اتحاد الشغل سيعمل على إقرار حلولٍ لاستئصال أشكالِ العملِ الهَشِّ في القطاع الاعلامي ووقفِ ممارساتِ الطردِ التعسُّفي والتأجيرِ غيرِ القانونيِّ    الزيادة في أجور المعتمدين والعمد    ندوة الولاة ... العودة المدرسية والجامعية وانطلاق الموسم الفلاحي وتطورات الوضع الصحي أهم محاور كلمة رئيس الحكومة    وزير التربية: هذه شروط إيقاف الدروس    رئيس البرلمان يتلقّى مكالمة هاتفيّة من رئيس مجلس الشيوخ الباكستاني    كاس السوبر : الخامسة للترجي ام الاولى للنادي الصفاقسي    القلعة الكبرى.. القبض على 3 أشخاص محل مناشير تفتيش    20 إصابة محلية جديدة بكورونا صفاقس..    استئناف حركة سير القطارات من و إلى قابس    رأس الجبل: الإطاحة ب «كابو» باعة الخمر خلسة في الجهة (صور)    بطولة الكرة الطّائرة: مباريات اليوم السّبت    الطبوبي للاعلاميين: معركتكم معركتنا واولويتكم اولويتنا    بنزرت: الحرس البحري ينقذ 37 «حارقا» جزائريا من الموت غرقا    في باب الاقواس كهل يقتل جاره الشاب بسكين    اليوم.. استئناف حركة سير قطارات نقل المسافرين بين تونس و قابس    نابل: تسجيل 34 حالة إصابة محلية جديدة وارتفاع عدد الذين لايزالون حاملين لفيروس كورورنا إلى 337 حالة    فيروس كورونا: تونس تتجاوز حاجز ال9000 اصابة    في جندوبة: وفاة شيخ بكورونا وإصابات جديدة في صفوف الإطار الطبي    الدولي الموريتاني ابوبكر ديوب يعزز صفوف الملعب التونسي    السودان .. ارتفاع عدد ضحايا الفيضانات والسيول إلى 121 شخصا    "فنوش" يقع في قبضة شرطة النجدة متلبسا (صور)    سحب عابرة بأغلب الجهات مع ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    العاصمة: القبض على شخصين مورطين في السرقة وتدليس عقود عمل وبطاقات مهنية    ارتكب 60 عملية سطو ونهب المكنى "كنبة" في قبضة الامن    الفنانة السورية المهاجرة اية مهنا ل«الشروق»: الفنان يغني أوجاع شعبه ويبحث له عن حلول    فرنسا: لا دليل على وجود مخازن متفجرات لحزب الله    الولايات المتحدة تحظر تحميل تطبيقي "تيك توك" و"وي تشات" الصينيين    غار الدماء: ايقاف كهل مجّد عملية أكودة الإرهابية    جيش البحر ينقذ 7 جزائريين عرض البحر    الأول من نوعه.. كندا تطور اختبار "الغرغرة" لكشف كوفيد-19    وفاة قاضية المحكمة العليا الأمريكية "جينسبيرغ" عن 87 عامًا    أخبار اتحاد تطاوين: الدعوة لجلسة انتخابية مرتقبة الأسبوع القادم    «التاس» تحسم النزاع...الترجي يكسب قضية ضد الوداد    أخبار الملعب التونسي: موريتاني يمضي و3 سنوات ليانيس الصغيّر    معلم رياضيات في الصين يعاقب تلميذته حتى الموت    فرنسا: على ساسة لبنان تشكيل حكومة فوراً    عاصفة نادرة في البحر المتوسط تضرب غرب اليونان    ليبيا.. القبض على مجموعة مسلحة تختطف المواطنين في طبرق    مسرحية "ضيعة الأسماك " للأطفال ..تنال إعجاب الجمهور والحضور يشيد بالمسرح التونسي    الرابطة ترفض إثارة شبيبة القيروان.. وتقر بنزوله إلى الرابطة الثانية    «بعد استرجاع «درع حنبعل»: هل يأخذ مكانه في متحف سلقطة...أم باردو؟ (صور)    يوميات مواطن حر: تقرير المصير بلا تغيير    رابطة ابطال افريقيا 2019 - تاس تقر تتويج الترجي الرياضي التونسي باللقب القاري    راج أنه قد نُهب: تونس تستعيد "درع حنبعل"    حجز 14 ألف كراس مدّعم بالمكتبات    وصول الدفعة الاولى من القطع الاثرية إلى مطار تونس قرطاج الدولي    عدنان الشواشي يكتب لكم : سيّدي الوزير.... الحلول موجودة    إعادة فتح مطار توزر نفطة امام الرحلات الجوية مع تواصل تجديد بنيته التحتية    عدد من الفلاحين يغلقون الطريق الرابط بين تونس والكاف    بنزرت.. مزارعو البطاطا غاضبون    تراجع المبادلات التجارية مع الخارج بالاسعار القارة خلال الاشهر الثمانية الاولي من سنة 2020    حجز وتحرير محاضر ومخالفات في حملات للشرطة البلدية    ملف الأسبوع.. مكانة العلم والتعلم في الاسلام    الإسلام حث على طلب العلم    طلب العلم فريضة على كل مسلم    هيفا وهبي تغنّي حافية القدمين وتؤدي دور امرأة عصرية في مسلسل أسود فاتح    صلاح الدين المستاوي يكتب: أحمد بن صالح من سجاياه إزالة غبن تسلط على الزيتونيين...    