"فوتون" تتصدر المراتب الأولى بين الجيل الجديد من الشركات الآسيوية في قطاع الشاحنات المتوسطة والخفيفة في تونس    عاجل/ من بينها مواد التجميل والفواكه الجافة: شروط جديدة لتوريد 196 منتوجا..    تعليب الأكل... درجة حرارة 120 مئوية هي اللي تحميك!"    ردّ بالك...إذا خطوبتك بُطلت: تنجّم تسترجع كلّ شيء إلّا هذه الأشياء    رقم قياسي في استهلاك الغاز: هذا علاش صار نقص في بعض البلايص والوضع رجع طبيعي!    الوقاية من سرطان القولون: التغذية الصحية ونمط العيش السليم في الصدارة    مهرجان Jazzit – الدورة الثانية: الكشف عن البرنامج    الأمن يُلقي القبض على عصابة السلب والسرقة بشارع الحرية..#خبر_عاجل    عاجل/ السيسي يوجه هذه الرسالة الى ترامب..    وزارة أملاك الدولة تنشر قائمة العقارات الدولية الفلاحية المعروضة للكراء بالمراكنة للشركات الأهلية    صادم/ فتاة ال16 سنة تروج المخدرات..!    بيان من الحرس الثوري الإيراني حول تفاصيل استهداف طائرة "E-3" أمريكية و"تدميرها" (صور)    ترامب: سأدمر جميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة خرج في إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق    يوم تاريخي للترجي الرياضي في السباحة: حصيلة ميداليات تُثبت التفوق    بطولة النخبة لكرة اليد: مواجهات قوية في الجولة السادسة لمرحلة التتويج    عاجل/ بسبب سوء الأحوال الجوية: ال"CTN" تصدر بلاغ هام وتعلن..    وزير الشؤون الاجتماعية : نعمل على إدخال تنقيحات على منظومة الكفالة تتيح للأسر التونسية رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة فاقدي السند    برد، تبروري، وثلوج: عودة شتوية قوية للتوانسة الّي خفّفوا اللبسة..    عاجل/ إسرائيل تعلن استهداف جامعة الإمام الحسين في طهران..    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    بين تونس والبرتغال... هل خسر يوسف الشرميطي الرهان؟    مفاجأة علمية: مادة بسيطة موجودة في البيض واللحم قادرة تحميك من القلق !    عاجل/ بشرى سارة للتونسيين بخصوص نسبة امتلاء السدود..    بسيطرة مطلقة: المنتخب الوطني يفرض كلمته في بطولة إفريقيا للجودو    ركبتك توجع فيك؟ : هذه حقيقة ''البرد'' اللّي يهرّي القروش    روسيا تطرد دبلوماسيا بريطانيا بتهمة التجسس    الرابطة المحترفة الاولى: روزنامة بقية جولات البطولة    طهران: نحن من يحدد نهاية الحرب    عاجل: تقلّبات جوية بهذه المناطق وتحذير مهمّ لمستعملي الطريق    فرنسا تستعرض قوتها وعمق تشكيلتها في الفوز 3-1 وديا على كولومبيا    وزير الشؤون الدينية يفتتح الملتقى التكويني لمؤطري الحجيج التونسيين استعدادا لموسم حج 1447ه/2026م    عاجل: القيروان... يطلق النار على زوجة والده بسبب الميراث... تفاصيل صادمة    البنك المركزي يوقف تمويل بعض السلع... شنوا يعنيلك هذا كمواطن؟    إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات المشاركة في العمليات ضد إيران    حضور لافت للسينما التونسية في الدورة 15 من مهرجان الاقصر للسينما الأفريقية    ترامب: إيران ستسمح بمرور 20 ناقلة نفط عبر مضيق هرمز    البطاطا والطماطم والفلفل... الأسوام اليوم في السوق البلدي بأريانة    البنك الافريقي للتنمية ينظم الدورة العاشرة لسوق الطاقة الأفريقية يومي 8 و9 أفريل 2026، بالغابون    تأجيل محاكمة والي منوبة الأسبق أحمد السماوي في قضية فساد    خطير/ كلاب سائبة تنهش سيّدة بكورنيش حمام الأنف..