في مهنتنا كثيرا ما يصير »مجلس التربية« مثلا مجالا لتصفية الحسابات بين التكتلات المتصارعة فإذا أحيل تلميذ على المجلس بتهمة العنف لن ينصب اهتمامنا على تكريس مبدإ احترام المتعلم لمدرسه انما ننظر مليا في صاحب التقرير فان كان عضوا في الفريق نستميت في الدفاع عنه وتنزل بالمعتدي أقسى العقوبات، وان كان من فريق منافس نسمح به الارض وقد تمنح التلميذ براءة الملائكة وان كان الشاكي محايدا مسالما مهضوم الجناح نلهو به قليلا ونأمر بعقوبة تذر الرماد على احدى عينيه دون الاخرى، وفي الحالات الثلاث يظل القانون غائبا روحا وقصدا حتى لو حضر نصا وتطبيقا ثم تضحك باستهجان من »التعصب الكروي« الذي أفرغ الجماجم من العقل العاقل. يدل هذا المثال على أننا مازلنا عاجزين عن الفصل المنهجي بين المبدإ وبين الشخص. لذا بمجرد ان نوضع في موضع القرار نفقد التوازن الذهني وتمسك بخناقنا أحقادنا وعقدنا وأطماعنا وبما اننا ندرك ان لا مواطن بالمعني الفعلي للمواطنة يحاسبنا فاننا ننتشي لبعض الوقت بالسلطة انتشاء مدمني الأفيون ثم نحاسب الساسة ونحملهم كل أوزارنا حتى انه يكفي ان نزيحهم ونحتل مقاعدهم لنؤسس المدينة الفاضلة. لست أدافع عن الساسة لاني من يفعل هذا انما أعبر عن ايماني بأنهم يمثلوننا أحسن تمثيل بأنهم منا بقدر ما نحن فيهم بأن كبائرنا من صغائرنا ولن تكفر عن الاولى الا بدفع ضريبة الثانية دفعا فرديا وجماعيا ان خيانة الواجب المهني حسب هذا القياس المنطقي لا تقل شأنا عن خيانة الأوطان. تدل هذه العبارات الرائجة والوقائع المتكررة عن العلاقة المختلة بين التونسي وبين القانون هي علاقة تحكمها القطيعة اكثر مما يسودها التواصل فنحن لا نلجأ الى القانون لانه لا يرد الينا حقنا ونعادي من يلجأ اليه لانه بذلك يعتدي على حقنا في الاعتداء عليه بعيدا عن هذا المفارقة العجيبة ليس التواصل الذي نعنيه مرادفا لمجرد الخضوع الى الشرائع انما هو ذاك لكن بالتوازي التام مع النضال في سبيل تطويرها مما يعمق قطيعتنا مع القانون صمت هذا الاخير في مواضع عدة من سن النصوص وتغافله عن تطبيق النصوص ان وجدت، وهذا يخلق فراغا قانونيا ليس دون الفراغ الامني او الفراغ الفكري خطورة شاهدي على ما أقول: جمع التبرعات من التلاميذ في بعض المؤسسات التربوية لصالح صندوق التضامن الوطني يتم ذلك باقتحام قاعات الدرس مرة ومرتين في الساعة الواحدة بتهديد التلاميذ الممتنعين عن »التبرع« أو العاجزين عنه تهديدا لفظيا قاسيار بطردهم من القسم الذي هو في عهدة المدرس دون استئذان هذا الاخير ولو بمجرد الاشارة فترتكب الادارة بذلك عنفا ثلاثي الابعاد ضحاياه : الدرس والمدرس والمتعلم ثم انه تنتهك حرمة مكان يكاد يفقد كل حرمة بحجة تسهيل العمل الاداري حتى الاولياء كادوا يستوطنون فيه مباركة الادارة وتأييدها المشع من وراء حجاب. النتيجة المباشرة لسلوك كهذا ان بعض التلاميذ يمتنعون عن الدفع لينعموا بعطلة مدرسية استثنائية وبعضهم الآخر يمتنعون تحديا وثورة على القمع الاداري من الأدلة البسيطة على ذلك ان احد تلاميذ منع من متابعة الدروس يوما كاملا لهذا السبب وجاءني شاكيا مدعيا ان الاجراء الذي اتخذ في حقه غير قانوني فسألته: »المبلغ زهيد وظروفك الا طوعا« فلم أحر جوابا. في هذا المثال سلوك الادارة باطل أريد به الحق وسلوك التلميذ حق أريد به الباطل. مأزق كهذا لا يحل عقدته سوى تفعيل القانون سنا وتطبيقا ثم انه خطر حقيقي على قيمة انسانية نبيلة هي التضامن فالنشء الذي أجبره اليوم على »التبرع« بما لي من سلطة عليه هو غدا رقم خاسر من قائمة المنتجين المتبرعين نتفهم ان