في فيلمها الروائي الطويل الأول "نوار عشية"، تثير المخرجة خديجة لمكشر أحد أكثر الأسئلة إلحاحا في الواقع التونسي والمغاربي المعاصر، واضعة ملف الهجرة غير النظامية في صدارة فيلمها الذي جمعت فيه بين البعد الإنساني والرهان الجمالي. هذا الفيلم الذي تم تقديمه مساء أمس الجمعة في قاعة الكوليزي بالعاصمة في عرض ما قبل الأول في انتظار خروجه في القاعات بداية من يوم 7 جانفي الحالي، لا يروي حكاية الهجرة غير النظامية بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، فهو يفتح مساحة للتأمل في معاني الفقدان والشعور بالذنب في واقع تحول فيه البحر إلى وعد بالخلاص والتغيير من جهة وإلى مقبرة مفتوحة من جهة أخرى. تدور أحداث نوار عشية على مدى 110 دقائق حول شخصية يحيى وهو شاب تونسي (20 سنة) يعيش ظروفا اجتماعية صعبة داخل أسرة مثقلة بالعنف والفقر وانسداد الأفق. ويطمح هذا الشاب إلى تحسين وضعه المعيشي ويسعى إلى الهروب من واقع يراه خانقا بكل تفاصيله. وفي هذا السياق، يلتقي بدجو صاحب قاعة ملاكمة يكتشف لديه موهبة فطرية قد تمثل فرصة للنجاة من براثن الانحراف والإجرام. غير أن هذا المسار سرعان ما يتلاشى رغم فوز يحيى بالبطولة الوطنية للملاكمة، ليظل حلم الهجرة حاضرا بقوة لديه ويختار ركوب البحر نحو أوروبا. ويؤدي الأدوار في الفيلم الممثلون بحري الرحالي وفاطمة بن سعيدان ويونس مقري وإلياس قادري ومعز التومي والصحبي عمر. وترصد خديجة المكشر في الفيلم الآثار النفسية التي تدفع شابا ناجحا في رياضته المفضلة إلى الهجرة والمخاطرة بحياته، مصورة التمزق الداخلي لهذه الشخصية التي ظلت معلقة بين خيارين متناقضين هما الاستمرار في مسار رياضي داخل تونس أو المجازفة بالرحيل نحو المجهول. وقد نجح الفيلم إلى حد ما في نقل حالة الارتباك واللا يقين التي تطبع حياة شريحة واسعة من الشباب. وتبوح المخرجة في نص يظهر بداية الفيلم عن سر اختيار "نوار عشية" عنوانا للعمل، فهو يحيل إلى الزهرة التي تتفتح ليلا قبل أن تذبلها أشعة الشمس نهارا وهي استعارة لأحلام تولد في الظل ولا تجد فرصة للاكتمال. وقد وظفت المخرجة هذا الرمز في فيلمها لتصور حكاية جيل يشعر بأن بلاده لم تعد تتسع لطموحاته. أما على مستوى الأحداث، فإن "نوار عشية" يتأرجح بين عالمين متباينين يعكسان صراع البطل الداخلي. ففي القسم الأول تدور أحداث الفيلم في الحي الشعبي حيث تنسج المخرجة صورة حياة يحيى اليومية بين فقر عائلته وضغوط المجتمع وبين عالم الملاكمة الذي يمنحه فرصة لبداية جديدة. أما القسم الثاني، فينقل المشاهد إلى البحر حيث يتحول إلى مقبرة شاسعة للأجساد والأحلام الموؤودة وليصبح فضاء رمزيا يشهد مأساة الشباب الذين لم يجدوا خيارا سوى القفز نحو المجهول. ولا تتعامل المخرجة مع الموت بوصفه نهاية مغلقة، فالبحر في الفيلم بدا كمقبرة واسعة. ومع ذلك يفسح الفيلم مجالا لعنصر فانتازي عبر حضور عروس البحر في لحظات الغرق وهي ترافق يحيى وتمسك بيديه لتمنحه لمحة من الأمل والإنقاذ الرمزي وسط المأساة. ويختتم "نوار عشية" بمشهد مفتوح على البحر، حيث تبقى الصورة معلقة بلا حسم في إشارة إلى استمرار المأساة وعدم الوصول إلى نهاية، في إشارة من المخرجة إلى أن الأحداث المأساوية في عرض البحر مستمرة وأن المأساة لم تنته بعد. وللتذكير فقد كان فيلم "نوار عشية" قدم للجمهور في عرضه العالمي الأول ضمن فعاليات الدورة 45 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي التي أقيمت من 13 إلى 22 نوفمبر الماضي، كما شارك في المغرب ضمن فعاليات الدورة 21 من المهرجان الدّولي للسينما والهجرة بأغادير التي أقيمت من 8 إلى 13 ديسمبر 2025 وتوّجت خديجة المكشر بجائزة أحسن إخراج وفاز الممثل إلياس قادري (الذي أدى دور الشاب يحيى) بجائزة لجنة التّحكيم لأفضل دور رجالي. تابعونا على ڤوڤل للأخبار