نتائج المؤتمر: قائمة السالمي تنفرد بالتنفيذي والمالية والنظام الداخلي    عاجل/ انفجار قرب هذا المطار..    افتتاح ملعب "أزتيكا" التاريخي خلال ودية المكسيك والبرتغال    القبض على مقترف سلسلة من السرقات لمحلات تجارية بين حي النصر وباب الخضراء    الدورة 14 لمهرجان "عيد الرعاة" من 25 الى 29 مارس الجاري بالمركز الثقافي بسمامة    قضية أحداث المطار... تحديد يوم 31 مارس موعدا للمفاوضة والتصريح بالحكم    اتحاد الشغل: فوز قائمة صلاح الدين السالمي    عاجل/ هجمات بصواريخ ومسيرات تستهدف هذه الدول الخليجية..    بطولة كرة اليد: دربي العاصمة يتصدر برنامج مواجهات اليوم من الخامسة ذهابا لمرحلة التتويج    بطولة الكرة الطائرة: تعيينات مواجهات اليوم من الجولة الأخيرة لمرحلة التتويج    أبرز ما جاء في لقاء رئيس الدولة بوزير الداخلية..#خبر_عاجل    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    وفاة شخصين وإصابة ثالث في حادث مرور بالقيروان    كأس تونس: وداد الحامة ضد الترجي الرياضي ...الساعة و القناة الناقلة    عاجل: انقطاع مبرمج للكهرباء غدًا في سوسة... هذه المناطق    أرقام : القروض الاستهلاكية تغرق العائلات التونسية    الستاغ تنظم يوما إعلاميا حول مشروع الشبكة الكهربائية الذكية"سمارت قريد "    مباراة تونس وهايتي الودية مباشرة على هذه القناة    تايلاند تعلن التوصل إلى اتفاق مع إيران لعبور سفنها مضيق هرمز    إنجاز تاريخي في المسابح الأمريكية.. الذهب والفضة للحفناوي والجوادي    حادثة حرق قطار بالقلعة الصغرى: إصدار 10 بطاقات إيداع بالسجن    ترامب: "نحن نقترب من تحرير الشرق الأوسط"    المهدية: الاحتفاظ بتلميذة من أجل مسك وترويج مواد مخدرة بمحيط أحد المعاهد الثانوية    العثور على جثة أدمية بغابة الصبايا بمعتمدية الشابة من ولاية المهدية    التمديد في نشر فيلق مشاة خفيف تحت راية الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى (الرائد الرسمي)    إصابة مقاتلة "إف-16" و"سنتكوم" تؤكد هبوطها اضطراريا في السعودية    ترامب يطلق اسمه على مضيق هرمز ويلمح إلى السيطرة عليه في إطار حل الحرب    عاجل/ الحوثيون ينضمون رسميا الى الحرب ويطلقون أول صاروخ على اسرائيل..    لجنة التشريع العام تستمع الى هيئة المحامين حول مقترحي قانوني المحكمة الدستورية، و تنقيح وإتمام المرسوم 54    المقاومة اليمنية تهدد بدخول المعركة في حال استخدام البحر الأحمر ضد إيران    خلال جانفي 2026: فائض ميزان منتوجات الصيد البحري يُقدّر ب9،1 مليون دينار    سوسة تحتضن المهرجان الدولي لفيلم الطفولة والشباب    المهرجان الدولي للطائرات الورقيّة: ...طائرات السّلام ... تحلّق في سماء تونس    قفصة ...مهرجان المغاور الجبلية بالسند:دورة تحت شعار «روحانيات البلاد»    البنك المركزي...شروط تمويل استيراد المواد غير الأساسية للوسطاء الماليين    مصائب قوم عند قوم فوائد: كيف للوجهة السياحية التونسية الاستفادة منها ...    إشارات خفية من الجسم وراء الرغبة الشديدة في تناول السكر... هل تعرفها؟    باحثون وكتّاب يسلطون الضوء على نشأة الرواية الليبية ومميزاتها وتطورها وأبرز أقلامها    العيد الوطني للطفولة 2026: قاعة الأخبار بالعاصمة تحتضن أيّام 26 و27 و28 مارس معرض الطفل والتكنولوجيات الآمنة    كرة القدم: برنامج المباريات الودية للأندية التونسية    تكلس المفاصل: السبب الخفي وراء آلام الكتف المفاجئة    التبادل التجاري بين تونس والأردن يرتفع بنسبة 135 بالمائة مدفوعا بصادرات زيت الزيتون    هام..