رئيس الجمهورية يزور مقر وزارة الدفاع الوطني، ويشيد بجهود القوات المسلحة في القضاء على إرهابيين اثنين    أسامة الخليفي: قلب تونس لن يمنح الثقة لحكومة الفخفاخ ..وسيكون معارضة بناءة.    الغاء موسم الحج لسنة 2020: مسؤول بوزارة الصحة يوضح    قائمة الكتل التي ستصوّت لفائدة حكومة الفخفاخ    [صور+تسجيل] مدنين: إضراب تجار الجملة للخضرر والغلال يلقي بضلاله على تجار التفصيل وإغلاق كل محلات السوق المركزي    أمر حكومي يسمحُ بتكوين شركات للإنتاج الذاتي للكهرباء من الطاقات المتجددة وبيعهُ لكبار المستهلكين    قيس سعيد يشيد بجهود القوات المسلحة في القضاء على إرهابيين اثنين    مصر تودع حسني مبارك في جنازة عسكرية…والرئيس السيسي في مقدمة المشيعيين    الغاء التأشيرة على التونسيين الوافدين الى جنوب افريقيا    جبل الجلود.. القبض على عنصر تكفيري محل حكم بالسجن لمدة 03 سنوات    كأس العرب تحت 20 سنة: تفاصيل الاجتماع الفني الخاص بمباراة ربع النهائي بين تونس والجزائر    الاتحاد الافريقي يمنع زيمبابوي من استضافة مباريات دولية    تونس: سقوط تلميذ من الطابق الثاني لمعهد بسوسة    جندوبة: مروجو المخدرات أمام الجامعة في قبضة الأمن    4 مؤسسات عمومية كبرى تواجه الإفلاس..و100 مؤسسة أخرى في الطريق…    إيطاليا تعلن: 12 وفاة و374 إصابة بفيروس كورونا    راشد الغنوشي يدعو الى مصالحة وطنية شاملة    مع وصول كورونا لإيطاليا والجزائر.. نفاد مخزون الأقنعة الطبية من السوق التونسية    حالة الطقس ليوم الخميس 27 فيفري 2020    النفيضة.. معركة "حامية الوطيس" بين معلمتين ومندوب التربية على الخط    كرة اليد (مرحلة التتويج).. برنامج مباريات الجولة الخامسة    ليلى حداد : خطاب الفخفاخ سيكون فعالا وليس مجرد شعارات    القصرين: العثور عن جثة إرهابي ثان بالمنطقة العسكرية المغلقة بجبل السلوم وحجز سلاح كلاشينكوف وذخيرة    بعد أحداث مباراة سليانة ..هيئة النجم الخلادي تدعو رابطة الهواة للاستماع للحكم كريم محجوب    القبض على 3 اطراف.. جريمة حي الرياض تبوح باسرارها    بورصة تونس تبدأ معاملات حصة الأربعاء على وقع ايجابي    بنزرت : دخول القيمين والقيمين العامين في إضراب بيومين    السراج: من حقنا التعاون مع تركيا ضد قوات حفتر    فيروس كورونا: خريطة انتشاره في العالم والإصابات المسجلة    معبر راس الجدير : رئيسا مكتبي تونس للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين والمنظمة العالمية للهجرة يتعهدون بتقديم مساعدات لمدنين للاستقبال الأولي للاجئين المحتملين[ صور]    معاذ بن نصير: هكذا يتعامل التونسي مع ''الكورونا''    رابطة نابل لكرة القدم .. لهذا السبب تأجلت الجولة الرابعة إيابا    كرة اليد ..المنتخب التونسي يؤكد مشاركته في كاس القارات    رابطة الابطال .. قمّة واعدة بين الريال ومانشستر سيتي    الفخفاخ: ''لازلنا بعيدين عن انجاز الانتقال الاقتصادي والاجتماعي''    ''كورونا'': فريق طبّي تونسيّ يتوجّه إلى إيطاليا    في الحب والمال/ هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    ينطلق اليوم بالشراكة بين مركز أعمال صفاقس ووكالة النهوض بالصناعة والتجديد ...صالون المؤسسة فرصة لدعم الاستثمار    بنك تونس العربي الدولي يمدد فترة الاكتتاب في قرضه الرقاعي    دورة الدوحة الدولية.. انس جابر تواجه المصنفة 3 عالميا في الدور 16    بتهمة ''التخابر مع إيران''، القضاء السعودي يحكم بالإعدام على مواطن وبالسجن ل7 آخرين    سليانة..مندوبية الفلاحة تطالب بترشيد استغلال مياه السدود    ألمبياد المطالعة بين خمس ولايات..من أجل نشر ثقافة القراءة    مرافئ فنية    عروض اليوم    وثيقة دفن مبارك.. تكشف أسباب وفاته    القصرين: مقتل 3 فيهم زوجان صدمتهم سيارة اثر مجاوزة ممنوعة    بوعرقوب: رضيع على قارعة الطريق    النجم المصري كريم قاسم ل"الصباح الأسبوعي" السينما التونسية تدعو للفخر.. و"بيك نعيش" تجربة مهمة    في النقابة التونسية لقطاع الموسيقى.. انقسام الهيئة المديرة الى شقين    توقيع مذكرة تفاهم بين غرفة تركيب وصيانة المعدات الفولطوضوئية و''سولار باور أوروبا''    رفيق عبد السلام: من لا يشكر قطر لا يشكر الله    البنك الألماني للتنمية يقرض تونس 27،5 مليون أورو    نجوى كرم تسخر من كورونا: في لبنان النفايات تكفي لقتل كل الفيروسات    النادي الثقافي الطاهر الحداد : أجواء احتفالية في افتتاح مهرجان الجاز    في الحب والمال/ هذا ما يخفيه لكم حظكم اليوم    حقائق جديدة يظهرها الطب الشرعي في قضية القتيل في فيلا نانسي عجرم    غدا الثلاثاء مفتتح شهر رجب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





»دور النقابات في مرحلة التحوّل الديمقراطي والاجتماعي«
نشر في الشعب يوم 08 - 10 - 2011

بالتعاون بين قسم التكوين النقابي والتثقيف العمالي ومكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة وبإشراف الأخ الأمين العام عبد السلام جراد وحضور الدكتور يوسف القريوتي مدير الفريق الفني للعمل اللائق لدول شمال إفريقيا ومدير مكتب منظمة العمل الدولية بالقاهرة والأخ محمد الطرابلسي كبير المستشارين للأنشطة العمالية بمكتب المنظمة، انعقدت يوم 20 سبتمبر 2011 الجلسة الافتتاحية لندوة »دور النقابات في مرحلة التحول الديمقراطي والاجتماعي« فتم الترحيب بالمشاركين وبالإخوة الأمناء العامين المساعدين المرافقين للأخ الأمين العام والتنويه بدعم منظمة العمل الدولية لهذه الندوة انسجاما مع موقفها المساند للثورة التونسية والحريص على تحقيق استحقاقات الانتقال الديمقراطي السياسي والاجتماعي وفي مقدّمتها العيش الكريم والعمل اللائق لجميع التونسيين، الأمر الذي أكّده الدكتور يوسف القريوتي في كلمته حيث كان تأييد المنظمة للثورة مبدئيا وحتى قبل أن تكتمل الصورة خاصة وأن دور الاتحاد كان حاسما في تأييدها واحتضانها، منوّها في كلمته بهذا الدور الذي ما فتئ يضطلع به الاتحاد العام التونسي للشغل على المستوى الوطني وأيضا على المستوى الإقليمي والدولي ومعبّرا في نفس الوقت عن استعداد منظمة العمل الدولية لتقديم ما يمكن تقديمه حتى يستمر الاتحاد العام التونسي للشغل في لعب دوره الفاعل والنشيط.
