رئيس إتحاد الفلاحة: أسعار الأضاحي 'معقولة'    تظاهرة التراث الثقافي بحاجب العيون في دورته ال 14 «تراثنا رؤية تتغير ... تشريعات تواكب»    لتعديل الأخطاء الشائعة في اللغة العربية على لسان العامة    شبهة فساد بال'ستاغ': الاحتفاظ بمعتمد واطار بنكي بهذه الولاية    عاجل : مسيرة للمطالبة بإيجاد حلول نهائية للمهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء    قراءة في أعمال ومحامل تشكيلية على هامش معرض «عوالم فنون» بصالون الرواق .. لوحات من ارهاصات الروح وفنطازيا الأنامل الساخنة    الدورة 6 لمهرجان «تريتونيس» بدقاش ..خيمة للإبداع وورشات ومعارض وندوة علمية وكرنفال    سبيطلة : القبض على مجرمين خطيرين    صفاقس اليوم بيع تذاكر لقاء كأس تونس بين ساقية الداير والبنزرتي    تحذير: عواصف شمسية قوية قد تضرب الأرض قريبا    كرة اليد: الاصابة تحرم النادي الإفريقي من خدمات ركائز الفريق في مواجهة مكارم المهدية    فقدان 23 تونسيا شاركو في عملية ''حرقة ''    مدير عام الغابات: إستراتيجيتنا متكاملة للتّوقي من الحرائق    قانون الفنان والمهن الفنية ...مشروع على ورق... هل يغيّر وضعية الفنان؟    خبير في التربية : ''تدريس الأولياء لأبنائهم خطأ ''    بلاغ مروري بمناسبة مقابلة الترجي والأهلي    بسبب الربط العشوائي واستنزاف المائدة المائية .. قفصة تتصدّر خارطة العطش    وزارة الصناعة : ضرورة النهوض بالتكنولوجيات المبتكرة لتنويع المزيج الطاقي    المنستير: إحداث أوّل شركة أهليّة محليّة لتنمية الصناعات التقليدية بالجهة في الساحلين    بنزرت: جلسة عمل حول الاستعدادات للامتحانات الوطنية بأوتيك    صفاقس: المناظرة التجريبية لفائدة تلاميذ السنوات السادسة    بنزرت .. مع اقتراب موسم الحصاد ...الفلاّحون يطالبون بفك عزلة المسالك الفلاحية!    سليانة .. انطلاق موسم جني حب الملوك    بنزرت .. إجراءات لمزيد تعزيز الحركة التجارية للميناء    الليلة الترجي الأهلي في رادس...الانتصار أو الانتصار    تضم منظمات وجمعيات: نحو تأسيس 'جبهة للدفاع عن الديمقراطية' في تونس    الحماية المدنية: 8 وفيّات و 411 مصاب خلال ال 24 ساعة الفارطة    كأس تونس: النجم الساحلي يفقد خدمات 4 لاعبين في مواجهة الأهلي الصفاقسي    ليبيا: إختفاء نائب بالبرلمان.. والسلطات تحقّق    عاجل/ القسّام: أجهزنا على 15 جنديا تحصّنوا في منزل برفح    ''غرفة المخابز: '' المخابز مهددة بالإفلاس و صارت عاجزة عن الإيفاء بإلتزاماتها    نهائي دوري ابطال إفريقيا: التشكيلة المتوقعة للترجي والنادي الاهلي    هذه القنوات التي ستبث مباراة الترجي الرياضي التونسي و الأهلي المصري    والدان يرميان أبنائهما في الشارع!!    ضمّت 7 تونسيين: قائمة ال101 الأكثر تأثيرا في السينما العربية في 2023    طقس اليوم: أمطار و الحرارة تصل إلى 41 درجة    ألمانيا: إجلاء المئات في الجنوب الغربي بسبب الفيضانات (فيديو)    قانون الشيك دون رصيد: رئيس الدولة يتّخذ قرارا هاما    إنقاذ طفل من والدته بعد ان كانت تعتزم تخديره لاستخراج أعضاءه وبيعها!!    