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    بنزرت: إنقاذ كهل بعد سقوطه في البحر والبحث متواصل عن مرافقه    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    كأس تونس: برنامج مقابلات الدور ثمن النهائي    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    4 عادات يومية على مرضى السكري الابتعاد عنها... التفاصيل    تصعيد رسمي مغربي بعد "استعراض مثير" للسنغال في باريس    وزير التشغيل يبحث مع مدير عام شبكة اليونسكو يونيفوك،أفاق تطوير المنظومة الوطنية للتكوين المهني    سباق محموم على الذاكرة التونسية.. من يحمي ما تبقّى من تراثنا؟    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    قفصة: تنظيم التظاهرة الثقافية والرياضية والصحية "ربيع عليم" في دورتها الأولى بعمادة عليم بمعتمدية السند    الشيخ محجوب المحجوبي: هذي العادة في المقبرة غلط والدين يقول غيرها    جائزة أفضل مخرج لفيلم صوفيا بمهرجان مانشستر السينمائي الدولي    الأمطار الرعدية تجتاح الشمال والوسط... شوف المناطق المعنية!    احسن دعاء للميت    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فضح المسكوت عنه واقتحام المناطق الملغّمة
محمد شكري: عبد الحفيظ المختومي (الكنعاني المغدور)
نشر في الشعب يوم 08 - 12 - 2007

ندر أن كُتب في أدب السيرة الذاتية العربية الحديثة بمثل هذه الجرأة وهذه الصراحة وهذه الحميمية وهذا الوضوح: كسر حدود اللغة في اعتباراتها المتعددة وعوائقها الكثيرة، لتشارك السارد في تعاضد واتساق رسم عوالم خطيرة، والغاية اخراج المسكوت عنه من مدافن الصمت المعمّم والحشمة المصطنعة والاخلاق المتآمرة، واقتحام المناطق الملغمة بالمحرّم والمقدّس والعيب، بالفاضل والطاهر والعفيف..
هذه السيرة الذاتية / الاعتراف اصرار على الفضح الفاضح، إذ لا شيء سوف يخسره بطلها في وجوهه المتعددة (الحكي والفعل والتاريخ) ومراده الخروج من المراياالخلفية المحدبة والمقعّرة ليظهر واضحا شفافا في ادقّ تفاصيل ذاته جوّانيا وبرّانيا، بل قل كان يخسر الكثير لو لم يتجرأ ويركب مغامرة هذه الكتابة.
هو «الحكي الذي يكون فيه السارد هو البطل في حكيه / جيرار جينيت» وهو الفعل في انتاج وجوده الواعي في «التطابق بين المؤلف، الشخصية السارد» دون تزيد او نقص.
وهو التاريخ الإطار المرجعي للذات الساردة كونه شخصية موجودة ماهية وحقيقة ووعيا، زمانا ومكانا، تفاعلا وتأثرا بما يحدث والمساهمة في انتاجه تحريكا وخلخلة.
وعليه سيتجاوز كاسرا حدودا كثيرة وعوائق جمّة ليفصح فيفضح ويتكلم فيعرّي، ويفعل فيتحدّى، ويكتب ليؤسس نقيضا مطلقا لبعض سير رواد السيرة العرب، فطه حسين في أيامه مثلا لم يخرج من الايام العامّة ليغوص في الايام الخاصة في داخله، وميخائيل نعيمة، في «سبعينه» ظلّ مسيجا بمسيحيّته الصارمة وهاجس حكمة السبعين ورصانة العمر ولواحقه، ورأى محمد شكري في كتاباته اولئك وغيرهم: «تورما ذاتيا لا جذور له في الواقع الذي ينتمي اليه والذي من المفروض ان يعبّر عنه بدل الاغراق في الحديث عن عوالم الفرد ومتاهاتها / فيليب لوجون ص 5».