أما الأخ عبد السلام جراد فقد شكر منظمة العمل الدولية على دعمها للمنظمات النقابية حيث تظل دائما في حاجة إلى المؤازرة والدعم، مبرزا في كلمته مُبرّرات احتضان الاتحاد العام للثورة وتأطيرها - حيث كانت ضد الهيمنة والحيف الاجتماعي والتضييق على الحريات والحقوق مستعرضا المطالب المرفوعة غداة سقوط النظام وفي مقدمتها حل البرلمان وحلّ مجلس المستشارين وحل التجمع الدستوري الديمقراطي وبعث مجلس لحماية أهداف الثورة من أجل العمل على انتخاب مجلس تأسيسي يصوغ دستورا جديدا للدولة التونسية يحقق نقلة نوعية في حياة شعبنا ويؤمّن له حياة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تقوم على مبدإ المواطنة الكاملة الرافضة لجميع أشكال الميز والتهميش والإقصاء والانغلاق.
وقد أشار الأخ الأمين العام إلى ما عرفت به بلادنا من تقاليد تتعلق بالحوار الاجتماعي، وإن تراوحت هذه التقاليد بين المدّ والجزر فإنها أرست دورية للمفاوضة الجماعية بما انعكس إيجابا على تطوير التشريع الاجتماعي، ومتابعة منتظمة للقدرة الشرائية للأجراء، وقد حققت منظمتنا بعد الثورة مكاسب لا يستهان بها كإدماج آلاف العمال الوقتيين، العاملين بالمناولة (بعقد من الباطن) أو العرضيين في المؤسسات العمومية والوظيفة العمومية ومنظمتنا تتطلع إلى سحب نفس الإجراء على عمال القطاع الخاص، وإن هذه الإنجازات جميعا تسمح لاتحادنا بأن يقترح على منظمة العمل الدولية إنشاء مكتب للحشوار الاجتماعي يكون مقرّه تونس.
كما التمس الأخ الأمين العام من المنظمات الدولية مساعدة بلادنا على تخفيف المديونية حيث لا ديمقراطية بدون تنمية، والعمل على تنشيط السوق السياحية التونسية المحفوفة حاليا بالأمن والأمان والمعاينة أقوى دليل على ذلك.
هذا وقد كانت جلسة الافتتاح مناسبة لاستعراض فقرات برنامج الندوة تمهيدا لابتداء فعالياتها في الحصة المسائية.
❊ الفعاليات:
قّدم الأستاذ المولدي لحمر مداخلة تأطيرية بعنوان »الثورات العربية: أسبابها، أهدافها ودورها في التأسيس للديمقراطية« استهلّها بالإشارة إلى استحالة الإحاطة بجميع أسباب الثورات العربية لتعدّدها وتشابكها، مركزا في سياق استعراضه لأهمها على الأسباب المادية التي اعتبر أن قيمتها لا يمكن أن تكتمل إلا بالتعرف على خصائص الشرائح الفاعلة فيها إضافة إلى عوامل أخرى لا تقل أهمية لكنها منفردة لا تصنع ثورة كانتشار الفقر وتعمقه وتنامي مظاهر الإقصاء والتهميش.
ثم تولى المتدخّل تعريف الثورة مشدّدا على مدلولاتها الاجتماعية والسياسية. فالثورة في معناها الاجتماعي تتجاوز الأسباب المؤطرة في الزمان والمكان وهي بالمحصلة مسار بطيء ومتذبذب تتخلّله إلتواءات وتراجعات. وانطلاقا من هذا المفهوم يمكن الجزم بأن تونس تعيش مسارا ثوريا منذ ما يزيد عن نصف قرن.
أما من الناحية السياسية فيمكن نعت أعمال احتجاجية تفضي إلى إسقاط نظام معين بالثورة بصرف النظر عن الفئات الاجتماعية الفاعلة فيها.
هذا وقد قدّم الأستاذ أهم الفرضيات التي اعتمدت في تفسير الثورات مسهبا في شرح ثلاث منها:
1) الفرضية الماركسية التي تنطلق من الاعتقاد بأن الثورات تنفجر عندما تعجز علاقات الإنتاج عن استيعاب قواه، ملاحظا بأن هذا التفسير هيكلي يضطرّ الباحث إلى استكناه ما يربط البنية بالحدث.
2) الفرضية الثانية وتحاول البحث في الثورات الحديثة من خلال التأكيد بأن العصر الحديث هو عصر الصناعة، وعليه فإن موضوع الثورات الرئيسي هو القضاء على البنى الريفية المتخلفة وصهر المجتمع في تيّار الحداثة.
3) الفرضية الثالثة تقول بأن المحرّك الرئيسي للثورات هو الفكر والثقافة، فالثورات قبل كل شيء هي ثورات فكرية يتبناها الفاعلون السياسيون ويترجمونها إلى برامج.
ثم تساءل عن فحوى ومغزى ما يجري في الثورات العربية وعن عناوينها، مؤكّدا بأن فهمها يتطلب تسليط الأضواء على سياقاتها التاريخية. فالثورات اليوم تُصنع على شاشات الفايسبوك، فالذين نزلوا إلى الشوارع ليسوا فلاحيين فقراء ولا عمالا صناعيين ولذلك لم نسمع بشعارات تستهجن الاستغلال، فالفاعلون في هذه الثورات لم ينتظموا في أطر سياسية منظمة بل كانوا يتحركون ضمن زمر متحوّلة وحّدتها الحاجة الماسة إلى مواجهة الاستبداد، ملاحظا أن غياب الروابط التنظيمية التي توثق صلة الجحافل الثائرة بالأطر السياسية والجمعياتية المستقلة والمناضلة لا يعني غياب أي دور لهذه الأخيرة في الحراك الثوري. فالاتحاد مثلا كان بمثابة المظلة التي احتمى بها الشباب والمنبر الذي كُسر بواسطته طوق التعتيم الإعلامي الذي ضربته السلطة على التحركات الاحتجاجية. كما أن الاستبداد الذي جثم على صدر الشعب قام على تدمير كل ما من شأنه أن يساعد على تشكّل نخب سياسية قادرة على قيادة حركة الجماهير على طريق خلاصها من الاضطهاد والدكتاتوية واستنتج المتدخل بأن من أهم خصائص السياق الاجتماعي العام هو أن التحولات التي شهدتها البلاد قد كشفت عن وضع خاص تمثّل في أن المفجّرين لهذه الثورة فقدوا سندهم الاجتماعي التقليدي جرّاء سياسات تجفيف المنابع التي اتبعتها دولة الاستقلال مما أنشأ وضعا تميّز باتّساع الهوة بين القيادات السياسية وبين الجماهير.
وفي محاولة رصده للقادح الذي أشعل فتيل الثورة، نبّه الأستاذ إلى أن المعطيات المتوفرة حول ارتفاع نسب البطالة وتفشيها تساعد على بناء علاقة بينها وبين الظاهرة الثورية لا غير، فالكلمة السحرية التي شحنها الثوريون بما يحتمل في أذهانهم وأبدانهم هي عبارة الكرامة، فالشعور بالكرامة المهدورة أخذ بعدا داخليا عميقا، حمله الأفراد قبل المجموعات خلال ممارستهم لحياتهم اليومية.
أما فيما يتعلق بمضمون الثورة، فالعقد السياسي الساري بين الحاكم والمحكوم قد تجاوز أمده. فبقاء الحاكم لم يعد خاضعا لأي اختيار، ومؤسسة الدولة المنظمة لعملية التبادل بين مختلف مكونات المجتمع أصبحت مؤسسة خاصة.