دار الإفتاء المصرية تحسم الجدل حول التجارب السريرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الصافي سعيد: المثقّف المغترب في صحراء البرلمان التونسي
نشر في باب نات يوم 07 - 08 - 2020


أيمن عبيد (*)
ليست المرة الاولى التي يشغل فيها المفكر والبرلماني التونسي الصافي سعيد، صفحات التواصل الاجتماعي واروقة الفايسبوك، ولن تكون المرّة الأخيرة التي تضيع فيها المعاني وتتلاشى فيها كل التعابير، في خضم صخب "الهوليغانز" السياسي، من أولئك الذين لا مدخل لهم لفهم اي معطى كان، الا من بوابة العاطفة المنفعلة او من قوس الغريزة الانتهازية، فإنحصر تعاطيهم كعادته بين ثنائية الشيطنة والتمجيد، اللّتان لازالتا تكبّلان الوعي الجمعي التونسي في أغلال الغلوّ، وتمنعانه من أي تشكّل سليم، فما الفاعلون في الشأن العام بأنبياء ولا هم بشياطين، كما عنون الصافي كتاب "الحمى 42".
غير ان بعض المشاهد كما كان يردد المرحوم حسنين هيكل مرارا، اذا نجحنا في تفكيك طلاسمها، فإنها لن تفسّر لنا تفاصيل لحظة التقاطها فحسب، انما قد تبوح لنا بمكنونات مرحلة بحالها او ظاهرة بعينها.
ولعل مقطع الفيديو ذاك، الذي لم يتجاوز ال15 ثانية، كان من تلك الطينة التي ذكرنا، اذ كان بين حناياه محمّلا بمتناقضات عجيبة تعبّر عن مجاز عميق. فقد ظهر لنا الكاتب الكبير لوهلة وكأنّه يصارع قلمه ويغالبه ثم ينتهي بأن يُلجمه ويسكته، وهو خليله الذي ناجز به الحياة واختط به مجده، فشكّل به مصائرا وهدّم به أخرى. لابد انه لم يكن من الهيّن على محارب ان يغمد سيفه، ولا كان من اليسير على كاتب ان يُلجِم قلمه، الا أن الوضع كان استثنائيا.
فلو وضعنا هذا المشهد في سياق انه التقط خلال الجلسة الختامية لدورته البرلمانيّة الاولى، لوجدناه ابلغ التعابير وادقّها، بل وأجدر الصور بأن تكون غلافا، لرواية: "سنة أولى ممارسة سياسية للمثقّف التونسي"
فلا بد أن التجربة الديموقراطية التونسية، في حاجة ماسة لما يشابه "المثقّف العضوي" لدى "أنتونيو غارمشي"، او نسخة وطنية مقتبسة من "المثقف العمومي" لدى "ماكس فيبر". ولا بد ان طليعة من المثقفين التونسيين، قد شرعت فعلا في اقتحام فضاءات العمل السياسي المباشر، من أمثال جوهر المباركي والحبيب بوعجيلة وعلى رأسهم الصافي سعيد.
غير أن هذا الانتقال من ترف التنظير والتحليل ومساحات التجريد عموما، الى ساحة الاشتباك السياسي من المسافة صفر، مسار شاق ومخاض ومعاناة، حوصلها مشهدنا المذكور في نقطتين اثنتين:
1-المثقّف المُبتعد:
بداية، دلالة ما عوّدنا به الصافي واعتاده، من التنائي بنفسه الى طرف المجلس، وكأنه نخلة الرّصافة في زهراء قرطبة، فيحيلنا ذلك على حالة الغربة والاغتراب التي يعيش، وتلك صورة اعتبارية تعكس الموضع الحالي للفكر والمثقفين في ساحتنا السياسية القاحلة، الخالية من أيّة مضامين او رؤى، والغارقة في البراغماتيات اللحظية، المنجرفة وراء المجاراة والمعالجات السريعة، بما يجعل كل ما يحمله المثقّف من زاد معرفيّ يفقد قيمته، بل ولعله يتحول الى حمل وزِينٍ يُثقل صاحبه ويكبّله، فيجعل منه آخر المتخلفين في مضمار المائة "تكانبينة" حواجز، حيث لا وقت للتوقف عند الأحداث والتمعّن في سياقاتها، ولا حاجة لعرضها على نماذج تفسيرية لفهم مآلاتها، وانما الشطارة كل الشطارة، في الأقدر على التنصّل من الوعود والانقلاب على العهود، والتملّق والتصنّع.
