جاء عنوان المسرحية الأردنية "ونحن نسامح؟" في شكل سؤال إنكاري لا يبحث بالضرورة عن إجابة، والأسئلة العالقة التي طرحت في الدورة السابعة عشرة لأيام قرطاج المسرحية كثيرة جدا. على مدى خمس وسبعين دقيقة، تتلاعب المخرجة "سوسن دروزة" بالمشاهد، تحيره، تشده إلى فصول عملها المسرحي بقوة: نظريا نحن أمام رجلين على الركح، نشك في البداية، من يكون الثاني الذي اقتحم وحدة الأول، أهو الرجل وظله؟ ونكتشف تدريجيا أنه الخوف، لصيق الإنسان في عالم غارق في دمه. "سوسن دروزة" مخرجة محيرة، تغوص دائما في عمق الإنسان، وهي من أوائل المسرحيين الذين لم يخشوا إدخال الفيديو في العرض المسرحي ومنه اقتحمت عالم الصورة، لكن ظل الركح يشدها بقوة وتحسن هي من خلاله التعبير عن حالة القلق الإنساني. بآداء سريالي، يتميز على الركح الممثلان "أحمد العمري" و"الحاكم مسعود" في تجسيد لعبة الانتقام والعفو... الضحية التي تريد الثأر لنفسها وتقرر نحر الجلاد في لحظة شديدة التوتر تهدأ تدريجيا مع فكرة التراجع عن مبدإ الانتقام... لا تتقشف "سوسن دروزة" في إضفاء جماليات بصرية على عملها المسرحي الجديد الذي أنتج منذ سنة، فتحضر الموسيقى واللوحات التعبيرية والإضاءة والإكسسوارات لتصور العالم الغارق في فوضاه، الراغب في وطن واحد، شعب واحد، حاكم واحد. "ونحن نسامح؟" مسرحية لا تخجل من عرض دموية العالم اليوم، وتسلط ضوءها بعمق على ما يحدث في دول العالم العربي المشتعلة بفتن طائفية، واستبداد داخلي، وتدخل أجنبي سافر، واستعراض هائل لكم القتلى والجرحى وتدمير المدن العريقة، وتجسد المسرحية كل هذه الدموية عبر مساحة كبيرة للون الدم على أزياء الملابس والفضاء المسرحي في الجزء الأخير من المسرحية. من عليه أن يسامح؟ ولماذا يقاوم فكرة الانتقام بشدة؟ الحكاية باختصار هي حكاية الأب (أحمد العمري) ولصيقه الذي يمكن أن يكون ذاته، أو خوفه (الحاكم مسعود)... الأب الباحث عن ولديه ليجدهما من ضمن ضحايا القتل المجاني في ساحات القتال الحالية في تلك المجتمعات العربية.