في مثل هذا السياق المتّسم بغياب التوازن في التبادل السياسي، أصبحت عديد الأصناف الاجتماعية تشعر بالإقصاء والغبن وفقدان الحق في بناء شروط تبادل سليم، ولذلك فإن من جملة ما عنته ثورة الكرامة استرداد صفة المواطنة أي التأسيس لحياة تتوفر على شروط تبادل متكافئة، أي أنها ثورة على التلف القانوني والمعياري الذي طبع حياة البشر، ومن ثمة فهي ثورة مؤسّسة للديمقراطية. وما يؤكّد ذلك مطالبة الشعوب بوضع دساتير جديدة تعيد الحق في المواطنة ببعديها السياسي والاجتماعي وتقطع مع الدجل السياسي.
أما المداخلة الثانية فقد أثّثها الأستاذ حمادي الرديسي وكانت بعنوان »الثورات العربية: الفرص والتحديات« قدّم لها بتعريف الثورة من حيث هي عملية تغيير جذري للبنى الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية والأنماط الثقافية عكس الانتفاضة التي تبقى محدودة في الزمان والمكان، وهو ما قاده إلى خلاصة مفادها بأن ما حدث في تونس لا يمكن بحال اعتباره ثورة.
وفي حديثه عن الفرص التي أتاحها الحراك الثوري في تونس، ركّز المتدخل على ثلاث محاور اعتبرها الأهم وهي:
1) الفرصة الأولى تتعلق بالمصالحة بين الإسلام والديمقراطية اعتبارا لكثرة المآخذ المتداولة على عدد من القيم الإسلامية المتنافية مع الديمقراطية مثل: الولاء، الهرمية والطاعة.
2) الفرصة الثانية تتصل بالمصالحة بين الطبقة العاملة والديمقراطية، فالتاريخ ينبئنا بأن الثورات الديمقراطية قادتها البورجوازية بينما لم تلعب الطبقة العاملة أدوارا ريادية في هذه الثورات.
3) الفرصة الثالثة وتتمثل في أن ما حدث وما يحدث يعتبر مرحلة تاريخية جديدة عنوانها البارز الثورة على الاستبداد مؤسسات ونظما تشريعية وبأن التوقف عند حدود التخلّص من الاستبداد مجسّما في شخوصه ينذر بإعادة إنتاج دكتاتوريات همجية ومن هنا مصدر التحديات التي تواجهها الثورات العربية والتي أجملها الأستاذ في ثلاثة تحديات كبرى:
1) المرور من الثورة إلى الإصلاح حيث لا يمكن للثورة أن تتواصل وتستمرّ وتدرك أهدافها دون تحويل للاقتصاد من اقتصاد هشّ إلى اقتصاد مصنّع، ودون قضاء على البطالة التي باتت تهدّد الجميع ودون إقرار تنمية جهوية متوازنة قائمة على التوزيع العادل للثروة وإدماج حقيقي للمناطق المحرومة والمقصية في دورة الاقتصاد الوطني.
2) التحدي الثاني ثقافي حيث يجب أن نضفي على الديمقراطية طابعا مدنيا من خلال الحيلولة دون وأدها بفعل سيطرة أطر انتماء ما قبل قومية وذلك بتمتين الروابط المدنية.
3) التحدي الثالث يتعلق بالنقابات، فالدولة التونسية عرفت توازنا غير مسبوق بحكم كونها دولة مهنية مستحدثة انبنت على أساس المقايضة أي أنها تقايض المهن والشرائح الاجتماعية بأن تمكنهم من احتكار التمثيل مقابل الحياد الإيجابي أو الولاء.
فالاتحاد هو المنظمة الوحيدة التي كانت تحكمها علاقة صراع مع الدولة، واليوم هو مدعوّ إلى مواصلة احتكاره لتمثيل العمال والدفاع عن الدولة المدنية.
هذا وقد تمحورت إضافات واستفسارات المشاركين في فعاليات الندوة، تفاعلا مع المداخلتين حول الإشكالات والقضايا التالية:
1) إن قوى الثورة لم تمسك بمفاتيح المشهد السياسي والاجتماعي مما يضعها أمام سلسلة تحديات كبرى لعلّ أهمها احتمالات النكوص والتراجع وإعادة إنتاج الدكتاتورية. تحديات لا يمكن رفعها ما لم تلعب القوى الثورية أدوارها كاملة في قيادة هذا الحراك حتى نهاياته المكرّسة للتحرر والانعتاق.
2) إن من أكبر المخاطر المحدقة بالحراك الثوري في تونس هو ضعف الذوات الثورية في مستوى إشعاعها أي صلاتها بالجماهير وخبرتها السياسية وصلابتها التنظيمية، وهذا هو العامل الذي يهيء التربة لاستنبات بذور عودة الاستبداد.
3) إن الجماهير التي عانقت الشوارع ورفعت مطالب منها الاجتماعي ومنها السياسي فيها نجد بعض أسباب هذا الحراك، وعليه فإن التحديات التي أفرزها تكمن في مدى القدرة على الاستجابة لهذه المطالب.
أمر يبدو بعيد المنال راهنا خاصة في ظل سيطرة قوى قفزت فجأة إلى المسرح السياسي وأمسكت بتلابيب مشهده تقودها خلفيات فكرية وسياسية وتحركها مصالح إن هيمنت حُرف هذا الحراك عن مساراته المؤدية إلى تكريس سيادة الشعب.
4) إن القول بأن الثورة طرحت عديد التحديات منها تصالح العمال مع الديمقراطية فيه الكثير من التجني والمبالغة فالربط بين سيطرة البورجوازية كطبقة اجتماعية وإشاعة مناخات ديمقراطية يحتاج إلى تنسيب، ذلك أن البورجوازية توقفت عن أن تكون ديمقراطية بما يعنيه ذلك من دكّ لنمط الإنتاج الإقطاعي ولشكل الدولة الاستبدادي الملائم له وإقامة نمط إنتاج جديد قائم على الإجارة هو نمط الإنتاج الرأسمالي.
فالبورجوازية في المستعمرات وفي أشباهها خانت مهامها التاريخية مما حدا بالطبقة العاملة وبأحزابها إلى الاضطلاع بهذه المهام، أي بناء جمهوريات ديمقراطية. وعليه فإن الثورة لم تكرس مصالحة العمال مع الديمقراطية بقدر ما يجب أن تجسّم مصالحة البورجوازية مع الديمقراطية.
5) إن السبب الرئيسي في الثورات هو إجهاض أسباب التحديث المختلفة. فالدولة المهنية المستحدثة لم تنهر وإنما تحوّلت إلى دولة زبونية هيمنت على الفضاء العام وولّدت نمطا من العلاقات الزبائنية التي ألغت الشعب وهمّشته وأخلّت بالعقد الذي كان يفترض أن يربط الدولة بالشعب.
6) لقد أنتج الحراك الثوري في تونس مفردات شاع استخدامها على نطاق واسع منها »الوفاق« الذي يشكل ضرورة لا استغناء عنها خاصة في مرحلة الانتقال الديمقراطي. لكن السؤال يبقى مطروحا حول مضمون الوفاق وأطرافه. فالحديث عن وفاق مع رأسمال طفيلي مثّل الركيزة الاجتماعية للدكتاتورية لا يستقيم، فالقول به لا يمكن إلا أن يوطىء لعودة الاستبداد.
7) إن إسهام الاتحاد في عملية الانتقال الديمقراطي ينبغي أن يعكس حجم مساهمته في الحراك الثوري، مساهمة تقتضي من المنظمة مواصلة لعب دورها كقوة توازن عبر حماية المكتسبات الثورية والتصدي لمحاولات الدفع بالمسار الثوري نحو منعطفات تبعده عن أهدافه الخادمة لمصالح الجماهير الشعبية.
