صور تعذيب الأسرى العراقيين من قبل شواذ الجيش الأمريكي، أثارت وتثير الصدمة والقرف لدى كل من شاهدها.. ثم ماذا بعد ذلك؟ الأمين العام للأمم المتحدة، تحدث صراحة، عن امكانية اقرار مجلس الأمن الدولي «إبقاء» قوة متعددة الجنسيات في العراق، وذلك يعني ايجاد قوات دولية تعمل مع قوات الاحتلال الأمريكي، وغالبا، تحت سلطتها، بعد أن أعلن الأمريكيون أنهم ينوون البقاء في العراق «ضيوفا» بعد نهاية جوان المقبل، كما أعلنوا إنهم لن يسلموا كل السلطات إلى العراقيين. الأمين العام للأمم المتحدة، طوى إذن صفحة الأسرى العراقيين، وعاد ليتداول في ما تعرضه واشنطن على مجلس الأمن الدولي من مشاريع وأفكار، تخفف من أزمتها ومن تورّطها في العراق. مسؤولون كثيرون، ومرجعيات دولية عديدة، طوت هي أيضا صفحة الأسرى العراقيين، والمعاملة الوحشية غير الانسانية التي تعرضوا لها، وكأن الأمر يتعلق بمجرد حادثة معزولة، لن تتكرّر. لقد كان سجن «أبو غريب» في بغداد، من المبررات التي ساقتها واشنطن لحربها ضد العراق، فهذا السجن حسب ما صورته دعاية الاحتلال، المتربص بالعراق، وكذلك المعارضة العراقية المرتبطة بذلك الاحتلال، هو عنوان «بطش» نظام الرئيس صدام حسين، ففيه ارتكبت «الفظاعات» ضد المعارضين، ولكن عندما يتحول سجن «أبو غريب» إلى مختبر لمختلف الممارسات والمشاعر السادية من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، فإن ذلك يفترض ضبط النفس وصرف النظر عنه، والتعاطي معه باعتباره، أمرا طارئا وغير قابل للتكرار، بما أن سلطات الاحتلال، اعتبرت ان الأمر «مفزع» وان من قام به لا يمثل «الشعب الأمريكي»، وإن هؤلاء سيحاكمون، وبما أن وسائل اعلام أمريكية نفسها هي التي كشفت ذلك الأمر واستنكرت حدوثه، وبالتالي فإن الأمر مهما كانت بشاعته يظل محدودا. ومنطقيا، فقد كان منتظرا حدوث مثل تلك الممارسات غير الانسانية ضد الأسرى العراقيين. وقد أشارت وسائل إعلام أمريكية وبريطانية، ان ما تم الكشف عنه هو جزء من ممارسات حدثت، وتحدث للأسرى العراقيين، في سجون الاحتلال الأمريكي. فهؤلاء الأسرى هم من المعارضين للاحتلال الأمريكي، ومنهم أيضا من أنصار النظام العراقي السابق أو من أفراده، أي انهم أسرى سياسيون، وإن ذلك الأسلوب «المنهجي» في التحقيق معهم، هو جزء من استراتيجية الاحتلال للحصول على اعترافات الأسرى، ولإهانتهم وهز ثقتهم بأنفسهم وبمواقفهم وبانتمائهم.. وهو أسلوب استعملته كل القوى الاستعمارية في السابق، وإن الأمريكيين، في تلك الممارسات، لا يختلفون عمن سبقهم، من المحتلين، سوى بمزيد من الخواء الروحي والانساني. ومنذ ان احتل الأمريكيون العراق، فإن مثل تلك الممارسات كانت منتظرة، وان غيرها، وربما الأسوأ منها، سيظل منتظرا أيضا لسنوات عديدة في المستقبل، حتى وإن سلّم الأمريكيون «السلطة» إلى العراقيين في جوان المقبل ولكن هل سيكون ما حدث ويحدث للعراقيين اليوم، كافيا، للوقوف على حقيقة ما كانت تسمى بالمعارضة العراقية؟ وهل ان ما حدث ويحدث للعراقيين، اليوم، سيكون كافيا أيضا ليكشف المغالطة الكبرى التي وقع فيها العديدون، وخاصة منهم، بعض العرب، الذين سهّلوا سقوط العراق؟ إن ما يعيشه الأسرى العراقيون، هو ضريبة تمسكهم بحرية وطنهم، وهي وضعية عاشها قبلهم أحرار عديدون في العالم، رفضوا الخضوع للمحتلين والغاصبين، مهما كان جبروت قوتهم، ومارسوا في ذلك انسانيتهم وحريتهم الحقيقية رغم الأسر.