دليلك الذكي لصيام الست من شوال دون عناء..    لقاءات مباشرة بين الأطباء والمرضى: صالون المرضى من 3 إلى 5 أفريل المقبل    10 أسرار بش تكون حياتك الزوجية سعيدة    أودي تتصدر القائمة: أكثر سيارات فاخرة أماناً في 2026    بشرى للمواطنين..نحو انخفاض أسعار الدواجن..    عاجل: في بالك ''قنطرة بنزرت'' تنجم توفى قبل ب 4أيام...شنّوة الحكاية؟    شوف الترتيب الجديد للمنتخب التونسي؟    دراسة : الاكتئاب يطارد الآباء الجدد بعد عام من ولادة الصغير    أذكار صباح الجمعة    امطار متفرقة اليوم بهذه المناطق..#خبر_عاجل    وزارة التعليم العالي تفتح مناظرة الدخول لدار المعلمين العليا    منع الزكاة كبيرة من أعظم الكبائر .. .هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ    خطبة الجمعة...آداب الاستئذان    النجمة درة تحصد لقب أفضل ممثلة عن دورها في مسلسل 'علي كلاي'    هلال ذو القعدة...وقتاش؟    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الباجي قايد السبسي و التعبئة الإعلامية
نشر في كلمة تونس يوم 03 - 02 - 2012

منذ صدور بيان الباجي قائد السبسي يوم الخامس و العشرين من شهر جانفي من هذه السنة إلى يومنا هذا ، لم تتوقف وسائل الإعلام بمختلف أصنافها عن تناوله بالكثير من التحليلات والتعليقات وتعاطيه ومعالجته كأحد أهم المواد الإعلامية ،ورصد مختلف تفاعلات القوى السياسية والخبراء والمختصين والمهتمين بالشأن العام إجمالا مع هذا النداء.
هذا البيان الذي أصدره رئيس الحكومة السابق لم يكن ليأخذ هذا الحجم من التهويل و الزخم و البهرج لولا وجود أجندة واضحة المعالم هدفها إرجاع قايد السبسي إلى الواجهة كمنقذ للبلاد و القادر على إيجاد الحلول لكل الأزمات و"السوبر مان" القادر على تخطي كل العقبات مهما كانت الصعوبات.
و لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا البيان قد سبقته حملة إعلامية غير مسبوقة تحضيرا لتاريخ صدوره حتى تضمن الأطراف الدافعة به إلى الواجهة بلوغها للهدف من وراء إطلاق هذا النداء و تضمن ردة فعل واستجابة في مستوى الانتظارات .
لقاءات نسمة الموجهة
كانت أول إطلالة إعلامية للباجي قائد السبسي عبر قناة نسمة التلفزيونية في أول مصافحة مع الشعب التونسي ليبدي رأيه حول وضع البلاد لكونه أحد رفاق بورقيبة و أهم معاوينيه في مقاومة الاستعمار والمساهمين في بناء الدولة والجمهورية الحديثة .و استمرت هذه اللقاءات بعد توليه رئاسة الحومة وخاصة بعد الخروج من السلطة.
فقد خص الباجي قائد السبسي قناة نسمة بلقاء خاص و حصري و لم يقتصر الأمر على ذلك بل فتح لها منزله الخاص و تناول مع صحفيها فطور الصباح مع صحفي القناة لتبيان رحابة صدره و لمزيد تقريبه من الجمهور المتلقي و المستهدف و للتركيز على الايجابية في مستوى تعامله مع وسائل الإعلام.
وكان ذلك الجزء قبل التوجه إلى قصر الحكومة يوم تسليم السلطة الموافق ليوم 26 ديسمبر من العام الماضي وتم التركيز في مستوى نقل ذلك الحدث التاريخي على بشاشة وخفة دم و تلقائية الباجي قائد السبسي الذي أنقذ البلاد و قام بتصحيح المسار و أجواء البهجة والفرح وتهاطل المدائح ورسائل الشكر على سيادة الوزير المنقذ وحكومته فكانت آخر صفحة للسيد الباجي قائد السبسي أمام الشعب التونسي صفحة بيضاء نظيفة إلى حدود كبيرة.