جرجيس: العثور على سلاح "كلاشنيكوف" وذخيرة بغابة زياتين    5 أعشاب تعمل على تنشيط الدورة الدموية وتجنّب تجلّط الدم    مدرب الاهلي المصري: الترجي تطور كثيرا وننتظر مباراة مثيرة في ظل تقارب مستوى الفريقين    الكاف: انطلاق فعاليات الدورة 34 لمهرجان ميو السنوي    منوبة: إصدار بطاقتي إيداع في حق صاحب مجزرة ومساعده من أجل مخالفة التراتيب الصحية    كاس تونس لكرة القدم - نتائج الدفعة الاولى لمباريات الدور ثمن النهائي    وزير الصحة يؤكد على ضرورة تشجيع اللجوء الى الادوية الجنيسة لتمكين المرضى من النفاذ الى الادوية المبتكرة    نحو 20 بالمائة من المصابين بمرض ارتفاع ضغط الدم يمكنهم العلاج دون الحاجة الى أدوية    تضمّنت 7 تونسيين: قائمة ال101 الأكثر تأثيرًا في صناعة السينما العربية    القدرة الشرائية للمواكن محور لقاء وزير الداخلية برئيس منظمة الدفاع عن المستهلك    معلم تاريخي يتحول إلى وكر للمنحرفين ما القصة ؟    غدا..دخول المتاحف سيكون مجانا..    البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية يدعم انتاج الطاقة الشمسية في تونس    منبر الجمعة .. المفسدون في الانترنات؟    ملف الأسبوع...المثقفون في الإسلام.. عفوا يا حضرة المثقف... !    التحدي القاتل.. رقاقة بطاطا حارة تقتل مراهقاً أميركياً    منها الشيا والبطيخ.. 5 بذور للتغلب على حرارة الطقس والوزن الزائد    مفتي الجمهورية : "أضحية العيد سنة مؤكدة لكنها مرتبطة بشرط الاستطاعة"    عاجل: سليم الرياحي على موعد مع التونسيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تطور حركة المجتمع المدني وعلاقتها بالنقابات
المجتمع المدني : بقلم محمد الطرابلسي
نشر في الشعب يوم 18 - 08 - 2007

يمكن اعتبارا مفهوم « المجتمع المدني» من الأفكار السياسية الكبرى للفكر الإنساني، وقد ظهر لأول مرة عند الإغريق القدامى حيث عرفه أرسطو على أنه «المجموعة السياسية التي تخضع للقانون» وبذلك كان هناك عدم تمييز بين المجتمع المدني والدولة. فالمجتمع المدني عند أرسطو لا يختلف عن نمط الدولة التي تعمل وفق عقد اجتماعي يخضع الجميع (بما في ذلك الحاكم) لسلطة القانون.لقد كان المجتمع المدني في الفكر السياسي القديم بمثابة عقد اجتماعي يقوم بين أفراد المجتمع وبينهم وبين الحاكم، وهو ما يكرس هذا الخلط في المفهوم بين الدولة والمجتمع المدني.
ومع ظهور الثورة الصناعية في أوروبا في القرن الثامن عشر، التي أدت الى إفراغ للأرياف وتكون للتجمعات الحضرية الكبرى في المدن الصناعية الناشئة وما نتج عن ذلك من تآكل للعلاقات الإنتاجية والبشرية التقليدية وبروز علاقات انتاج جديدة رأسمالية، بدأ التمييز بين الدولة والمجتمع المدني، فنشأت النقابات كإحدى أولى مكونات المجتمع المدني ثم حركات جمعياتية أخرى مثلت عبر ممارستها وتطورها سلطة مضادة ضد نزعة الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي وكإطار جديد للانتماء وإقامة العلاقات الاجتماعية.
وقد كان الفيلسوف الألماني هيغل أول من عرف المجتمع المدني بمفهوم مختلف عن مفهوم الدولة، حيث اعتبره « الفضاء الوسيط الفاصل بين العائلة والدولة». ويؤكد هيغل على أن الفرد يصبح من خلال انتمائه للمؤسسات المختلفة «شخصا عاما» قادرا على اقامة مصالحة بين العام والخاص. كما اعتبر هيغل المجتمع المدني انجازا للعالم المعاصر ومساحة لأنشطة حرة لاحصر لها ولا يمكن كبحها الا من قبل «العقل».
ومع توسع الحركة الجمعياتية وتعاظم قوة النقابات في بداية القرن 19 صارت المناداة بالحد من هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني أكثر وضوحا والدعوة لتقاسم مسؤولية ادارة شؤون المجتمع بينهما أكثر قوة وإلحاحا.