كما ان حرصه الدائم على الانتصاب في اعلى نقطة في المجلس، ربما يعكس كبرياء واستعفاف المثقفين من الخوض مع الخائضين، ولكنه قد يجد كذلك ما يفسّره في الفضول المعرفي لدى الكتّاب، الذين يحرصون على الفهم والاستنباط من خلال مراقبتهم لكل تفاصيل المشهد، اكثر من حرصهم على المشاركة في صناعته او اعادة تشكيله، فهم جنس فريدٌ من البشر يبحثون في كل حدث او صورة، عن مصدر الهام لقصة او رواية جديدة، تحرر صراعهم النقديّ مع الواقع من ضيق اللحظة التي قد ينهزمون فيها، وتدفع بمعاركهم الى قاضي التاريخ حتى يثأر لهم ويخلّد نصرهم.
2-المثقّف المُبعد:
وأما الملاحظة الثانية، فظهوره وهو يتصبّب ارتباكا وتردّدا وكأنه مطارد مراقب -وقد كان من صوّره فعلا يراقبه- وذلك في اتصال بالنقطة الاولى من تجليات الاغتراب الذي يعيشه المثقفون لا ريب، ولكن ايضا محاكاة لما يلحقهم من استهداف. فعلاوة على عرضتهم الدائمة لمحاولة الترويض والتطويع، كأبواق تسويغ وتبرير، لواقع لا يساهمون في صياغته ولا قول لهم في تشكيل ملامحه.
فإن الخطاب النخبوي في حد ذاته مستهدف بحملات ترذيل عاتية ، فتلك سمة أساسية لعصر الشعبوية، حيث تقوم اطروحتها الاساسية على على تملّق الجماهير من ناحية، وتتفيه النخب من ناحية اخرى بل وتخوينهم، بترويج سموم، من قبيل:
"اتركك منهم فهذا كلام معقد، تنظير وتفلسيف زائد."
وكأن الفلسفة مسبّةٌ وليست ام العلوم، او كأنّها علم لا علاقة له بالسياسة من قريب او بعيد، في حين انها لدى ارباب الديقراطية الاغريقية، توأم ملازم للسياسة، فما السياسة عندهم الا الترجمة العملية للحكمة، في حين ان الفلسفة هي الحكمة النظرية.
ان اصحاب الكلمة والقلم، مخيرون اما بالخضوع لمراكز القوى والحاكمين، او مجارات الرأي العام وتملّق المحكومين، او ان يبقوا فعلا مثقفين، فالمثقف هو:
من يسعى الى فهم المشهد بإعتماد قواعد عقلانية تراعي السنن الكونية، ولا ينسج قراءاته اتباعا لتقلبات المزاج العام واهوائه من جهة، وذلك ما يمكن تسميته بالمسؤولية الأكاديمية للمثقّف.
واما المسؤولية الاخلاقية، فتحتّم عليه اعتماد قيم الديموقراطية وأسسها كمحدد لمواقفه، لا التماهي مع مراكز القوى او مخالفتها.
ولذلك فان غياب المثقفين، من خلال ابعادهم او ابتعادهم، تعرية للساحة العامة وتعميق لتصحّر الثقافة السياسية فيها، وذلك ما يغذّي قابليتها للانجراف الشعبوي الذي يكاد ان يقوّض البناء الديموقراطي من أساسه.
ولهذا فإنني لم اكن هنا بصدد تقييم تجربة الصافي سعيد بقدر ما أنا بصدد تثمين خوضه لها، فماهو الا بفاتح ثغرة صغيرة في كثبان البداوة السياسية، لعلّ الزمان يوسّعها، وانا على يقين بأن الأجيال الجديدة من المثقفين ومن اختاروا الفكر والكتابة كمدخل للشأن العام وهم كثر ومن مشارب متعدّدة، يرقبون هذه التجربة وغيرها، بعين من كان في حاجة الى مثل ونماذج عمليّة، يستنيرون بخطاها، اما تأصيلها النظري، فإني أكاد أجزم بأن الصافي سيقدّم للتجربة التونسية اسهاما يليق به فيه، ولكن ذلك لن يكون حتى يتصالح الصافي مع قلمه الذي ألجمه، ولن تكون هذه المصالحة حتى يجد لنفسه مخرجا مشرّفا من ضوضاء السياسة واضوائها، يؤمّن له انسحابا آمنا من صحرائها.
* كاتب وناشط سياسي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.