كما تم التركيز خلال المقابلات الإعلامية على خلو فترة إشرافه على الحكومة من الاحتجاجات الاجتماعية المطلبية في حين إبرازها بعد تولي الحكومة المنتخبة لمهامها مباشرة بل و التركيز على تكاثرها و توسعها و خاصة عدم قدرة هذه الحكومة الجديدة على التعامل معها بسبب نقص الخبرة التي بطبيعة الحال لا تتوفر إلا في شخص الباجي منقذ البلاد و العباد . كما غلبت على اللقاء استعمال عبارات المديح التي لا تحصى ولا تعد ( "البو الحنين و الجد الرزين", "نهاية حكم سي الباجي أشهر أعلام الثورة","رغم كل الصعوبات و العقبات نجح سي الباجي في انجاح الانتخابات.", " و يقعد هكا سي الباجي راسخ في ذاكرة الكبار وعبرة لكل الصغار." ) و لا نذيع سرا إذا قلنا أن جل مقابلات الباجي قائد السبسي قد غلب عليها طابع المديح في شكل يذكرنا بتلك الحوارات التي كانت تقوم بها تونس7 مع وزراء حكومات بن علي التي ما ينفك فيه الصحفي على المكاسب التي تحققت عهده. كما سعت القناة التلفزية المذكورة شأنها شأن بقية الوسائل الإعلامية التي تدور في نفس الفلك،إلى إبراز شخصية الباجي قائد السبسي المدافع عن الحريات المتخوف عليها خاصة بعد تتالي الانتهاكات من قبل أشخاص محسوبين على التيار المتشدد وعدم قدرة الحكومة على ردعهم ، وذلك بالتركيز في تغطيتها لحضوره بزي المحاماة في القضية المرفوعة ضد قناة نسمة (على خلفية بثها للفيلم الإيراني "بلاد فارس" المثير للجدل والذي تضمن تجسيدا للذات الإلاهية الأمر الذي اعتبره البعض تعديا على مشاعر المسلمين) وتأكيده في تصريحاته دفاعه المستيمت على حرية التعبير .
السبسي بطل استطلاعات رأي
المغرب سعت جريدة المغرب إلى التأكيد على فشل الحكومة الجديدة في التعامل مع الوضع الراهن بسبب انعدام خبرتها و نقص الكفاءة وسوء التقدير وارتباكها و عجزها على أخذ القرارات المناسبة و ترددها و عدم وضوح برامجها و في المقابل سعت إلى الإعلاء من شأن الباجي قايد السبسي ولازلت تواصل في عملية التزويق الهادفة إلى إخراجه في صورة القائد الذي لا يوجد غيره في الساحة السياسية والقادر على منافسة النهضة في الاستحقاقات الانتخابية القادمة .
و يظهر ذلك من خلال التركيز على الشخصية الكاريزماتية و الشعبية التي يحضى بها والتي ما انفكت تؤكد عليها حسب استطلاعات الرأي التي تقوم بها من وقت لأخر.
فكان سبر الآراء الأول بتاريخ 31 ديسمبر من السنة الماضية بالتعاون مع مؤسسة سيغما كونساي المتخصصة في استطلاعات الرأي التي تحوم حول منهجية إعدادها العديد من التساؤلات (يكفي الحديث هنا عن اللخبطة الحاصلة في العهد البائد مع هذه المؤسسة في مستوى تقديرها لأكثر نسب المشاهدة في قنواتنا التلفزية قصد الحصول على أكثر ما يمكن حصص الإشهار )و كان موضوع سبر الأراء المنشور في العدد 110 من جريدة المغرب أكثر الشخصيات تأثيرا في سنة 2011 و الذي نجد فيه أن الباجي قائد السبسي قد ورد في المرتبة الثانية بنسبة 52 بالمائة بعد رئيس الحكومة المؤقت المنصف المرزوقي المتصدر ب85 بالمائة و أتى في المرتبة الثالثة رئيس الحكومة المؤقت حمادي الجبالي بنسبة 42 بالمائة.
و لابد هنا من الإشارة أن سبر الآراء هذا قد سبقه مطلع مفاده "رغم انهيار الحكم الديكتاتوري و الانتقال في المسار الانتقالي الذي توج بأول انتخابات ديمقراطية في تاريخ وطننا ،إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور العنف في بعض أرجاء المجتمع وتكاثر الفقر و التهميش البطالة و التخوف من المستقبل".