وفي هذا القرن التاسع عشر، ومع ازدياد مظاهر الحيف الاجتماعي للرأسمالية الزاحفة وتعمق الفوارق الطبقية بين طبقة البورجوازية والعمال الكادحين طرأ تحول جديد في مفهوم المجتمع المدني من خلال ما طرحه كارل ماركس بأن المجتمع المدني ماهو في النهاية سوى مسرحا للتاريخ وساحة الصراع الطبقي بين المضطهدين والمضطهدين.
وفرق جرامشي في القرن الماضي بين السيطرة السياسية والهيمنة الإيديولوجية حيث اعتبر أن المسك بالسلطة لا يعني بالضرورة سيادة إيديولوجية المسيطرين عليها، لان المجتمع المدني لا يمثل ساحة للتنافس الاقتصادي (للسيطرة على السلطة)بل ساحة للصراع الإيديولوجي، بما يعني أن مؤسسات المجتمع المدني ليست شأنا رأسماليا مفروغ منه ومحسوم بل هي شأن صراعي بين الفكر السائد والفكر المضاد، بين سطوة الدولة والتضامن الجماعي في مواجهتها.
ويرى آخرون في هذا القرن الجديد أن الرأسمالية نجحت في إدارة الصراع الطبقي حسب مصالحها من خلال بلورتها لآليات جديدة لاحتوائه وضمان استقرار المجتمع، فهي استطاعت من جهة السيطرة المباشرة على المجتمع بواسطة جهاز الدولة من مؤسسات وقوانين وأجهزة أمنية الخ... وامتصاص الصراعات والتوترات الاجتماعية من جهة أخرى من خلال إتاحتها قيام منظمات غير حكومية تطوعية وغير نفعية ليحل الأفراد بواسطتها مشاكلهم الاجتماعية والدفاع عن حقوقهم المدنية والثقافية وتحسين أوضاعهم المعيشية وهو ما يمكن أن يشكل تخفيفا للعبء، الموكول للدولة وبديلا عن انسحابها من عديد المسؤوليات المناطة بعهدتها. وحسب المدافعين عن هذا الرأي فان ذلك يساهم في دعم أسس النظام الرأسمالي وإيديولوجيته.
ومهما اختلف الباحثون حول تعريف «المجتمع المدني» فانه من المسلم به أن المجتمع المدني هو مجتمع مدن اساسا، يرتبط نشوءه بظهور التجمعات الحضرية الكبرى أو المدن التي تجمع الوافدين عليها من مختلف الانتماءات القبلية و الأثنية والعرقية والدينية، فينشئ الناس بها مؤسسات إرادية لا نفعيهّ وطوعية لتنظيم علاقاتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدفاع عن حقوق ومصالح مشتركة، وتكون هذه المؤسسات بديلا عن الأطر الانتمائية التقليدية القديمة التي ينحدر منها الناس، لذلك فهي مؤسسات ينخرط فيها هؤلاء الناس وينسحبون منها وينشؤونها ويحلونها متى أرادوا وذلك على نقيض الأطر والمؤسسات الانتمائية الأخرى في المجتمع البدوي أو القروي والتي يولد الفرد فيها منتميا لها بالطبيعة ومندمجا فيها بالولادة ولا يستطيع الانسحاب منها متى أراد (العشيرة، القبيلة، الطائفة، العرق الخ...) ولذلك فانه ليس من الصدفة أن اشتقت تسمية المجتمع المدني من كلمة «المدينة» نفسها.
وخلاصة القول فان المجتمع المدني هو هذا النسيج من الهيئات المختلفة والأفراد المستقلين عن الدولة وأجهزتها العاملين في المجالات الاجتماعية والثقافية والحقوقية والتربوية والاقتصادية والصحية والبيئية والشبابية والنسويهّ والخيرية وغيرها.
والمقصود بالدعوة الى تفعيل مؤسسات المجتمع المدني هو تمكين هذه المؤسسات من تحمل مسؤولية أكبر وأوسع والمشاركة العملية في إدارة شؤون المجتمع للحد من سلطة الدولة وأجهزتها ومؤسساتها حتى تستطيع هذه المؤسسات المستقلة من أن تصبح أداة تمكن المجتمع من مراقبة الدولة. ويستبعد من هذه الدعوة المؤسسات الانتمائية التقليدية (أو الطبيعية) كالأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة الاثنية أو الدينية مثلما تستبعد منها المؤسسات السياسية الحكومية والجمعيات غير المستقلة عنها.