8) لا يمكن أن نتحدث عن ثورة اندلعت بلا أسباب وعن حراك ثوري فجئي دون تراكمات فما حدث في تونس لم يكن من صنع شباب الفايسبوك فقط، فقد كان للطبقة العاملة دور كبير فيه، فهي التي تصدّت للخيارات الاقتصادية والاجتماعية المنتهجة من قبل الدكتاتورية بمظهريها البورقيبي والنوفمبري، ثم إن الإضرابات الجهوية والقطاعية التي سبقت 14 جانفي هي التي عجّلت بسقوط رأس حربة الاستبداد. وعليه فإن تقزيم دور الطبقة العاملة في المسار الثوري عمل ممنهج يصبّ في اتجاه الالتفاف على هذا المسار.
9) ليس من السهل التفكير في ثورة لم تستكمل، فالمسألة تتطلب مسافة زمنية كافية زيادة على أن تواتر نسق الأحداث يعسّر استشراف مآلات الحراك الثوري.
فالثورة تطرح تحدي المرور من الثورة إلى الإصلاح ومن ثقافة غير مدنية إلى ثقافة مدنية، ومن دولة مهنية مستحدثة إلى دولة مدنية، ولكنها تطرح إضافة إلى ما سبق تحديا سياسيا وثقافيا آخر هو المرور من أقلية محتجّة ومعزولة إلى أغلبية مدعوّة إلى البناء والانفتاح على الجمهور.
وتعقيبا على مداخلات المشاركين وملاحظاتهم، أكّد الأستاذ المولدي لحمر على أن مشاركة الطبقة العاملة الفاعلة في الحراك الثوري معطى ثابت لا يحتاج إلى برهان لكنها مشاركة افتقرت إلى المشروع المجتمعي، كما أن التركيز على دور وسائل الاتصال المستحدثة وإبرازه لا ينطوي على أي انتقاص من مقدار مساهمة العمال، فالمغزى هو أنها وسائل تحرّرت من قبضة الدكتاتورية أي وسائل أصبحت في متناول الجميع وخاصة فئة الشباب.
أما الأستاذ حمادي الرديسي فقد شدّد على ضرورة التمييز بين الوصف والمعيار، أي التشخيص والحكم الذي يمكن أن يكون فلسفيا أو سياسيا، فالأول لا يقبل النقاش أما الثاني فيقتضيه لأنه مبنيّ على الاجتهاد، مذكرا في هذا السياق بأن الطبقة العاملة لم تنجز كطبقة ثورات اجتماعية، وإنما نجحت في ذلك بوصفها طبقة مبشرة بمشروع مجتمعي جديد بفعل الوعي الذي نُقل إليها عن طريق المثقفين الثوريين.
أما فيما يتّصل بعلاقة العرب بالديمقراطية، فقد أشار إلى أن المجتمعات العربية لم تعش تجارب ديمقراطية وهذا لا يعني استحالة بناء مشاريع ديمقراطية فيها على عكس ما تروّج له بعض الدوائر المشبوهة في محاولة لتشريع استمرار سيطرتها على مقدّراتنا كعرب عبر إبراز حاجتنا إلى دروس في الديمقراطية ومساعدة على هضم مستوجباتها.
انطلقت أشغال الحصة الصباحية من اليوم الثاني بمحاضرة ألقاها الأستاذ المنجي المقدّم بعنوان »الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية: الأبعاد الجديدة للحوار الاجتماعي« وطّأ لها باستعراض أهم الأفكار الرئيسية التي تتمحور حولها وهي:
1 الديمقراطية السياسية تبقى ناقصة بدون الديمقراطية الاجتماعية.
2 الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية يوفران مناخا ملائما للحوار الاجتماعي.
3 الحوار الاجتماعي لا بدّ وأن يؤدّي إلى بلورة عقد أو ميثاق اجتماعي.
ثم تولى المتدخل في مرحلة لاحقة تعريف الديمقراطية من حيث هي نظام سياسي يعطي السيادة للشعب الذي يصبح مصدر السلطة، مستعرضا في ذات السياق تعريفا اعتبره الأفضل للديمقراطية قدّمه ابراهام لنكولن يؤكد فيه بأن " الديمقراطية هي حكومة الشعب بواسطة الشعب ولأجل الشعب"مميّزا بين محتويين للديمقراطية هما المحتوى السياسي والمحتوى الاجتماعي.
فالأول يفيد بأن الديمقراطية تهتم بحقوق المواطن السياسية وبمساهمته في الانتخابات وتكوين الأحزاب، مفصّلا المضمون السياسي للديمقراطية في:
1 المساهمة المباشرة للمواطن في ضبط الاختيارات السياسية للبلاد وفي تطبيقها.
2 إرساء التعددية السياسية أي ضمان الحريات الفردية والجمعية الخاصة والعامة.
3 العمل برأي الأغلبية مع احترام الرأي الأقلي.
4 توزيع السلطات في الدولة أي تعدّد المؤسسات الممارسة للسلطة.
إن المضامين سابقة الذكر لا يمكن أن تصبح قوة فعل في الواقع دون برلمانات منتخبة انتخابا حرا نزيها شفافا مباشرا وسريا، تمارس وظائفها كاملة في سنّ القوانين والمصادقة على الميزانيات ومراقبة السلطة التنفيذية فيما يخص احترامها للحريات وتحقيقها للمساواة السياسية والاجتماعية في المجتمع.
أما العمق الثاني للديمقراطية فهو اجتماعي الطابع يجب تجسيمه في تحرير المواطن من الفقر والتهميش والنهوض بأوضاعه المادية من خلال إرساء مبادئ العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل لخيرات البلاد أي لنسب النمو التي يعتبر الشغالون طرفا أساسيا في تحقيقها.
فالديمقراطية الاجتماعية تمكّن المواطن حينئذ من حقوقه الاجتماعية التي تؤمّن له عيشة تليق بكرامة البشر وتعيد له اعتباره، وهي إجمالا تعتمد على ثلاثة مبادئ أساسية:
1 الحريات الفردية والجماعية
2 المساواة والعدالة الاجتماعية
3 التضامن الاجتماعي
هذا وقد أكّد المحاضر بأن الديمقراطيتين تتكاملان، فالعدالة الاجتماعية هي شرط الحرية وانسجام الإرادة الخاصة مع الإرادة العامة، مشيرا إلى أن الدول الرأسمالية وكذلك الدول النامية كثيرا ما تلعب دورا معرقلا للديمقراطية الاجتماعية، ذلك أن هدف النظام الرأسمالي يبقى دائما الربح الجشع وافتكاك مزيد من الامتيازات الطبقية على حساب أغلبية المواطنين، امتيازات كثيرا ما تستعمل للحصول على سلطة غير شرعية تمكّن من التدخل في شؤون الدولة وتوجيه سياساتها من خلال ممارسة ضغوطات اقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية.
وفي معرض رصده للأبعاد الجديدة للحوار الاجتماعي في تونس، اعتبر المتدخل بأن إرساء حوار اجتماعي حقيقي يعدّ الوسيلة الأسلم والطريقة الأمثل من أجل تحسين المناخ الاجتماعي عبر ايجاد تسويات متوازنة بين الأطراف الفاعلة وبالمحصلة تعزيز تنافسية المؤسسة وتطوير قدراتها التشغيلية، مؤكدا بأن نجاح الحوار الاجتماعي يتطلب ترسيخ مناخ ديمقراطي يمكّن من المشاركة بفعالية في هذا الحوار والانخراط في المسارات الضامنة لازدهار المؤسسة، وهذا يعني أن نجاح الحوار الاجتماعي يفترض نشر ثقافة الانتماء إلى المؤسسة من خلال تحفيز العمال ماديا ومعنويا وتحسين ظروف عملهم. ولعل الأجواء الجديدة السائدة اليوم في تونس والتي تشهد عملية بناء تدريجي للديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية تهيء بدون شك الأرضية الملائمة لمرحلة جديدة من التوافق والمصالحة بين مختلف الأطراف على قاعدة دراسة دقيقة ومتأنية لأوضاع الاقتصاد الوطني من أجل ضبط الإصلاحات الضرورية على المدى القصير والمتوسط والطويل.