فكيف سيكتب معيشه ومعيش الاخرين ومعيش الحياة؟ وكيف سينقل محكيّه من تشكيله في وعيه الى غيره بصوت ملفوظ مقروء مسموع «ليكتسب هويته الحقيقية بفقدانه لهويته المحدودة / نيتشة»؟
ويحسم الامر: على هذا «الغير» ان يقبل او يرفض، يبرّئ او يتّهم، أما انا فسأكتب باللغة التي ارتئيها، مخاطرا، متحدّيا ومعترفا «أنا أكتب إذن أنا مسؤول، ولن تقام لعنقي المشانق وتشعل الحرائق لما سأكتب» واللغة التي سيكتب بها صاحب «الخبز الحافي» إنما هي اساسا وعيه باناه. سوف يكتب في أجساد النساء ومن في سنّه وفي أجساد المثليّين الكهول باسفله ويكتب في جسده بأصابعه ويكتب في صراعه مع محيطه بعراكه وتشرّده واحتجاجه وتحالفه مع اللصوص والنشالين والسراق والمشرّدين والمطرودين ويكتب جراح معاركه الكثيرة وخيباته وحرمانه بالخمرة: رديئها وجيّدها وبالكيف والحشيش واعقاب السجائر والدجاج النافق والقمل والمبيت في العراء والمقابر وبيوت العاهرات والمقاهي ولن يهمّ ذاك «الغير» ما يكتب، هذا «الغير» ذو الوجهين دائما يقرأ في السرّ ويلعن في الجهر، ينفعل لما يقرأ في سره وينتعش متخيله ليعيش خيالا ما عاشه محمد شكري حقيقة وواقعا ويسب في جهره ويلعن محمد شكري الماجن والفاسق و»قليل الحياء» والمعلون..
لكنّ محمد شكري وهو يكتب يغتصب لحظة البوح ليحكي بعد ان اغتصبت منه طفولته وشبابه.. انها عملية تصفية حساب مع مرحلة برمّتها.
أخذ هذا المعيش المحكيّ حيّزين:
زمن السّرد
الزمن التاريخي للاحداث
يقول محمد شكري : «اكتب هذه المذكرات في سنة 1972 / الخبز الحافي ص 168» و..»أكتب بعض الفصول من هذه السيرة الذاية عام تسعين / الشطار ص 94»
وأنهاها عام 92، بعد توقف كما يقول عن الكتابة تسع عشرة سنة هي التي تفصل بين «الخبز الحافي» و»زمن الاخطاء»... متدرّجا خطّيا واضحا مراعيا تطوّر سنّ السارد وإدراكه ووعيه بالاشياء والكائنات والعالم.
أمّا الزّمن التاريخي للاحداث فيبدأ استرجاعا في بداية الاربعينات، وطفولته والهجرة من الريف الى طنجة بسبب المجاعة والقحط والحرب قالت انها تركتني في الخامسة او السادسة من عمري في الريف / خ ح ص «54» فالخمسينات «انا في السادسة عشرة / خ ح ص 105» (ولد محمد شكري سنة 1935)، «اليوم 30 مارس 1952، تمرّ اربعون سنة على حماية فرنسا للمغرب / خ ح ص 120»
وصولا إلى الثمانينات (موت الامّ 1994) مرورا بالسبعينات (موت الاب 1979) / الشطار / ص 9 / .
في هذا الزمن التاريخي راح محمد شكري يحكي حياته، هو طفل، لم تتشكل غرائزه وتنضج «رغبتي الجنسية تتهيّج كل يوم، الدجاجة، العنزة، الكلبة، العجلة تلك كانت إناثي / خ ح ص 31» فشاب في أوّل يفاعته، «عدت الى العمل في المقهى وأكل معجون الحشيش وتدخين الكيف / خ ح ص 36..
ذات مساء شربت النّبيذ وتحششت في المقهى / ص 37» ففوران الشباب والبلوغ الجنسي وبدء تجربته مع نساء المواخير، ودخوله حلبات الصراع ضد امثاله من اللصوص والمتسكعين والشطار، وتسلحه لهم في العراك وبامتلاك معرفة «الضرب بشفرة الحلاقة / خ ح ص ب 50» «أنا في السادسة عشرة شاب قادر على السرقة / خ ح ص 105»
أمّا المؤلف، السارد، البطل فهو محمد شكري عينه «محمد، ادخل انت الاول معها... انت تعودت على ان تدخل الاول / ص 48» «من أيّة ناحية من الريف أنت»
من بني شيكر
أعرف الشكريين، الريفيون شجعان / خ ح ص 155»
محمد شكري شاهد على ذاته / شاهد على أسرته / شاهد على الاخرين:
شاهدت على ذاته، شاطر من الشطّار، لص، مهمّش، رضع الفقر والحرمان والخصاصة والامية والضياع والتشرد، إنّه وجه من وجوه القاع، وتربّى ونشأ بين شقاء الام وعملها وأودها ولا مبالاة الاب، وبلغ شبابه بين احضان نساء المواخير والحانات فعاشر الخمرة وشرب منها بلا حدود مصحوبة ب «مزّة» استثنائية: حشيش وكيف الى حدّ العشرين من عمره وهو «لا يفكّ الحرف»..