المجتمع المدني هو اذا مجتمع مستقل عن الإشراف المباشر للدولة، يعتمد التلقائية وروح المبادرة الفردية والجماعية والعمل التطوعي «غير النفعي» وخدمة المصلحة العامة والدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الفئات ذات الحاجيات الخصوصية.. وبالرغم من أن المجتمع المدني مفتوح للأفراد ويعلّي من شأن الفرد ويذكي فيه حماسه للقضايا الإنسانية المختلفة الا أنه لا يدعو للنزعة الفردية بل يعمل على تكريس التضامن عبر شبكة واسعة من المؤسسات.
المجتمع المدني هو اذا مجموعة التنظيمات الحرة والطوعية التي تملأ المسافة بين الأسرة والدولة، بين مؤسسات الانتماء التقليدي القديم ومؤسسات الدولة وأجهزتها.
وللمجتمع المدني بهذا المفهوم أربعة خاصيات أساسية هي:
- الاختيار الطوعي والفعل الإرادي الحر.
- التواجد في جمعيات أو هياكل أو شبكات.
- قبول الحق في الاختلاف والتنوع ونبذ العنف.
- عدم السعي للوصول الى السلطة أو لتحقيق غايات نفعية.
أي علاقة، بين النقابة والمجتمع المدني؟
بعد أن عرّفنا بالجمعيات غير الحكومية وأهدافها وخصائصها يمكن أن نتعرف على الخصائص النقابية وما تقوم به النقابات العمالية للوقوف على مدى التباين أو التوافق مع منظمات المجتمع المدني.
فالنقابات هي منظمات مستقلة عن السلطة، طوعية، تناضل بالطرق السلمية وتنبذ العنف، تقوم على حرية الانتماء والانسحاب، وهي ذات طبيعة غير نفعية تدافع عن حقوق العمال وتهتم بقضايا الشأن العام التي لها علاقة وتأثير على نشاطها وعلى أوضاع منتسبيها.
وتناضل النقابات من أجل العدل والمساواة والديمقراطية والحد من الفوارق الاجتماعية ومن الآثار السلبية للعولمة وهيمنة رأس المال. كما تهتم بالأوضاع الخصوصية للمرأة
ستثناء الأحزاب من المجتمع المدني لا يعني أنها لا تقوم على مبدا الطوعية وحرية الانتماء الا أن هذا الاستثناء مرده سعي هذه المؤسسات السياسية بحكم طبيعتها الى الوصول الى الحكم والسيطرة على السلطة، وهو ما يجعلها على مسافة متفاوته بين المجتمع المدني والسلطة بحسب أوضاعها وظروف كل بلد. على أنه لابد من التأكيد على امكانية وجود مساحة مشتركة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي ممثلا في الأحزاب السياسي
والشباب والمهمشين والبيئة، وهي لعمري قضايا تشترك في تبنيها والدفاع عنها مع غالبية المنظمات غير الحكومية من نسيج المجتمع المدني.
غير أن جدلا كبيرا عم الأوساط النقابية في السنوات الأخيرة حول ظاهرة تنامي الجمعيات غير الحكومية في العقدين الأخيرين، وحول دورها في الحد من تأثير النقابات وأحيانا لجم العمل النقابي وتهميشه، كما تناول هذا الجدل الجهات والدوائر التي تمول نشاط هذه الجمعيات من أجهزة ومؤسسات حكومية وشركات كبرى متعددة الجنسيات، وقد عبر عديد النقابيين والمنظمات النقابية في العالم عن قلقهم ازاء ما يعتبر تداخلا بين نشاط هذه الجمعيات والنشاط النقابي يتم أحيانا بتشجيع من دوائر معادية للعمل النقابي بما يضعف النقابات ويهدد من مبدأ التفاوض الجماعي بين أطراف الإنتاج الثلاثة، وبما يتفق وأهداف هذه الدوائر الرأسمالية العالمية.
وقد نادى بعضها «بتوسيع الحوار الاجتماعي» ليضم بعض المنظمات غير الحكومية، وهو ما أعتبرته النقابات محاولة لتعويم هذا الحوار وتهميشه من خلال توسيعه الى مؤسسات لا تمثل أطراف الإنتاج وليس لها وجود عمالي في مواقع الإنتاج.