هذا وقد توقف الأستاذ عند مخاطر غياب الحوار الاجتماعي كتفاقم النزاعات والتوترات الاجتماعية وتدني إنتاجية المؤسسات الاقتصادية وتفشي مظاهر الفساد والضغط على الحريات وتعمّق الفوارق الاجتماعية، مستنتجا أن انعدام الحوار الاجتماعي له تكلفة اقتصادية واجتماعية باهضة، لأن كل فشل أو تعثّر للحوار الاجتماعي سيضطر الدولة إلى التدخل من أجل تسوية كل التفاصيل المتعلقة بالعلاقات الشغلية، أي أن الدولة ستلجأ إلى تطبيق القانون وهو ما من شأنه أن يزيد في إضعاف الحوار الاجتماعي. وبذلك سيجد المجتمع نفسه في حلقة مفرغة: غياب الحوار الاجتماعي يقود إلى استعمال القانون واستعمال القانون يؤدي إلى إضعاف الحوار الاجتماعي.
أما شروط الحوار الاجتماعي الناجع فقد أجملها المحاضر في ثلاثة هي:
1 توفر إرادة سياسية صادقة تدفع إلى الحوار الاجتماعي وتعمل على إنجاحه.
2 وجود منظمات قوية، مستقلة وممثلة.
3 الأخذ بعين الاعتبار مشاغل الأطراف الاجتماعية مثل:
أ الحماية الاجتماعية.
ب الأجور والمنح والحوافز
ج التعليم والصحة والسكن
د قوانين العمل والسياسات الاقتصادية والاجتماعية
ه ظروف العمل والتشغيل ومقاومة البطالة والفقر والأميّة.
كلّ هذه المسائل يجب التحاور بشأنها والخروج بتوصيات وقرارات في إطار اتفاقيات مشتركة مع تركيز آليات مراقبة ومتابعة لفضّ النزاعات إن وجدت.
وبالنسبة إلى حوار الاجتماعي في تونس، فقد أشار المتدخل بأن المطروح اليوم في تونس ليس ملاءمة الحوار الاجتماعي مع الواقع الجديد، بل القطع مع الماضي وإعادة بناء حوار اجتماعي على أسس جديدة تستند إلى الآفاق الواسعة التي أتيحت في مجال الحريات والديمقراطية وما توفّره من إمكانيات فتح مشاورات واسعة واتخاذ التدابير اللازمة في ما يتعلق بالديمقراطية الاجتماعية وذلك عبر:
1 التفريق بين ما هو من مشمولات القانون وما هو من مشمولات المفاوضات، فالقانون يحدّد الإطار العام والأطراف الاجتماعية تحدد المناهج.
2 تنظيم الحوار الاجتماعي خاصة فيما يتعلق بقواعده وبتمثيلية النقابات.
3 فتح مفاوضات حول المسائل الاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية وذلك من أجل المصالحة بين التنافسية والتشغيل والرقيّ الاجتماعي.
****
ا 4 تطوير مفهوم العمل اللائق من خلال إقرار زيادات مرموقة في الأجور بصورة منتظمة ووفق معايير واضحة:
توفير الشغل والحدّ من البطالة.
فتح الآفاق المهنية بواسطة الترقيات
تحقيق مبدأ المساواة في الحقوق بين كل الشغالين.
وفي خاتمة مصافحته خلص المتدخل إلى أن تدعيم الحوار الاجتماعي وإنجاحه يقتضي تكريس فكرة العقد أو الميثاق الاجتماعي بمعنى إرساء مجتمع تتوافق مختلف شرائحه على مجموعة من القيم والمبادئ السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي يتوحّد حولها التونسيون، ذات طابع إلزامي ومنتجة لآثار قانونية.
وتفاعلا مع المداخلة، تمحورت تدخلات المشاركين حول القضايا التالية:
1 إن الديمقراطية الاجتماعية لا يمكن تحقيقها إلا في إطار ديمقراطية سياسية تقوم على احترام الحريات العامة والفردية. على أن الديمقراطية الاجتماعية، بما تحمله من مكوّنات، يستحيل ضمانها إلا من خلال دستور تشكل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية جزءا أساسيا فيه.
2 إن الديمقراطية الاجتماعية هي هدف، الاتحاد هو المنظمة الأقدر على إدراكه. إلا أن الإشكال المطروح اليوم يتعلق بحجم تمثيلية الاتحاد ومستقبلها في ظل واقع موضوعي جديد تكرّست فيه التعددية النقابية.
3 إن الصلة الوثيقة بين الديمقراطيتين تضع الاتحاد أمام مهام مركّبة، تزداد تعقدا في ظل وضع يتميز بحالة من الانفلاق الحزبي تلازمها هجرة كثيفة للكوادر النقابية صوب أطر حزبية ناشئة.
4 إن الحوار الاجتماعي متعدّد المستويات، إذ يمكن أن يجري على الصعيد الوطني والقطاعي والمؤسسي، ومن هنا واجب التمييز بينه وبين المفاوضة الجماعية التي تعتبر أضيق على مستويي المجال والأطراف.
5 إن المقاربة الرابطة بين الديمقراطية الاجتماعية والديمقراطية السياسية قد قطعت مع المفهوم الليبرالي للديمقراطية المرتكز إلى قواعد تكرّس هيمنة مالكي وسائل الإنتاج على دواليب الدولة ومفاصلها وتنهي إلى قبر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسواد الأعظم في المجتمع، كما قطعت كذلك مع الدعوات المؤكدة على أن تحقيق تنمية مستدامة متعذّر في مناخات سياسية يعسر ضبطها وهو ما مهّد لنشأة أنظمة شمولية كرّست استعباد واسترقاق شعوبها.
فالديمقراطية السياسية منفردة تؤدي إلى استلاب المواطنة الاجتماعية، والديمقراطية الاجتماعية بمفردها تفضي إلى تجريد المواطن من مواطنته السياسية.
6 إن السياسة هي تعبير مكثف عن الاقتصاد، تعود لتؤثّر فيه إبطاء أو تسريعا، وهو ما يعني بأن الديمقراطية السياسية التي كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة تفقد معانيها في غياب مضمون اجتماعي يجسم الحقوق الأساسية للشغالين وفي صدارتها:
الحق في الشغل وفي اختياره.
الحق في الأجر المناسب والقار.
الحق في ظروف عمل حافظة لصحة العامل
المساواة بين العمال والعاملات تأجيرا وتوظيفا
الحق في الحماية الاجتماعية للعامل ولأسرته
الحق في التكوين والتدريب المهنيين بمختلف أنماطهما.
الحق النقابي باعتباره كلا لا يقبل التجزئة
الحق في العمل القار وفي الحماية من فقدانه أو الحرمان منه.
المساواة في المعاملة دون تمييز مؤسس على خلفية الجنس أو المعتقد أو غيرهما.
7 إن للحوار الاجتماعي تحديين كبيرين، أوّلهما داخلي يتعلق بكفاءة الإطار النقابي وقدراته ومدى تحليه بالنقدية الكاملة عند تقييم المنجزات، أما الثاني فيتّصل بذهنية الطرف المقابل وتمثلاته لمفهوم الإنتاج والإنتاجية ولدور العمال في النهوض بالمؤسسة.
