ليستْ الكتابة حوالة بريدية يتسلّمها القارئ ثم يصرفها في اقرب مركز للبريد كما انها ليست صكا بنكيا يرسله الكاتب الى نفس القارئ على سبيل الرشوة، او الاستمالة، أو التشجيع على البخل بالشهادة انها انبل من ذلك.. بكثير: إنّها رسالة. وكأي رسالة فإن كتابتها يجب ان تتم في تاريخ محدد وفي موضوع محدد والى قارئ محدد.. على ان يقرأها مستحسنا او مشمئزا على ان يحتفظ بها او يرميها في سلّة المهملات: وتلك كل حقوقه امام رسالة تصله دون ان يطالب بأن ترسل اليه لا أتكلّم، هنا عن الرسائل التي يتمّ ارسالها من داخل السجون والمعتقلات، حيث يكون الحراس بالمرصاد لكلّ معلومة تحاول ان تصنع لنفسها اجنحة وتحلق خارج جدران السجن. كما انني لا اتكلّم عن الرسائل المكتوبة على عجل «أخذا بالخاطر» و»ردّا على شكر بشكر» و»على عزاء بعزاء»ولا على تلك التي لا يمكن كتابتها الاّ بما تفترضه المطبوعات الادارية من دقة ووضوح محددين سلفا. أتكلم عن الكتابة باعتبارها رسالة. أتكلّم عن الرسالة باعتبارها كتابة أتكلّم عن المرسل الذي صار مرسلا اليه أتكلم عن المرسل اليه الذي صار مرسلا بالضبط : أتكلم عن انقراض وموت تلك العلاقة المأساوية التي ظلت قرونا طويلة، تفترض وجود سيد هو الكاتب ووجود عبد هو القارئ. لقد أمكن لي الاطلاع عبر الصحف والانترنات وعبر الرسائل ايضا على قراء عديدين موفوري الصحة والعافية يشتكون من كتابهم المفضلين لكونهم لم يعودوا قادرين على تلبية حاجياتهم الاجتماعية او الثقافية او السياسية، كما انهم لم يعودوا قادرين على اعلائهم ولو بمعدل درجة واحدة في سلّم الخيال الطموح. والغريب ان تظلم هؤلاء القراء من كتّابهم المفضلين يتمّ بلغة راقية، أي بكتابة راقية، الامر الذي يجعلهم كتابا فيما هم لا يزالون يتصوّرون انّهم مجرد قراء! «أيها القارئ: يا شبيهي! يا عدوّي!» هكذا كان الشاعر الفرنسي شارل بودلير يخاطب قراءه في اواخر القرن التاسع عشر... وهو يعاني من هجمات الرقابة الشرسة على نبوغه الشعري والنثري والنقدي... في آن. ما يجدر التنبيه له، في هذا الخطاب، هو اهتداءُ بودلير الى معادلة حسابية تسوّي بين الكتابة والقراءة تماما. فلم لا يكفّ القارئ عن اعتبار الكاتب نبيا قادرا على تخليصه من ازماته الوجودية.. والاجتماعية؟! بمعنى آخر: لم لا يكفّ القارئ عن هذا التفكير السبحاني.. وينصر الكاتب بقوله :