غير أن هذه التساؤلات والقلق لم يمنع من قيام حوار بين النقابات والجمعيات غير الحكومية، بلور عديد القضايا والأهداف المشتركة. وقد ارتفع سقف الحوار بعد التعبئة الكبرى للجمعيات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني التي قدم مناضلوها سنة 1999 الى سياتل للاحتجاج على العولمة والدعوة الى توحيد الصفوف لمواجهة آثارها السلبية. لقد برز المجتمع المدني بعد سياتل كقوة قادرة على مواجهة تيار الليبرالية المتوحشة في غياب أي دور للدول أو الأحزاب السياسية وافتقار الحركة النقابية لإستراتيجية صدامية واضحة وموحدة في هذا المجال. ولقد بات التوجه نحو العمل المشترك مع بقية مؤسسات المجتمع المدني خيارا ثابتا للحركة النقابية في سعيها من أجل تشكيل جبهة اجتماعية دولية لمواجهة الإفرازات السلبية للعولمة ولاقتصاد السوق من تفاقم للبطالة والفقر وتضييق على الحق النقابي وارتفاع المديونية وتعميق الفوارق بين الدول وداخل المجتمعات في ظل غياب عدالة التوزيع. وقد تأكد هذا الخيار من خلال قرارات المؤتمر الأخير للاتحاد العالمي للنقابات الحرة التي دعت الى تعزيز العلاقات مع الجمعيات غير الحكومية الحقيقية التي تقاسمنا نفس الأهداف والمبادئ من أجل عالم أفضل مقام على التضامن والمساواة ومحاربة الفقر والفساد والبطالة وضرب الحريات وبخاصة الحريات النقابية.
الاتحاد والمجتمع المدني
من خاصيات الحركة النقابية التونسية أنها لم تنشأ بمقاييس نقابية فحسب مثلما هو الشأن بالنسبة لنشأة المنظمات النقابية في أنحاء أخرى من العالم كقوى تنظم حركة العمال في مواجهة الاضطهاد الطبقي ومن أجل نيل بعض الحقوق والمكاسب الاجتماعية والنقابية والاقتصادية. لقد ولدت الحركة النقابية في مطلع القرن الماضي في سياق زخم إصلاحي شامل ذي أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وضمن مشروع تحرري يضع قضية الاستقلال الوطني ومقاومة الاستعمار كهدف أساسي.
وقد لعبت الحركة النقابية في تونس ومنذ نشأتها دور القاطرة في قيادة الشعب التونسي في مشروعه التحرري الإصلاحي. بدءا بتجربة محمد علي الحامي التي كانت على هذا الأساس تجربة تختزل تلك الابعاد المختلفة في المشروع الإصلاحي.
فتأسيسه للتعاونيات بعد عودته من أوروبا اثر الحرب الكونية الأولى لا يمكن إدراجه الا ضمن سعيه الى تركيز مؤسسات إنتاجية لا تخضع لسلطان الدولة تنهض بالتشغيل في بلد شكلت فيه البطالة كارثة وطنية وتكون بديلا للمؤسسة الاقتصادية الاستعمارية أو الرأسمالية يبرز فيها الطابع الاجتماعي وتخضع لنظام الملكية الجماعية. هذه التعاونيات التي لم تكن تهدف لتحقيق منافع شخصية يمكن اعتبارها شكلا من أشكال المؤسسات المستقلة عن المؤسسات الرسمية، بل لا نبالغ في القول اذا اعتبرنا هذه التعاونيات بداية لتأسيس مجتمع مدني.
كما بعث محمد علي الحامي ورفاقه جامعة عموم العمال التونسيين التي مثلت أول اتحاد نقابي تونسي مستقل يعمل على تنظيم العمال في نقابات تدافع عن حقوقهم. ويمثل ميلاد هذا الاتحاد حدثا هاما في تاريخ شعبنا ونقلة نوعية في مستوى تنظمه ووعيه ومؤشرا على رغبة التونسي في خلق أطر انتمائية حديثة لمواجهة المرحلة الموالية في تاريخه: مرحلة التحرر الوطني والاجتماعي.