إضافة إلى الدلالة و التشديد في مستوى تحليل البايانات الرقمية على تصاعد شعبية الباجي قائد السبسي الذي انظم إلى صف المعارضة بعد تسليمه للسلطة للحكومة المنتخبة شرعيا و لم يقف الأمر عند ذلك بل توقع ارتفاع شعبيته خاصة بعد الإشارة إلى إطلاقه لمبادرة سياسية و الإعلان عنها بشكل غير رسمي قبل صدورها ب25 يوما وكل هذا بطبيعة الحال يندرج ضمن باب الدعاية السياسية المبكرة.
و لكم أن تتصوروا هنا كيفية التنسيق بين هذا الشخص الواجهة لماكينة متكونة من شخصيات دستورية قديمة كانت تعمل في الخفاء و بدأت معالمها تتضح شيئا فشيئا و أهدافها و مخططاتها تنكشف يوما بعد يوم وهذا ما ستبينه الأيام القادمة.
أما استطلاع الرأي الثاني فكان بتاريخ 17 جانفي تحديدا العدد 123 والذي قامت به جريدة المغرب بالتنسيق مع قناة نسمة و إذاعة موازييك والمجمع العالمي للدراسات « 3C » و الذي كانت محاوره مستوى الثقة في السياسيين و قدرتهم على تسسير البلاد و قربهم من الناس و اتجاهات نوايا التصويت لو كانت الانتخابات الرئاسية اليوم .
و طبعا كان البطل الأبرز في هذه المحاور الباجي قائد السبسي قائد الثورة منقذ البلاد الذي حصل على 84 بالمائة مقابل 87 بالمائة للمرزوقي في مستوى "الثقة كثيرا مع الثقة قليلا" وتقدم رئيس الحكومة المستقيل كما يحلو لجريدة المغرب تسميته على المرزوقي بنقطتين في مستوي "الثقة كثيرا".
أما في محور القدرة على تسيير البلاد فقد أوردت المغرب حسب سبر آرائها طبعا الباجي قايد السبسي ب ( 69)و بلا منازع و له "القدرة كثيرا" حسب مقاييس استطلاعها إذ نجده متقدما بعشر نقاط على المرزوقي (59).
أما في المحور الثالث المتمثل في نوايا التصويت لو حصلت انتخابات رئاسية اليوم فسنجد أن الباجي قائد السبسي يرد في المرتبة الثانية بعد المنصف المرزوقي .
من خلال هذه المعطيات أبرزت المغرب الباجي قائد السبسي زعيم المعارضة لحكومة الترويكا و حسب تعليقات الصحفي زياد كريشان المصاحبة لهذا الاستطلاع فإن "شعبية" رئيس الحكومة السابق ستسهم في إعادة تشكيل الخارطة الحزبية و ذهبت استخلاصاته (و هنا نذكر بأن المغرب نشرت استطلاع الرأي هذا قبل 8 أيام من إطلاق الباجي قائد السبسسي لمبادرته كاستراتيجية للتأثير على الرأي العام) إلى أن شعبيته هذه قد تعطي للمبادرة التي ينوي القيام بها حظوظا توحيدية كبيرة و تشكل شعبيته ضغطا سياسيا كبيرا على كل أطياف المعارضة إما للانضواء ورائه أو للتحالف معه.
ماكينة إعلامية لخدمة الأهداف الباجية
لا بد من التوضيح أن اختيارنا لهاتين المؤسستين الإعلاميتين كعينة لتبيان دور الإعلام في الإعلاء من شخصيبة الباجي قائد السبسي ،ليس من باب التحامل أو التشهير بهما بل لارتباط الشخصيات المالكة لها و الفاعالة فيها العاملة بها ببعضها البعض .
و هنا إذا ،يمكن الحديث عن ماكينة إعلامية تدور رحاها لخدمة شخصية الباجي قائد السبسي و إخراجه في صورة منقذ للبلاد وواجد الحلول لكل الأزمات ومايشد الانتباه في هذه الماكينة هو شبكة العلاقات المتداخلة و المتشعبة بين المتنفذين والقائمين على وسائل الإعلام. و لعل أبرز دليل على مدى ارتباط هؤلاء المتنفذين في وسائل الإعلام بشخص الباجي قائد السبسي ، هو تعيين معز السيناوي مدير الاتصال السابق بقناة نسمة مكلفا بالاتصال والإعلام بالوزارة الأولى و ناطقا رسميا باسم حكومة الباجي قائد السبسي، إضافة إلى حضور عمر صحابو المدير المسؤول و مالك جريدة المغرب في كافة اللقاءات الإعلامية بقناة نسمة المجرات مع الباجي قائد السبسي ومرافقته يوم محاكمة القناة .
