لأن الإعلام أيضا لعبة، وهي صفة لا تنقص منه شيئا ولا تضعه بالضرورة موضع تهمة، يصبح المطلوب اتقانها وتوظيفها للجدّ عوض اللّهو! وأول أمس مارست قناة الحرّة حقها في اللّعب، وحاولت أن تكون وفيّة وهذا حقها للطرف الذي يملكها. فقد خصصت هذه القناة حلقة من ساعتها الحرة، للحديث حول صور العار الخاصة بتعذيب المساجين العراقيين بشكل يوجه الحديث لانتاج براءة من رحم تهمة واضحة، ولابراز الجمال من رحم القبح ذاته أي بشكل يجعل الإدارة الأمريكية تستفيد من العار الذي لحق بها! واختارت القناة أن يبدأ البرنامج بتصريحين للرئيس بوش ولرئيس الوزراء بلير يدينان فيه بشدة الصور، ويعبران عن اشمئزازهما منها، ويؤكدان أن العدالة في هذا الشأن ستأخذ مجراها. وبعد هذه التوطئة المختارة، مرت لسؤال الضيفين، وأحدهما عضو مناوب لمجلس الحكم العراقي، والآخر من كبار المتحمسين «للتحرير»، فأدانا في الأول ما جرى، ولكنهما وضعا أمامه نقاط استفهام حول كل هذا الحماس العالمي الذي استغل نشر الصّور وغياب ذلك الحماس أيام صدّام حسين. ومن هنا اتخذ الحديث منحى التذكير «بجرائم» صدام حسين وبمزايا الحرير (الاحتلال) لدرجة أن أحد الضيفين أصر أن ما تم دلالة على تحرير العراق، فمن قبل كان السجناء يعذبون بدون أن يدري أحد، أما الآن فقد أصبحوا يعذبون لكن بمعرفة العالم كله! وهذا تطور ايجابي حسب الضيفين العراقيين. ودليل على نبل الإدارة الأمريكية! ولأنه لا بد من خلط الأوراق، بقصد تضليل الرأي العام طبعا، كان لا بد لموضوع الصور أن يتحول لموضوع «الارهابيين» في الفلوجة و»المستبدين» في النجف وكربلاء فالخطر الحقيقي على العراقيين يأتي من هناك وليس من قوات التحالف، والمشكلة ليست في تكرّم الإدارة الأمريكية من خلال عنايتها بالمسألة، ولكن في أحوال العراق الأخرى، وهي أحوال تسعى ادارة التحرير لعلاجها! أما الصور فمجرد تجاوز لسلطة يحدث في كل مكان، ومجرد نشاز طرأ على اللحن، ومجرد «بقعة» صغيرة تريد أن تشوّه بياض التحرير! والمهم في هذا كله هو أن الحرة، اختارت بعناية ضيوفها، ورتبت بانتباه فصول ساعتها الحرة، ووجهت البرنامج شكلا ومضمونا في اتجاه مصلحة الإدارة الأمريكية، وهذا في الحقيقة دورها، وهو أيضا حقّها، وتلك هي مهمتها. لكن في نفس اليوم تأتي أخبار لم تغفل عنها حتى الحرة، فرددتها في نشرتها الاخبارية وهي تقول إن السيد أريمتاج نائب وزير الخارجية الأمريكية أحاط وزير الخارجية القطري علما بكل تجاوزات الجزيرة في حق ادارته وهي تجاوزات لا تتجاوز في الحقيقة صراخ مراسل الجزيرة أحمد منصور من الفلوجة عندما كانت القنابل تدك المدينة الشهيدة وعندما كانت أصابع قناصة المارينز تبحث عن صدر المراسل! وليس في كل هذا إلا ما يدل على أن في المسألة لعبة ولعبة كبيرة! فأي حق هذا الذي يمنح الحرة حرية اللعب لوحدها؟ وعلى أي أساس منحت لوحدها هذا الكرم؟