لا يخجل من سرد تفاصيل جسده وتشريحه في نوازعه ونزواته وثوراته، فهو شبيه بصديقه الحميم جون جينيه في كتابه «مذكّرات اللص»، الذي «عانق عصره دون ان يتخاذل او يخجل من تشريح نفسه وغيره». اتعب جسد صاحب «الخبز الحافي» صاحبه كثيرا وأمتعه اكثر، فلم يتورع عن قبول كل شيء، انه الوعي بالجسد، انه جسده لذلك توزّع بين لغة الجسد وجسد اللغة في معادلة جريئة ولذيذة يندر ان يأتيها أحدهم تحكمه محرّمات وطقوس صارمة وقاسية.
ذكر أصحابه وأصدقاءه من الشّطار بحب وعطف كبيرين يذكّراننا بفتوّة ووفاء الصعاليك، والعيارين والحشاشين العرب قديما: / التّفرسيتي، السّبتاوي، الذي قال له يوما: «التسوّل مهنة الاطفال والشيوخ العجزة، عيب أن يتسوّل شابّ قادر على السرقة اذا لم يجد عملا / خ ح ص105» وعبد السلام والكبداوي والقندوسي.. وسلافة وبشرى، «اخبرتني امرأة في سنة 63 ان سلافة وبشرى في الدار البيضاء لتحترفا الدعارة رسميا في نفس سنة52 / خ ح ص 168» وحميد والمختار الحداد الاعمى بين طنجة والعرائش...
هو عاشق وهران وتطوان، لكن لطنجة عشق استثنائي وما اجمل قصيدته فيها «طنجيس» / الشطار ص 213. عاشق لأسواقها ودروبها وازقتها وحاناتها ومينائها وحرّها وقرّها وليلها:
«إنّ ليل طنجة هو ليلي، لا يودعها من عاش فيها حتى تأذن له سرّتها./ كم عدت اليها مهما كان تناسلها وما اكثر ما سافرت وعدت عن نصف طريقي اليها / الشطار ص 175» وهو عاشق للعرآئش عشق جون جينيه لها حيث يحتضن ترابها الى الابد، يرنو من قبره اليها ويعانقها..
العرائش هذه ذهب اليها في العشرين من عمره ليدخل المدرسة لاول مرّة ذهب لصّا، صعلوكا، لم يتخل عن عاداته وسلوكاته الطنجويّة.. ليتخرج من مدارسها متعلّما حاملا الشهائد يكتب عقود القرآن..
«مسكين تزوّج مسكينة.. لم تحضرني أيّة شريعة تمنع ما سأقوم به. إن الفقر فوق القانون، قلت: ولماذا لا، على بركة اللّة.. سجّلت متاع كلّ منهما.. سلّمت للرّجل نسخة وأمّنت الاخرى عند السي عبد الله.. رفعنا أنا والسي عبد الله ايدينا وشرعت اقرأ دعاء الخير والسي عبد الله يردد امين./ مدّ لي الرجل اوراقا ملفوفة رفضتها/. ألحّ.. انصرف الزوجان فقال لي السي عبد اله:
هذا أعظم عمل خير تقوم به في حياتك. سيكون لك مستقبل عظيم ان شاء الله / الشطار ص 65».
الفقر ليس قدرا.. الفقر ليس لعنة..
وشاهد على أسرته:
متعاطف مع أمّه، السيدة ميمونة / خ ح ص 72، وأخته إرحيمو، والقتيل عبد القادر / خ ح ص9، وعاشور الذي مات هو أيضا / خ ح ص 49، وعبد العزيز.. ولامّه مكانة خاصة، يقول في فصل «موت الامّ» من الشطار / ص 193 وما بعدها:
«افتح انا العاقل
إنّه هو إذن زوج أختي.. ما حدث لابدّ أن يكون مصيبة حتى يجيء في هذه الساعة
أمّك ماتت
بصوت مبحوح ثمل:
ماتت إذن
نعم... البس بسرعة
... متى ماتت؟
منذ ساعات في المستشفى المدني، مضى يومان وهي في غيبوبة.
بماذا ماتت؟
بنزيف أنفيّ، لم يتوقف خلال أسبوعين.