هذا بالإضافة للحضور المكثف لنورالدين بن نتيشة صاحب موقع "الجريدة كوم" الالكتروني وعضو مجلس تحرير جريدة المغرب والمحلل السياسي المرافق لبوبكرعكاشة في حصته اليومية على موزاييك "ميدي شو" و زياد كريشان مدير التحرير بجريدة المغرب ، في بلاتوات قناة نسمة وكل هذا الحضور كان لإبراز عجز الحكومة الحالية مقابل التأكيد على النجاحات التي حققتها حكومة "سي" الباجي.
عجز الجبالي...فيما نجح السبسي
منذ تسلم الحكومة الجديدة لمهامها يوم 26 ديسمبر سعى الإعلام كما بيّنا إلى تضخيم صورة الباجي قائد السبسي فأظهره بمظهر البطل الخارق منقذ البلاد والعباد و تلميذ المدرسة البورقيبية التنويرية الذي نجح بفضل حنكته الفطرية وموهبته الربانية في حسن تسيير تونس ما بعد الثورة ليكون بذلك الباجي قائد السبسي "أشهر أعلام الثورة" (بتعبيرة نسمة) و"يقعد هكّا اسم سي الباجي راسخ في ذاكرة الكبار و عبرة لكل الصغار." (بتعبيرة نسمة أيضا) نعم, هو "الكبير" الذي أفلح من حيث فشل "الصغار" و لذلك مضى كبيرا و بقي الصغار صغارا... وليس خطاب السبسي الأخير وليد العدم فقد جاء لتكريس توجّه مدروس نحو تصغير شأن الحكومة المكونة من صغار "ساسة" للتركيز على نقاط ضعف حكومة الجبالي مقابل قوة البديل المنقذ ممثّلا في شخص الوزير الأول السابق.
حكومة بلا حاكم..و عجز متفاقم
بدأت حملة الانتقادات كما أشرنا سابقا لحكومة الترويكا منذ مباشرتها عملها اثر عملية تسليم السلطة في 26 ديسمبر الماضي .
و لاشك أن هناك جانب كبير من الصحة حول هذه الموجة من الانتقادات الموجهة للحكومة الوليدة بسبب ضعف تجربتها و قلة خبرتها وترددها في أخذ القرارات الحازمة في الأوقات المناسبة،لكن بدل الاستنقاص من شأنها و التسليم بعجزها ، كان الأجدر إعطائها الفرصة كي تخوض تجربتها ولا حرج إن تعثرت فكل البداية صعبة و الباجي قائد السبسي الدافعين به كبديل هو نفسه عندما تولى السلطة في عنفوان شبابه لم يكن يملك هذه الخبرة التي يملكها الآن بل إتاحة الفرصة له من قبل الراحل بورقيبة هي التي مكنته من ذلك و من كسبه للخبرة في تسير دواليب الدولة. وكانت أولى الانتقادات الموجهة للحكومة الحالية اعتمادها على المحاصصة في تشكيل الائتلاف الحكومي و الاعتماد على التقارب الإيديولوجي و السياسي في هذا التشكيل في فترة كان الأجدر أن يتم فيها تشريك أكثر ما يمكن من الحساسيات والألوان السياسية لمجابهة تحديات المرحلة الانتقالية بحكومة قوية نظر لحداثة التجربة الديمقراطية ببلادنا.
هذا بالإضافة إلى كثرة عدد الوزارات رغم أن البلاد تمر بوضعية اقتصادية هشة للغاية و عوض أن تقدم الحكومة المثال في التقشف، نصبت جيشا من الوزراء والكل يعلم ما يقتضيه ذلك من مصاريف و تكاليف تدفع من خزينة البلاد.
و من أهم الملفات التي أعيب على حكومة الجبالي كيفية التعامل معها ، الملف الاقتصادي المتردي بطبعه و الذي لم تجد له الحكومة الحالية حسب أراء الخبراء حلولا إلى حد الآن بسبب نقص الخبرة و الكفاءة.