وتعقيبا على استفسارات وإضافات المشاركين، نفى الأستاذ وجود أي تناقض بين العمل النقابي والعمل الحزبي متى فرّق المناضل النقابي بين الدورين واحترم التخوم الفاصلة بين النقابة من جهة والحزب من جهة ثانية، مضيفا أن انضمام النقابيين إلى الأحزاب السياسية لا يضعف الاتحاد بقدر ما يزيده قوة متى رُوعي الشرط آنف الذكر، ومتى أعاد الاتحاد النظر في قوانين اشتغاله الداخلية في اتجاه دمقرطتها، مؤكدا على أن أحد أهم الشروط الضامنة لاضطلاع الاتحاد بمهامه كاملة وعلى أفضل الوجوه في إرساء تقاليد حوار اجتماعي دائمة هي التمثيلية التي يتعيّن على المنظمة دعمها بتوخّي استراتيجيات تفاوضية تعزّز الانتساب إليه وبمراجعة آليات عمله مواكبة للمستجدات وتأقلما مع المتغيرات.
أما الجزء الثاني من الحصة الصباحية، فقد أثّثه الأستاذ صالح الزغيدي بمداخلة بعنوان »العلاقات بين الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات غير الحكومية« قدّم لها بالتأكيد على أن العلاقة بين النقابة من جهة والأحزاب من جهة ثانية شكّلت هاجسا مؤرقا بالنسبة إلى الاتحاد، مشيرا إلى أن الإشكاليات التي تثيرها العلاقة بين هذا الثالوث ليست بحديثة فقد أثارت تاريخيا جدلا واسعا ومحتدما وتسبّبت في صراعات وخصومات شديدة أغلب الأحيان، لافتا الأنظار إلى أن الحديث عن هذه العلاقة يقتضي طرح إشكالية العلاقة بين العمل النقابي والعمل السياسي، وهي إشكالية يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر أي أنها ظهرت مع ظهور النقابات على المسرح الاجتماعي.
فالعمل النقابي، دون الغوص في مفاهيمه المتعددة تعدّد مشارب أصحابها، عمل يقوم على مواجهة أصحاب رأس المال. أما العمل السياسي من منظور الأحزاب المناهضة للرأسمالية والمنادية بالاشتراكية فجوهره مقاومة رأس المال.
فالمنطلقات إذن مختلفة، دون أن يعني ذلك انتفاء إمكانيات الالتقاء، فإذا كانت النقابات تعمل في إطار النظام الرأسمالي من أجل تحسين شروط استغلال العمال فإن الأحزاب العمالية تدفع في اتجاه تقويضه وبناء مشروع مجتمعي على أنقاضه يستند إلى جتمعة ملكية وسائل الإنتاج.
وقد تخلّص المتدخّل إلى أن المعركة في حقيقة الأمر واحدة يضيق أفقها في حالة العمل النقابي ويتّسع في حالة العمل السياسي، موضّحا بأن هذا الوضع قد ولّد لدى الأحزاب السياسية الثورية نزوعا للسيطرة على النقابات والهيمنة عليها وتقييدها بأنساق وتكبيلها بأحكام سياسوية »الطابع« مضيفا بأن هذا الإشكال قد تطور على امتداد القرن العشرين واتّسع نطاقه الجغرافي ليشمل إضافة إلى البلدان الأوروبية البلدان الرازحة تحت استعمارها وأخذ مظهرا جديدا عبّرت عنه تخريجات تدعو صراحة إلى واجب أن تكون النقابة في خدمة الحزب الذي يمثّل وحده طليعة الطبقة العاملة، ورأسها المفكرة القادرة على فهم قوانين الصراع الاجتماعي، وقيادة نضالها في اتجاه دكّ الرأسمالية قابلتها صيحات فزع انطلقت من خارج ومن داخل النقابات طالبت بضرورة حماية استقلالية النقابات عن الأحزاب، رؤيتان تقفان على طرفي نقيض، ألقى الصراع بينهما بظلاله على الحركة النقابية العالمية CSI من جهة تدعمها الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وFSM من جهة ثانية تساندها الدول الاشتراكية عصرئذ، ولم يحسم هذا الصراع إلا في الآونة الأخيرة على إثر اندماج المنظمتين منذ ما يناهز 6 سنوات على قاعدة احترام الحريات النقابية وصيانة استقلالية النقابات عن الأحزاب السياسية.
هذا وقد شدّد الأستاذ على أن تونس لم تكن بمنأى عن هذه التجاذبات، وجدير في هذا السياق التذكير بأسباب خروج حشاد ورفاقه من CGT ودعواته وتمسّكه إبّان تأسيس الاتحاد باستقلالية المنظمة الوليدة عن الأحزاب حماية لها من كل الشروخ والتمزقات التي قد تنجم عن محاولات بسط السيطرة والنفوذ التي تبذلها الأحزاب تأمينا لذراع اجتماعية تعمل لحسابها وتدافع عن برامجها وتسوّق لخياراتها وسياساتها، مضيفا بأن نشأة الاتحاد على قاعدة التشبّث بالاستقلالية كقيمة لا يعني انعزاله عن محيطه وغياب أي اهتمام لديه بالشأن العام بل على العكس فقد لعب أدوارا كبرى في معارك التحرّر من ربقة المستعمر، ونُسجتْ بينه وبين حزب الدستور تحالفات عديدة امتدت إلى ما بعد 56 دون أن يتنازل عن استقلاليته التي ظلت حجر الزاوية في فعله النقابي وأحد أبرز أسباب تمأزق العلاقات إلى حدّ التصادم بينه وبين السلطة 63 65 78 85)، مستنتجا بأن المطلوب من الاتحاد هو التزام اليقظة والحذر في علاقة باستقلاليته التي ستبقى موضوع صراع مستمر ودائم ذلك أن محاولات التدجين التي تقوم بها السلطة ستتواصل ولن تتوقف لما تمثله النقابات من ثقل اجتماعي.
وقد توقف المتدخل مطولا عند مفهوم الاستقلالية وأدوار النقابة معتبرا أن الاستقلالية لا يمكن بحال أن تختزل في ممارسة النقابات لأدوار حرفية ضيقة، أي أن الاستقلالية لا يمكن أن تؤدي إلى فصل النقابة عن الهموم والشواغل الوطنية، زيادة على أن نهوضها بأدوارها الكلاسيكية المتمثلة في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمنظوريها مستحيل دون اهتمام بالمناخ السياسي للتنمية.
فالاتحاد منظمة وطنية نمت وترعرعت في خضم حركة التحرّر الوطني والانعتاق الاجتماعي، لا يمكن حصر أدواره في المسائل المهنيّة المحدودة. حقيقة يؤكدها تاريخه ويثبتها قانونه الأساسي الذي يدعو صراحة إلى النضال من أجل بناء مجتمع ديمقراطي يضمن حرية التعبير والرأي ويرسّخ الحريات العامة والفردية ويحترم حقوق الإنسان. فالاتحاد مدعوّ إلى لعب أدوار سياسية تضمن مصالح الأجراء عبر المساهمة في مناقشة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية باعتبار انعكاساتها على الشغالين. وما تجاوز ذلك يعتبر مباشرة للعمل السياسي، فتمثيل النقابات في الحكومات مثلا يتناقض مع مهامها إذ لا يمكن أن تكون النقابات سلطة وسلطة مضادة في ذات اللحظة.
