بقلم الأستاذ: جمال الدين بوغلاب الزمن الفاضح والموت الواضح والإصرار على انهاء كلّ شيء. هكذا هي السياسة الدولية اليوم، تجاوز للأعراف والقوانين وسطو على التاريخ الانساني. ولكن من أجل ماذا؟ يصاب المرء بالهلع كلما قلب النظر في المرجعيات. في الماضي كان التعاطي مع القوى التي تحكم العالم واضحا ومعلوم المرجعيات والمسالك. هذا أحمر وذاك عنوانه حرية المبادرة وثالث يرى في الموازنة بين المال والانسان حلاّ وسطا لاستمرار سياسة الانسان والشأن العام. لكن أن تجد نفسك وأنت تدرس تطور ظاهرة «الاجتماع السياسي» والقانون الدولي الانساني بمختلف أجياله أمام مكونات خطاب خلفيته الدستورية «الدولة العلمانية» التي يتسع صدرها لكل المعتقدات ولا تعتمدها ولا تتأثر بها. لا سلوكا ولا خطابا. تنقلب على العقل وانتاجه وأنظمة الحياة وشرائعها بدون عسكر ولا بندقية ليتحوّل «الفكر والمعارف الكونية» إلى تنظير وتبشير بقرب نهاية العالم. يحصل هذا تحت أعمدة السياسة وليست في المعابد والأديرة!! ومع الأيام تتبين الصورة المتردّد في تصديقها. نعم.. الخطر على العالم لا تصيغه الكهوف، بل مؤسسات الدول، بل وحتى المؤسسات الدولية.. وعبر صناديق الانتخابات وعصابات السطو العقائدي والتعصب الديني والحقد العرقي. ويكفي أن يكون للمرء الحد الأدنى من الاطلاع حتى يكتشف التنظير لذلك. فلقد أوردت الصحفية والسياسية «غريس هالسل» في كتاباتها عن المجتمع السياسي الأمريكي وتجربتها فيه ما يؤكد استنتاجنا ويكفي مجرد تصفح كتابيها «يد اللّه» و»النبوءة والسياسة» وبخاصة البابين الأول والثاني الواردين تحت عنواني: «النهاية قريبة». و»ريغان: التسلح من أجل هرمجدون حقيقة». بهذه الوسيلة المعرفية فقط يمكن فهم «اللحظة الإنسانية» و»اللحظة العروبية». وسوى ذلك اسقاط أخرق، قسري لا يفضي إلى فهم ظاهرة العنف المبتز. وإن ما يحدث اليوم في أكثر من بلاد عربية. مثل حوادث العنف في سوريا الآونة الأخيرة والاعتداء على «الذات» و»الحرمات» والمال العام والخاص. في العربية السعودية هذه الأرض التي قال فيها الرحمان: من دخلها كان آمنا. وما يحدث في تركيا. وما قد يحدث. والمخفي المبطن أدهى وأمر. ليس له إلا التبريرات التالية: 1) لئن كان القرن الماضي قرنا للانقلابات العسكرية في الدول حديثة العهد بالسيادة حيث يعشش الفقر والجهل. فإننا اليوم إزاء بداية قرن فريد للانقلابات العقائدية. في دول الديمقراطية والعلمانية ومؤسسات المال والاستثمار. وهذه الظاهرة في تقديرنا تحرّكها أيادي «الصهيونية العالمية» بالتحالف مع صنفين من البشر. الأول يمين مسيحي متطرف كحليف عقائدي والثاني: يتمثل في جملة من وقع في الشراك عن جهل. أو من تواطأ مصلحة ويندرج في هذه الخانة بعض أصناف ما يسمى بالمعارضات العروبية. 2) إن اشاعة عقلية «رفض الآخر» و»الاستئثار» بالحقيقة والأحقية و»تكفير المجتمع» ورفض مؤسساته جزء من المشروع المستهدف للأمة العربية.. كإقليم جغرافي بما فيه ويحويه وكأقطار وسيادات وأنظمة اجتماعية وسياسية. الغاية منه ضرب «الوحدة» من الداخل بأياد من الداخل وبخطاب محلي قد يجد من وما يبرّره. وهي اللحظة التمهيدية التي يراد بها شيئان: الأول: إنهاك الدول من الداخل وتوريطها في استباحات داخلية لما للدم. والتأثر من قيمة ودلالة رجولة في الموروث الثقافي الشعوبي. أما الهدف الثاني: فهو إتاحة فرص أكثر فاعلية لإملاء المشروع المعنون بالاصلاح القادم من الخارج، وذلك في لحظة تبين فشل نموذج «الغزو» من الخارج على أسوار «بغداد» و»جنين» و»رفح» إن من حيث تواضع النتائج وانحسار فاعلية أبواق الدعاية أو على مستوى التكلفة ماليا وبشريا. وهو ما يدعونا إلى وقفة عاقلة متأنية تأخذ في الاعتبار الاستنتاجات التالية: 1) يتأكد بما لا يدع مجالا للريب أن المستهدف هي الشعوب حكّاما ومحكومين ولذلك من الواجب على «المبدع» العربي والناقد والسياسي أن يكفّ عن تقسيم الجبهة الداخلية إلى نصفين بين مزاول للسلطة وطامح إليها والاكتفاء بمجرّد تحميل الوزر على الشق الأول. لأن ذلك ينخرط بشكل أو بآخر فيما يراد بنا جميعا. 2) لقد أثبتت «الصور الفضيحة» لسجن «أبو غريب» أن ما يتشدق به الغرب من انسانية وحنان على حرمات الناس لا يعدو عن كونه زيفا وبريق خطاب وعامل ضغط، سقطت مع نشر صور «تبول الجنود» على أبناء البلد. آخر ورقات العفّة المصطنعة، لهوس هو كمن يذكر أيام «جوسبان» و»بريك بالعظم». فليس لأحد أفضلية على أحد. بل هو التشريع لما يحصل. 3) تحويل مجال الابداع والفكر من دائرة التراخيص المسبقة في الوطن العربي، إلى دائرة التقييم الانساني والتاريخي لكل منظومة معرفية. تحت الشمس وفي ظلال القانون الضامن للجميع. لأنه تبين أن رفض الآخر لا يلغيه بل يخفيه ويواريه عن الأنظار وهي الخطورة بعينها لأن المسمى فكرا المولود في الكهوف العتمة يولد أعمى يحمل في بذوره رفض الجميع بمنطق الضحية المستهدفة وعالمنا اليوم وسياساته الدولية خير من يرعاه ويفجره قنابل موقوتة في محارب المعرفة ومدارج العلم والفعل الانساني. فلا مستقبل لأمم يخط مستقبلها رعاتها بل نحاتها مع احترامنا للرعي وأهله فالمقصود أبعد مدى لأنه ليس بالامكان أن يطلب مني بناء سور حال جهلي فن المعمار. فلا يعيب المرء إقراره بجهله واعترافه بالآخر، لأن الباب ليس باب مفاضلة بقدر ما هو بحث عن أفضل السبل لنحيا معا وإن اختلفنا.