إضافة إلى عدم التزامها بإنشاء المشاريع العاجلة التي أعلنت عنها لصالح الجهات الداخلية و اعتمادها على الآليات القديمة في مستوى مساعدة العائلات المعوزة.
كما تم تحميلها مسؤولية تفاقم ظاهرة الاعتصامات و بأنها لم تحسن التعامل معها ولم تتصدى لها مما تسبب في تردي الوضع الاقتصادي أكثر مما هو عليه وانحدار مؤشرات التنمية إلى أقل من الصفر. كما أن الحكومة الحالية لم تبد موقفا واضحا من أحداث سوسة و سجنان و اعتصام منوبة و تهميشها لقضايا أساسية (محاكمة قتلة الشهداء, البطالة, الفقر, ...) انصرفت إلى أمور هامشية كان من المفترض التعامل معها بشكل حازم (مسألة النقاب و السلفية...). كما يعاب على هذه الحكومة التذبذب في مستوى الخطاب و عدم التوافق بين قيادات الترويكا بل و بين قيادات كل حزب فيها .
كما وجهت انتقادات لهذه الحكومة بشان التعيينات التي قامت بها على رأس المؤسسات الإعلامية العمومية الكبرى والتي اعتبرها البعض عودة إلى الرقابة على وسائل الإعلام والحد من حرية الصحافة و رغبة في الاستحواذ على المشهد الإعلامي لتوجيهه لخدمة الحكومة. عاب الكثير على الحكومة انبطاحيتها للدولة القطرية وخاصة إشارة العديد من المحللين السياسيين إلى تدخل قطر في تسمية الوزراء حسب درجة ولائهم لها.
و لعل أهم المسائل التي أثارت جدلا كبيرا و أسالت حبرا كثيرا ،مسألة الخوف على الحريات خاصة بعد تتالي أعمال العنف ضد الصحفيين بسبب أرائهم المناهضة للحكومة من قبل أشخاص محسوبين على التيار المتشدد.
وكل هذه المسائل المعروضة التي ركز عليها الإعلام و حاول من خلالها تبيان عجز حكومة الجبالي وضعفها ، لا شك في أن الكثير منها صحيح لكن في المقابل يحقنا لنا التساؤول عن نقائص حكومة الباجي و الأخطاء التي وقعت فيها والتي تغافل عنها الإعلام الموجه و خاصة التركة التي خلفتها حكومة سي الباجي للسلطة الحالية و التي بلا شك كان لها الدور الرئيسي في تفاقم عجزها و ضعفها.
من هو الباجي قائد السبسي البديل؟؟
من الضروري هنا التذكير و التعريف بشخصية الباجي قائد السبسي الذي يدفع به الإعلام الآن كرجل لهذه المرحلة الانتقالية و كبديل سياسي لا مثيل . يعتبر الباجي قائد السبسي كما هو معروف أحد رجالات الزعيم الراحل بورقيبة وقد تولى عدة مسؤوليات هامة في الدولة التونسية بين 1963 و1991.
و بعودة سريعة إلى التاريخ نجد أن هذا الرجل كان أحد أيادي بورقيبة في تصفية اليوسفيين ، كذلك فهو مورط في توريط و محاكمة قائد المقاومة التونسية ضد المستعمر لزهر الشرايطي و شنقه .
كذلك السيد متورط في جرائم قامت بها الدولة البورقيبية من قتل المئات من المعارضين والمتظاهرين خلال مراحل مختلفة و تعذيب مئات آخرين ، و هو مزور للإنتخابات عندما كان وزيرا للداخلية في العهد البورقيبي باعترافه أمام الصحفي أحمد منصور في برنامج بثته قناة الجزيرة .
كما لا يفوتنا هنا أن نذكر بأن الباجي قائد السبسي قد أنتخب في مجلس نواب بن علي عام 1989 وتولى رئاسة المجلس بين 1990 و1991 .
كما نذكر بأن الدولة التي لم يفوت فرصة ليحدثنا عن مفهومها وعن تشبعه بقيمها كانت دولة قائمة على الفساد على مدى أكثر من خمسين عاما وبالتالي هو شريك في فسادها و بفاعلية بحكم المناصب الكبيرة التي شغلها فيها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.