... بموت أمّي تموت كل أسرتي... إنّها لا تعرف أني قد آخيت ليلي مع اي ليل.. غادرت تطوان شاعرا ان حبلنا السري قد انقطع وان جذوري من شجرة عائلتي قد تعفّنت الى الابد...»
ألا يذكّرنا هذا المقطع الحواري المؤثر بما ذكره «غريب» ألبيركامو حين استلم برقية اعلام بوفاة والدته؟؟
توفّيت أمّه عام 1984 / الشطار ص 100، يقول في حوار صحفي:
«لقد حدث عندما نشر «الخبز الحافي» عام 1981 بالعربية ان ذهب أحد الجيران عند أمّي وقال لها: إن ابنك كتب كلاما يسيء الى أسرتك، وإلينا جميعا فأجابته أمّي الرفيعة،، «إنّه يعرف ما يفعل» هؤلاء كانوا الجيران وتلك كانت امي / القدس العربي، فيفري 2002.
أمّا الاب «حدّو علاّل الشكري» / الشطار ص 99، فالحديث عنه غيرالحديث «لان العقل لا يتجمد امام اليقين، بل يهوى عبور الممرات الضيّقة للظواهر الخادعة.. وطقوسيّة الوقائع.. (وقد) زوّدنا فرويد بجهاز مفهومي قادر على الولوج الى قلب الحقيقة الانسانية عندما اخرج كتلة الاستهامات المكبوتة الى شبكة سردية ودلالية جاهزة للتموضع في البنى اللغوية بعد ان كانت مدفونة في ظلمات النفس واللاوعي / التحليل النفسي والادب ص7»، وسوف يخرج محمد شكري تلك الاستيهامات من اللاوعي الى لغة الوعي اللغة ليحكي قصّته مع ابيه في ما يسمّى «قتل الاب».
يعترضنا هذا «المفهوم الفرويدي / اللاكاني» في وجوه متعدّدة الصّياغة، متوحّدة الدلالة:
إنكار الاب الخطوة الاولى لقتله:
«ألست انت ابن السيد حدّو؟
كلاّ لست أنا
أعاد السؤال بالحاح وحيرة:
ألست انت ابنه محمد الذي عاد من وهران؟
قلت لك لا، ولا أعرف شخصا بهذا الاسم
ما اسمك إذن؟
محمد
لكنّ أباك هو السيد حدّو بن علاّل وأمك هي السيدة ميمونة.
قلت لك إنّي لا أعرف سوى نفسي.»
هكذا تبدأ الخطوة الاولى: محوه من وعيه ودفعه الى زوايا الإنكار تمهيدا لقتله.
القتل:
«إذا كان من تمنّيت له أن يموت قبل الاوان فهو أبي.. في الخيال لا أذكر كم مرّة قتلته / خ ح ص91.
في السينما مات أبي في خيالي كما مات خصم البطل على الشاشة هكذا تمنيت دائما ان اقتله / ص 97.. حين يموت ابي سأزور قبره لكي... / خ ح ص 100... إنّه كلب / ص 76 وأبوك؟ مات (أبي سيموت في صيف 79، بعد 23 سنة / الشطار ص 3، تتمنى لو أنّي اموت (فكرت: ها أنت بدأت تقول شيئا معقولا ) خ ح ص 95
في ما تقدم/ الحقل المعجمي المسيطر هو القتل / الموت (يموت، قتلته، مات في خيالي أقلته، يموت، كلب، مات، أموت..)
فبم يفسر محمد شكري ذلك؟
يقول: «انما اريد ان اقول ان موت ابي في ذهني تم في اللحظة التي مات فيها اخي / اننا لا نقتل أباءنا الا بقدر ما يقتلون انفسهم فينا، إنّ الاب هو الذي يؤجل اويعجّل، يقصر او يطيل موته في ابنائه والموت درجات متفاوتة ثم ان الابن لا يستطيع ان يخلق سلطتهس الا بتحرّره من قيد سلطة أبيه..»