المسؤول الصغير مضطر الى تبييض وجهه امام المسؤول الاقوى منه، وان هذا الاخير يضغط على من دونه مرتبة كي يبيض وجهه هو ايضا في حضرة مسؤول أعتى منه... وهكذا دواليك. ولو ارتقينا درجات سلم سلم المسؤولين اللامتناهي الطول هذا لوجدنا أنفسنا نزاحم مبعوثي »النازا« طبعا من حيث لا نريد لتفاني بعض المسؤولين اذن في تلميع صورتهم وعلى كاهل المواطن البسيط الكادح المغلوب على أمره تقع مسؤولية تبييض (3) لأيادي، وان امتنع المواطن الصغير او الكبير عن تلبية النداء فليس لأنا أقل انسانية من باقي الشعوب. ان الخطأ كامن في آليات التأسيس لقيم المواطنة والتبرع منها لا في المدفوع دفعا الى صيانة »كرسي« غير متساوي الاضلاع! يؤدي الفراغ القانوني ايضا الى ارتكاب العنف المعنوي المتستر بأداء الواجب المهني. اضرب على هذا مثالا عشته : اقتحم قاعة درسي موظف اداري ليجمع أموال الدروس الخصوصية لمادة اخرى لا صلة لي بها. ولأنه قرر تنقيذ الامر قبل انجاز الحصة الاخيرة من تلك الدروس فقد وجد ان اغلب التلاميذ لم يجلبوا المبلغ معهم لم يتردد في إقصاء ثلثي القسم من درس اصلاح الفرض العادي مع الرابعة آداب اتخذ العقوبة الجماعية المنوعة قانونا دون ان يستأذنني وغادر معزيا النفس بنزر يسير من المال. استدعيت السيد المدير فأعاد جمع التلاميذ من الساحة ثم استأنفت الدرس المجزأ المهان بعد ضياع حوالي عشرين دقيقة من توقيته الرسمي اني لأعجب من مهارة بعض الاداريين في جمع المال بقدر ما أعجب من استهتارهم بالواجبات المهنية الحقيقية! في نفس المجال المهني يتهم المدرس الذي يحاول التثبت من وصول مطلب نقلته الى الوزارة بأنه يشكك في أمانة الادارة، وحتى ان توفرت أقوى البراهين على انه لا يمكن التشكيك في وجود أمانة لا وجود لها اصلا يطالب باحترام التسلسل الاداري وهو مبدأ يعزل الموظف عن مشغله ويباعد الهوة بينهما ويزيد المظالم التي يكابدها المدرسون »المغضوب عليهم« لأسباب شخصية ومرضية غالبا. لقد رأيت بأم عيني مطلب مناقلتي الذي تتوفر فيه كل الشروط القانونية على طاولة موظف صغير بإحدى الادارات الجهوية الداخلية بعد ثلاثة اشهر وبضعة ايام من تاريخ تقديمه أوتمن ذاك الموظف على صيانة مطلبي من الهواء والعيون المتطفلة والايادي العابثة فأخفاه عن اصحاب القرار عامة يكمن السر في ان مديري المباشر أقسم متحدثا عني : »سأجعلها تموت هنا!« فاته ان يختار مكان مولدي فارتأى ان يعوض النقص الحاصل بتأمل جثتي المتحللة. يضطر بعض المدرسين الاكفاء الى »خيانة« الأمانة التربوية لأن تفانيهم في عملهم ينقلب عليهم وبالا فيحرمون من حق النقلة بالحيل القانونية كأن يدعي المدير المباشر ان المؤسسة في حاجة اليهم او يمنعون من نيل المطالب النُقل أو تصادر مطالبهم من احدى الادارات المتسلسلة فيعمدون بحيل قانونية مضادة، الى التغيب عن العمل أو تمييع الدروس أو عدم انهاء البرامج... الى ان يصير بقاؤهم شرا من رحيلهم في مثل هذه الحالة لا أستطيع ان أبرر سلوكا كهذا لأنه يناقض أخلاق المهنة ولكني لا أستطيع في الآن نفسه ان أدينه لأني خبرت ضروبا شتى من القهر الاداري لكن الثابت انه كلما ساد الفراغ القانوني دفع الطرف الأضعف الثمن، لذا فالمتضرر الاول هو المتعلم الذي يقع بين مطرقة ادارة مستبدة وبين سندان مدرس يحاول ان يفتك حقه مهما كانت التكاليف. ما العيب في ان نشكك في أمانة الادارة؟ وهل ثمة شيء يطور أداء الادارة كالتشكيك فيها ومراقبته ومحاسبتها؟ ومنذ متى كانت الادارة في العالم الثالث معصوكة من الخطإ؟ لقد تطورت كل المعارف والعلوم والخدمات بتخطئة مصادراتها والطعن في نتائجها ولا أظن ان اي ادارة تخرج عن هذا المبدإ العلمي الاجتماعي. لم يتبجح التونسي بالقرب الحقيقي او الوهمي من ذوي السلطان؟ لم يستهين بمن يلجأ الى المؤسسات القانونية لاسترجاع حقه؟ لم يستحي من أداء واجبه المهني كما لو انه يرتكب جرما أخلاقيا؟ الاسباب عديدة ومعقدة تراكمت تاريخيا عبر قرون من العقم الحضاري العربي وأرجح ان أحد الاسباب الرئيسة هو ضعف الايمان بسلطة القانون وهذا الضعف يعد احدى نتائج ضحالة قيم المواطنة، لذا تطرق آذاننا باستمرار عبارات اخرى موازية من قبيل »حسبي الله ونعم الوكيل« و »مولاها ربي« و »اخرها موت«. غادرت هذه الجمل سياقها الديني العقائدي لتحط ارلرحال في حقل دلالي مداره اليأس والتسليم والتواكل والعبثية وإدانة الآخر... فقائلها لا يعبر عن اي إحساس بالمسؤولية على ما يحدث ويكتفي بتقديم نفسه في صورة الضحية الواقعة في حيز المفعولية. والحال ان المستهين بحقه والمستجير بالأقوى على الأضعف دون وجه حق صنوان هما وجهان لنفس العملة الزائفة اي لنفس »المواطن« الذي لا يملك من شروط المواطنة الا الانتماء الجغرافي. هكذا يتناسى المواطن انه مسؤول على مواطنته بقدر ما يتناسى المسؤول انه مسؤول على مواطنيه ونظل ندور في حلقة مفرغة يأكل بعضنا حق بعض، وقد يأكل بعضنا بعضا، ولأن الموظف المسؤول أوسع نفوذا وأقدر على الفعل فان ما يقع على عاتقه من واجبات هو ضعف ما يطالب به المواطن العادي قياسا على اقتراح الصحافي لطفي العماري (4) أن يصنع كرسي مدير ايام قرطاج المسرحية من مادة »التيفال« حتى لا يلتصق به من يجلس عليه اقترح ان نرصع كراسي المسؤولين الوخز الصينية، فنضرب على الاقل ثلاثة عصافير بحجر واحد او بإبرة واحدة تعالج أدواءهم دون الخوف عليهم من المضاعفات الجانبية للدواء أولا نحميهم من أنفسهم بأن نمنع عنهم غرور السلطان ثانيا نذكرهم في كل حين بواجباتهم نحو البلاد والعباد ثالثا وان طارت باقي العصافير فلا ضير. إن الزمن كفيل بصيدها في مقبل العقود. وأخشى ان أقول مقبل القرون كي لا أحبط عزائمي وكي لا أرمي بالتهافت والتشاؤم والسوداوية. ما بين القانون والمواطنة هو ما بين الوجه والقفا من التلازم فوجود القانون نصا يعد مرحلة أولى لتحقيق أرضية ما للمواطنة لنقل انه هيكلها العظمى ووجود القانون عملا هو مرحلة ثانية تكسو هيكل المواطنة لحما ودما. أما المرحلة الثالثة فهي ان يكون القانون موضوع جدل ومراجعة وتنقيح. وهذا ما يكسب ذاك الجسد الحي روحا متفاعلة مع محيطها ناقدة ومنقودة. (1) حمورابي (1950 1792 ق.م اشهر ملوك الدولة البابلية قضى على الامارات الصغيرة وحقق وحدة ما بين النهرين. اشتهر بشرائعه الادارية والاجتماعية المنجد في اللغة والاعلام، ط، 2005، 41 دار المشرق، بيروت. (2) العدمية: تدل على موقف في الفكر والفلسفة وتطبيق العمل والعدميون هم أولئك الثوار الروس الذين ظهروا إبان حكم القيصر ألكسندر الثاني (1881 1855) راجت تسميتهم على يد الروائي »تورجنيف »في قصته« الآباء والبنون. »فصارت تعني أولئك الذين لا يوافقون على شيء ينتمي الى النظام القائم وأخذوا مند 1878 في شن حملة ارهابية بلغت ذروتها بمقتل القيصر موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي، جزء، 4 ، 1990 ، 2 المؤسسة العربية للدراسات والنشر. (3) يقال: بيضت الإناء اذا فرغته وبيضته اذا ملأته. وهو من الاضداد. لسان العرب. ابن منظور ، المجلد، 1 ط ، 1 دار صادر بيروت 1997، لا يخفى عليكم اننا نقصد المعنى الثاني. (4) قدم هذا الاقتراح في احدى حلقات برنامج »بلا مجاملة« الذي تبثه قناة »حنبعل«.