وتجدر الإشارة الى أن تجربة محمد علي النقابية قد تجاوزت مشروع تحرير الطبقة العاملة من الاستغلال الرأسمالي الاستعماري لتطرح مشروعا أكثر طموحا وتكاملا. مشروع يدعو الى تحرير قوى المجتمع الكامنة لخوض معركة التحرير الوطني والنهوض الاجتماعي، ومن ابرز هذه القوى المرأة التونسية. ولذلك اقترنت حركة محمد علي بالمشروع الإصلاحي لرفيقه الطاهر الحداد الذي ناضل من أجل حقوق النصف الآخر للمجتمع حتى تتحرر المرأة من قيود التخلف والظلام وتساهم في معركة الكرامة الوطنية والتحرر الاجتماعي. فكان كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع تعبيرا عن شمولية المشروع الإصلاحي للحركة النقابية الناشئة وعن أهمية إزاحة المكبلات أمام قوى المجتمع المدني حتى تقوم بدورها تجاه الوطن.
واذا كانت تجربة محمد علي قد تم إجهاضها بعد وقت قصير، فان حشاد ورفاقه استوعبوا الدرس واستفادوا من تلك التجربة حتى تيسر لهم بعث الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946 والذي أصبح بعد أشهر معدودة أكبر قوة مدنية منظمة ذات قدرة تعبوية هائلة. وكان ايمان حشاد كبيرا بضرورة تنظيم المجتمع في مؤسسات مدنية تؤطر تحركاته وتقود نضالاته ضمن مشروع نهضوي وطني، فكان من الطبيعي اذا أن يدعم حشاد تأسيس عديد المنظمات المهنية والشبابية والثقافية والرياضية لا يزال بعضها ينشط الى اليوم كشاهد على دور الاتحاد في التأسيس للمجتمع المدني التونسي، ولعل الدور الذي لعبه في بعث الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد الوطني للفلاحين واتحاد طلبة شمال افريقيا وعدد من الجمعيات الثقافية والرياضية خير شاهد على هذا الجهد الذي بذله الاتحاد منذ السنوات الأولى لتأسيسه.
وفي الستينات بعث الاتحاد عديد التعاونيات والتعاضديات العمالية المستقلة عن سلطة الدولة بما يتيح لنا اعتبارها شكلا من أشكال المجتمع المدني، لعبت دورا هاما في تنشيط الاقتصاد وإحداث مواطن الشغل والعناية بالرعاية الاجتماعية دون أن يكون هدفها الأساسي تحقيق الأرباح. ومنذ السبعينات، ومع تطور الحركة الديمقراطية في البلاد كان الاتحاد الفضاء الوحيد تقريبا الذي اتاح مجال التعبير لمجمل القوى الديمقراطية الناشئة فكان تواجدها في النقابات ونضالها في صلب الاتحاد الطريق الضروري لتأسيس الجمعيات والمنظمات غير الحكومية. والكل يعلم الآن دور الاتحاد في بعث الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي تولى مناصب قيادية فيها عند مرحلة التأسيس وكذلك بدايات جمعية النساء الديمقراطيات التي انحدر العديد من المناضلات المؤسسات لها من تجربة لجنة المرأة بقسم الدراسات بالاتحاد العام وكذلك الأمر بالنسبة لجمعية محمد علي الحامي وغيرها.
وفي مؤتمر 1993 بعث الاتحاد العام قسما جديدا في صلبه يشرف عليه أمين عام مساعد يعنى بالمرأة والشباب والعلاقات مع الجمعيات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يؤكد الأهمية التي يوليها اتحادنا لدور المجتمع المدني في نشر الوعي الديمقراطي ومبادئ حقوق الإنسان والدفاع عنها ورغبته في توطيد العلاقة معها والبحث على محور عمل ونضال مشترك معها.
ويرتبط الاتحاد اليوم بعلاقات وثيقة مع العديد من الجمعيات غير الحكومية المستقلة التي تشاطرنا عديد المبادئ والأهداف وهو يتعاون معها وينظم معها عديد الأنشطة وكتتويج لهذه العلاقات وتراكمها يناقش اتحادنا اليوم مع هذه الجمعيات إمكانية بعث منتدى اجتماعي تونسي يكون إطارا آخر للحوار والعمل المشترك من أجل تقديم الخدمات لشعبنا والدفاع عن حقوقه المادية والمعنوية ومناهضة كل أشكال التمييز والتهميش وحماية الحقوق المدنية للمواطنين، ونأمل أن يفضي هذا الحوار الى بعث هذا المنتدى حتى يشكل نقلة نوعية في حركة المجتمع المدني ببلادنا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.