستورية" للاتحاد و تذكّيه وقائع جرت بعد الثورة لعل أبرزها إغراق الدولة في الانتدابات العشوائية و الزيادات الغير المدروسة و إيقاف جل آلات الإنتاج و الاضرابات المسترسلة و الإضراب العام الذي أضحى ورقة يسهل اللعب بها كلما دعت الحاجة السياسية لذلك. أجل، قول برهان ينقص من شأن مكتب الاتحاد الذي قاده بعد الثورة ولكنه أيضا يورّط من قاسمه هذه الأهداف و شاركه هذا التخريب الممنهج لاقتصاد البلاد و طرد الاستثمار فلا يشفع الاعتراف اليوم إذن و لا يغفر السبق إلى الإعلام لاخبارنا بمكيدة "تبريك" الاقتصاد و تضييق القوت على التوانسة في مخطط اعتبره البعض جهنميا و لكنّه لم يلق التجاوب الكامل رغم المليارات الوافدة من كل حدب وصوب. الاعتراف أيضا في ظرف سياسي مماثل محاولة لخلط الأوراق من جديد واستجداء للمعارضة الكارتونية للخوض في مثل هذه المسائل فينحصر السجال في تحميل الاتحاد المسؤولية دون غيره و ينفيها عن فريق الثورة المضادة و جماعة "قبل .. كنّا خير" الذي بات يقاسم الاسلاميين الغزل والهيام. انّ قول برهان يحمل الناس الى التأويل والشك الذي يليه التصديق لا سيّما و في الاعلام سمّاعون لمثل هذا القول و منتظرون له منذ مدة. لكنّ الجواب المتعجرف للاتحاد جاء ليصدّق اعترافات برهان رغم أنّها قدّمت دون براهين ولا توثيق. فالنفي بمثل ذلك التوصيف الذي اختصره الطبوبي بسلة المهملات دليل على غضب من كشف الأوراق و المخططات التي قادت الاحتجاجات أيام الترويكا التي كانت كالأبله في الزفة رغم التفويض الشعبي الممنوح من قبل صندوق الاقتراع. كانت الترويكا كمن تأمّر على قوم وهو لا يزال دون سن المراهقة السياسية، معتقدة في ما حوته الكتب من حكايات الديمقراطية والحرية و حقوق الإنسان. فتاريخ تونس الحديث، أي بعد الاستقلال، يرشدنا بكل دقة أن السياسة وخبثها و مكائدها قد انحصرت في فيلقين إحداهما اتخذ الدولة و عصاها الطويلة عنوانا و اتخذ الفيلق الآخر اتحاد الشغل دارا له ومقاما و دون ذلك كانت باقي الفرق قبل الثورة مجرد زبد يحمله السيل وصدى تصدره التجويفات رغم التضحيات الجسام بالشهداء والسجون والمنافي و المحاكمات الجائرة.