وعند حديثه عن الجمعيات، أشار المتدخل بأن علاقتها بالنقابات يفترض أن تكون تكاملية اعتبارا لكثرة القواسم المشتركة فيما بينها. فالجمعيات تجمع المنتسبين لها على أساس موضوع أو مشغل محدّد أو أصناف اجتماعية معنية، أما النقابات فالانضمام إليها يقع على أساس مهني وعليه فإن نضالها أشمل وأوسع محتوى ومستفيدين.
هذا التقارب بين العمل النقابي والعمل الجمعياتي، يحتّم على الاتحاد الانخراط بحزم وقوة في المسارات الهادفة إلى إغناء وإثراء المشهد الجمعياتي ودعمه.
وقد تركّزت تساؤلات واستيضاحات المشاركين، تجاوبا مع المداخلة، على الإشكاليات والمسائل التالية:
1 إن الحديث عن الاستقلالية النقابية يستحيل هضمه في ظل مرحلة انتقال ديمقراطي مفتوحة على عديد الاحتمالات خاصة في ظل الطفرة الحزبية المهولة، فهو لا يعني في مثل هذه الملابسات سوى تحييد الاتحاد واستقالته وبالنتيجة التمكين للقوى المتربصة بالثورة.
2 إن استقلالية المنظمة احدى ثوابتها الثلاث، ولقد شكلت لسنوات طويلة شعارها المركزي الذي عنى لعموم النقابيين الاستقلالية عن نظام مستبدّ أطيح برأس حربته ولا تزال مهمة تفكيكه كمنظومة مطروحة بإلحاح. وعليه فإن المطالبة باستقلالية المنظمة بمعنى استقالتها من المشهد السياسي في هذه المحطة التاريخية الفارقة هو من قبيل تجريد قوى الثورة من أحد عناصر قوتها الضاربة.
3 إن عملية الانتقال الديقراطي وضعت الاتحاد أمام جملة من المستوجبات منها ما يتّصل بعلاقته بمختلف الفاعلين السياسيين ومنها ما يتعلق بارتباطاته بمكونات النسيج الجمعياتي، وأهمها ما ارتبط ببنيته الداخلية وقانونه وآليات عمله وتوجهاته التي يتعين أن تعمّق علمية الانتقال الديمقراطي وتدفعها قدما في اتجاه القطع نهائيا مع الاستبداد والتأسيس لمجتمع تحترم فيه الحريات العامة والفردية.
4 إن الاتحاد مطالب اليوم بحسم أمره في علاقة بمسألة الاستقلالية التي ينبغي أن يتّسع مفهومها لمعنيين مرتبطين عضويا: مسافة تفصل العمل النقابي عن الاستبداد وعن القوى التي تدعمه، وانحياز للديمقراطية وحواملها.
هذا وقد كان من فعاليات الحصة المسائية لليوم الثاني تناول مسألة هيكلة الاتحاد العام التونسي للشغل، هذه المسألة المزمنة والتي اقتضى إعادة طرحها بإلحاح الواقع الجديد، وقد حاضر في شأنها الأخ محمد الطرابلسي فاعتبرها ليست مجرّد شأن تنظيمي، وإنما هي إضافة إلى ذلك مهام ومحتوى، وهي وعاء بواسطته يمكن إنجاز المهام فتناولها بإعادة النظر فيها يستهدف أساسا الإصلاح وتطوير أداء الاتحاد، وقد استعرض المحاضر المبادرات المحتشمة لإعادة الهيكلة والتي من بينها مراجعة طريقة التصويت في الهيئة الإدارية باعتماد قاعدة التمثيل النسبي، ورغم أن هذا الإجراء مؤشر للرغبة في تطوير الممارسة داخل الاتحاد إلا أنه لم يجد طريقة للتنفيذ، وعموما فقد اعتبر المحاضر بأن توسّع القاعدة الجغرافية وقاعدة المنتسبين للاتحاد يتوجّب معه إدارة هذا التوسع خاصة وأن المنظمة لم تولد حرفية فحسب، وإنما كانت منذ تكوّنها حاملة لمشروع مجتمعي بالإضافة إلى كونها أصبحت جبهة نقابية سياسية تضم إضافة إلى المنخرطين العاديين كل من لا يجد صدى لأفكاره في مؤسسات الدولة: بحيث يتعين حماية هذه المنظمة النقابية من الانفجار، الأمر الذي يستوجب مجموعة من الإصلاحات أوكدها:
لأخذ بعين الاعتبار التركيبة الاجتماعية للعمال والتي أصبح أكثر من نصفها ينتمي إلى القطاع الخاص، بحيث يتعين تخليص المنظمة من هيمنة القطاع العام وعقلية القطاع الخاص على تسيير شؤونها.
مراجعة القانون الأساسي للمنظمة بصفة يصبح معها مؤهلا للإجابة عن كل الإشكالات التي تحصل أثناء الممارسة.
تخفيف القانون الأساسي وترك التفاصيل التطبيقية للنظام الداخلي.
اعتماد قانون أساسي يأخذ بعين الاعتبار التوصيات القطاعية) المناجم، البنوك، الأوضاع المادية والمعنوية للإطارات...) أجراء المؤسسات الصغرى والمتوسطة الذين لا يشكّل عددهم في المؤسسة نقابة أساسية وقد يقلّ عن الأحد عشر أجيرا.
ضمانا للشفافية وباعتبار أن المسألة المالية تعد جوهر التعاطي الديمقراطي يتعين تخليص المنظمة من التصرف الممركز فيها وتفعيل التسيير الذاتي المالي.
توحيد نقابات القطاع على أساس الإدماج الفعلي والفاعل تلافيا للابتلاع وذوبان المصالح.
تخليص الاتحاد من الهيكلة المركزية بالمرور إلى تجربة اتحاد النقابات بما يعني قوانين أساسية قطاعية وميزانية للقطاع تعميقا للديمقراطية والشفافية المالية، وعموما ايجاد صيغة بين الشكل الفدرالي والشكل المركزي والتفكير في الصيغ التي تجعل لاتحادنا نفس قوة التأثير على القرار الوطني في البلاد في ظل تعدد الفضاءات الديمقراطية.
تلافي طغيان الجانب الانتخابي في المؤتمرات بايجاد الصيغ التي تكفل التركيز على الاختيارات الأساسية حتى يكون المؤتمر بصفة فعلية أقوى سلطة في المنظمة.
إن الثغرات في الهيكلة الحالية التي توقف عندها المحاضر على سبيل الذكر وليس الحصر جعلت المشاركين يشدّدون على ضرورة اتخاذ الآليات الكفيلة بمناقشة هذه المسائل عن روية في ندوة تخصص للغرض أو في هيئة إدارية يقرّرها المؤتمر العام أوإنجاز مؤتمر انتخابي لمدة سنة يتفرغ خلاله الاتحاد لمراجعة الهيكلة وإجراء انتخابات على ضوء الهيكلة الجديدة مما يفضي إلى مؤتمر عام على قاعدة قانون جديد مستجيب للتطورات الحاصلة.
كما شهدت الحصة المسائية أيضا مداخلتان أنجزت الأولى أستاذة علم الاجتماع السيدة درة محفوظ وعنوانها " النساء والانتقال الديمقراطي: الأهداف السياسية والاجتماعية أبرزت في مستهلها أسباب الاهتمام بالنضالات النسائية في هذه الفترة والتي من بينها التخوف القائم من تهميش دور النساء في تونس ما بعد الثورة والتراجع في مكتسبات المرأة، مشيرة إلى التهديدات والتمييز السلبي الذي أصبح يطال النساء كارتفاع نسب البطالة في صفوفهن، وضعف الاستقلالية الاقتصادية لمعظمهن، والتوزيع غير العادل للمسؤوليات العائلية بين النساء والرجال وهيمنة القوالب الحاضرة المعتمدة في الفضاء العام والخاص التي تحط من قيمة المرأة في حين أن الحضور المكثف والفعال للنساء أثناء الثورة لا يمكن إلا أن يكون حافزا إضافيا لإقرار المساواة في جميع الميادين أسوة بالقانون الانتخابي الذي ينصّ على المساواة بين الجنسين في القوائم الانتخابية.