هي مقاربة فرويدية لمفهوم قتل الاب واذا ورد القتل حصريا في الحقل المعجمي المسيطر عند محمد شكري فان ذلك يعني بوضوح الاستقلال عن سلطة الاب المتسلط والطاغية المتجبر والمتحجّر والغليظ لا قتله حقيقة، أوليس قتل الاب هو من ثقافة «الطوطميّة؟ أو ليس قتل الاب هو قطب الرّحى في العقدة الأوديبيّة؟
الا يفسّر اضراب محمد شكري عن الزواج من زاوية التحليل النفسي ميله للبقاء إبنا قاتلا لابيه لا ابا سيأتي الدور عليه ليقتله ابنه؟ ويظل القتل هو قتل هوام اي علي مستوى الذاكرة والفكر والذهن والتصور والتخيل هو نوع من التخيل اللاواعي Fantasmatique / مجلة مواقف / ص 38 ص،
مات والد محمد شكري بيولوجيا موتا طبيعيا لعلّة او مرض ما / لكنه مات مقتولا في «خيال»ابنه قبل ذلك منذ طفولة البطل السارد (يستعمل محمد شكري لفظة «في خيالي» اكثر من سبع وعشرين مرة من ص 36 الى ص 103 من كتابه خ ح .
وعليه نفهم ميله الى أمّه التي سوف تحتل وظيفة الاب وحبّه لها وعطفه عليها حتى وفاتها يشاركها معاناتها «احيانا انتحب معها. كنت اؤازرها. ص 11 . بدأت تنتحب انا ايضا غلبني الحزن فسالت دموعي ضمتني اليها ونعست / خ ح ص 15 « انها هي بدورها مقهورة مثله موجوعة ومهانة وذليلة فصار رابط «التضامن القهري» هو الجامع بينهما ضد سلطة الاب ولكون الابن ذكرا فلن يقتل هذا الطوطم الفحل الاب إلا هذا الذكر النازل من صلبه لا غير ليثأر لنفسه ولكل المضطهدين مثله من لدنه، انه «اوديب» ناطقهم الرسمي وممثلهم في «قتل الاب» ومن ثم العودة الى رحم الام.. قتل الاب انقاذ للقبيلة كلها.
ألم يرد في كتب الأخبار ان فرعون لما اعلمه احد سحرته المنجمين انه سيلد طفل يهدد عرشه ويأتي على ملكه امر بقتل جميع الاطفال ولنلاحظ كيف حدد هذا المنجم جنس المولود الذكورية وسينجو طفل ما يتربى في بلاط فرعون، وحين يكبر يقتل أباه، وان ليس أبًا بيولوجيا بالضرورة؟ ومات او «قتل الاب» سيان، لكنّ محمد شكري يعلن «سأكون شيطانا هذا لا ريب فيه. الصغار اذا ماتوا يصيرون ملائكة، والكبار شياطين. لقد فاتني ان اكون ملاكا / خ ح ص 233» والملاك وديع اما الشيطان فمتمرّد لا اب له.. ومتمرّد على كل شىء وشاهد على تمرّده في «خبزه الحافي» مع «شطاره».
حاول محمد شكري ان يضع نصه / سيرته في المشهد كتمثيل له «ان المسافة بين هذا الكاتب وإبداعه الادبي ضيّقة جدّا فكل آثاره تمثل مشهدا لحياة واحدة، فقط هي حياته / التحليل النفسي والادب: السيرة الذاتية ص 99 100 « حياة هامشي صعلوك، شاطر، وبعد مغامرته في ذاته ومع الاخر مدا وجزرا، هبوطا وصعودا، علمته الحياة فاستوعب ما تعلم وقال بوضوح ما يريد « لقد علمتني الحياة ان انتظر. ان اعي لعبة الزمن بدون ان أتنازل عن عمق ما استحصدته: قل كلمتك قبل ان تموت فانها ستعرف حتما طريقها. لا يهم ما ستؤول اليه، الاهم هو ان تشعل عاطفة او حزنا او نزوة غافية ... ان تشعل لهيبا في المناطق اليباب الموات.. ان نرقص على حبال المخاطرة نشدانا للحياة / ح ح ص 4...»
الاحالات
الخبز الحافي، نشر الفنك 2007، الدار البيضاء، المغرب
الشطار دار السّاقي ط أولى 1992.
فيليب لوجون: السيرة الذاتية، الميثاق والتاريخ الادبي ترجمة وتقديم عمر حلي، المركز الثقافي العربي بيروت الدار البيضاء ط اولى 1994
جان بلاّمان نويل Jean BELLEMIN- NOوL التحليل النفسي والادب
منشورات عويدات بيروت لبنان ط 2 1999.
مجلة « مواقف» العددان 70 / 71 شتاء ربيع 1993 دار الساقي: النظام الابوي / ب: السلطة الابويّة و»القتل».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.