هذا وقد أفضت المداخلة ومناقشتها إلى:
ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للنساء.
السعي إلى مزيد تفعيل النصوص القانونية المرتبطة بالتحرش والعنف ضد المرأة.
خلق آليات لتفعيل مشاركة النساء في الحياة السياسية والثقافية على مستوى مراكز القرار والقيادة.
التصدي لكل المحاولات التي تمس من مكاسب المرأة.
إدماج مبدأ »حقوق النساء« ضمن الأولويات في برامج الحكومة والأحزاب والجمعيات.
أما المداخلة الثانية فكانت للأستاذة يسرى فراوس حول »دور الشباب في الانتقال الديمقراطي« استعرضت خلالها بعض المعطيات التي سبقت الثورة وطريقة تحركه خلالها والمهام التي يمكن أن يضطلع بها حاضرا مما يقتضي:
الانتقال الديمقراطي الفعلي بتقويض قواعد اللعبة السياسية المقصية للشباب.
تسلح الشباب باليقظة ورصد وفضح كل أشكال الاعتداء على حرية التفكير والتعبير ومختلف مظاهر العنف ومحاربة تيارات الثورة المضادة باللجوء خاصة إلى وسائل الاتصال الحديثة والتي أصبحت معطى ثابتا عند جل الشباب.
التحرك من خلال الجمعيات والأحزاب لصياغة المطالب والمقترحات والبدائل التي من شأنها تحقيق مطالب وأحلام الشباب.
اغتنام مختلف التعبيرات الفنية لتنمية حسّ المواطنة لدى شبابنا وثقافة التنوع والاختلاف بعيدا عن التحجّر والنمطية.
صياغة العهد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وإكسائه العناية بمطالب الشباب حتى تؤخذ بعين الاعتبار في وثيقة الدستور الجديد.
هذا وقد قدّم الأخ محمد الطرابلسي صباح اليوم الثالث للندوة مداخلة بعنوان »التضامن الاقليمي الدولي وتأثيراته على النهوض بالحريات والعدالة الاجتماعية« قدم في مستهلّها لمحة عن دور الحركة النقابية العالمية في التضامن مع تونس أثناء كفاحها ضد المستعمر وقد تجلى ذلك من خلال دعم النقابات الأمريكية للقضية التونسية في المنتظم الأممي، ومن خلال المظاهرات العارمة التي قادها النقابيون في المغرب الأقصى احتجاجا على اغتيال حشاد، وقد تجلّى هذا التضامن النقابي الدولي مع الاتحاد العام التونسي للشغل في أكثر من مناسبة، وذلك من خلال احتضان الكنفدرالية الدولية للنقابات الحرة كل من الأخوين أحمد التليلي وأحمد بن صالح في منفاهما، وكذلك من خلال دورها في مؤازرة الاتحاد العام التونسي للشغل في معركته من أجل الاستقلالية وضد الاحتواء قبل وبعد اضطراره إلى شنّ الإضراب العام في جانفي 1978، وهو نفس الدور الذي اضطلعت به منظمة العمل الدولية والتي ذهبت إلى حدّ طرد المنصبين من مؤتمراتها تضامنا مع القيادة الشرعية للشغيلة التونسية، وفي هذا الصدد أبرز المحاضر بأن قيمة العلاقات الدولية ومدى تجاوبها مع المطالب النقابية ترتبط بمدى قدرة النقابات على أن تكون ممثلة للمطالب العمالية في أقطارها.
كما أبرز في هذا الصدد أن مواقف الاتحاد دفاعا عن الحريات والعدل الاجتماعي وعن استقلالية قراره النقابي أهّلته لأن يكون جزءا من الحركة النقابية الدولية وأن يحتل مواقع قيادية دون انقطاع في المنظمات الدولية الإقليمية، وهو الأمر الذي انعكس إيجابا على القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى في هذه المحافل.
ومن خلال تقييمه للواقع النقابي العربي انتقد تبعية النقابات العربية للأنظمة الحاكمة، بما يعكس تصحّرا على الصعيد النقابي الديمقراطي وذلك إذا ما تم استثناء المغرب ولبنان ومؤشرات استقلالية الحركة النقابية الصاعدة في مصر.
هذا وقد أبرز المحاضر بأن الحركة النقابية العربية والتي كان من إفرازاتها معركة الاستقلالية لعبت دورا في الثورات العربية بكل من تونس والبحرين ومصر وليبيا واليمن مما جعل الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب لا يعكس في شيء تطلعات الشغالين العرب للحرية والعدالة الاجتماعية ولحركة نقابية ديمقراطية، بل ذهب به الأمر إلى مساندة النظام السوري واليمني في قمعهما لإرادة الشعبين في التحرر والانعتاق، مما اقتضى التأسيس لعمل عربي نقابي مشترك قد يكون خطوة لإقامة مؤسسات أخرى تعكس المدّ الشعبي الذي يرنو إلى الديمقراطية والحداثة واحترام حقوق الإنسان ومواجهة حركة الاستيطان في فلسطين، والتحرك تجاه مواجهة المديونية في أقطارنا والحق في نقل التكنولوجيا وإقامة علاقات متوسطية ذات موازين قوى عربية، إنها المهام التي ينبغي أن ينهض بها »المنتدى النقابي الديمقراطي العربي« والذي تم وضع أرضية له أخيرا في الأردن حتى يكون مؤسسة عربية ذات مصداقية تفرض التوجهات النقابية المناضلة.
هذا وقد عقّب المشاركون على المداخلة بضرورة عولمة النضال النقابي لمواجهة العولمة الاقتصادية التي تقودها الشركات المتعددة الجنسيات.
❊ الاختتام:
بإشراف الأخ الأمين العام عبد السلام جراد وبحضور السادة »شارل دان« الأمين العام المساعد لمنظمة العمل الدولية والدكتور يوسف القريوتي والأخوين محمد الطرابلسي وعبيد البريكي اطلع المشاركون من خلال كلمة السيد شارل دان على برامج منظمة العمل الدولية في مجالي دعم الحوار الاجتماعي وتثبيت أسس العمل اللائق والإمكانيات التي سيتم وضعها في الغرض على ذمة أطراف الإنتاج ببلادنا، هذا وقد ثمّن الأخ عبد السلام جراد في كلمته مساعي منظمة العمل الدولية مبرزا الخطوات التي قطعها الاتحاد العام التونسي للشغل في مجال النضال من أجل احترام وتطبيق معايير العمل الدولية متطلعا إلى مزيد من الدعم في الغرض، ومسجّلا في نفس الوقت رغبة منظمته في تحقيق »عقد اجتماعي« يتم إنجازه بين أطراف الإنتاج، وأن يكون هذا العقد مستجيبا ومحققا للكرامة التي كانت الشعار المركزي في ثورة الشعب التونسي وكافلا لحقوق كل أطراف الإنتاج، هذا وقد أكّد الأخ الأمين العام سعي مناضلي الاتحاد من أجل أن يكون الشأن الاجتماعي بما في ذلك الحق النقابي وحق الإضراب وأسس العمل اللائق في صدارة اهتمامات المجلس التأسيسي الذي سيتم انتخابه يوم 23 أكتوبر المقبل وأن تجد هذه المبادئ موقعها البارز في الدستور الجديد.
نبيل الهواشي محمد الهادي الأخزوري


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.