انتقل حديث الولاياتالمتحدةالامريكية حول الديمقراطية وحقوق الانسان، خلال السنوات الاخيرة، من الريبة من مقاصده، الى الاستهزاء به، الى القرف منه. وقد جاء الجزء المكشوف من فضيحة سجن أبو غريب لينبّه الغافلين حول زيف الديمقراطية الامريكية، وتشدّقها بحقوق الانسان. أما ما خفي فهو أعظم بلا شكّ! وإمعانا في غرورها من جهة، وفي استغبائها للآخرين من جهة أخرى، تريد الولاياتالمتحدةالامريكية أن تحوّل هزيمتها الاخلاقية الكبرى، الى نصر يردّ لها بعضا من شرف. إذ ها هو خطابها السياسي يفاخر بشجاعتها في الكشف عما جرى خلف أسوار السجن من تجاوزات (هي مجرد تجاوزات طبعا!)، وبآلياتها الديمقراطية التي توفر محاسبة المتجاوزين، متناسيا عمدا أي الخطاب أن الآلية التي تريد أن تحاسب جنديا صدرت له أوامر عليا، بتعذيب الغير، هي آلية متوفرة حتى في بلدان العالم الثالث. وهي آلية في هذه الحالة مزيّفة تريد التضحية بالاسماك الصغيرة، لصالح القطط السّمان، وتريد التستّر عن قرار رسمي صادر عن وزير الدفاع، لصالح حركة غير مسؤولة صادرة عن جندي صغير في طابوره الوحشي. وعندي اعتقاد أن الادارة الامريكية، تتعامل معنا كرأي عام عربي، وكأن عقولنا مازالت واقفة عند أساطير الغول والعنقاء والمردة من الجن، وإلا لما فكرت في مجرد استغباء الناس الذي يصل الى حد واجب عدم تصديقهم لما تراه الاعين ولا يخفى عن الصدور. ولما استعانت بخطاب المواربة هذا الذي يحمل الشيء ونقيضه في نفس الوقت، ويريد أن يحوّل العار الى شرف، والفضيحة الى ملحمة، والسقوط المدوّي الى نصر لا يقلّ جعجعة. بل وتحويل المدان أصلا الى أستاذ في علوم الديمقراطية الغائبة وحقوق الانسان التي لا وجود لها! والذي يراقب الخطاب الامريكي منذ بدايات ظهور الجزء الصغير جدا من الفضيحة الكبيرة جدا، يرى فيه ارتباكا وتزييفا واضحين، ويرى فيه تلاعبا بالحقائق وجهدا خارقا لتزييفها. فمرّة يكون المسؤول مزاج جندي أصابه الملل في العراق، ومرة يعود الى خلل في هيكلية القيادة الامريكية العسكرية، وتارة الى تكوين الشرطة العسكرية المنقوص، وهات من هذه التعلاّت التي لا تدلّ في الاخير إلا على خلل في صلب الادارة الامريكية ذاتها، وعلى نقص في قرارها السياسي وفي استراتيجياتها المعتمدة في العراق، لا أكثر ولا أقل، هذا اذا لم يكن من الثابت أن ذلك كله يعود الى عدم اكتراثها بحقوق الانسان بل والى سعيها الى حرمان الشعب العراقي منها، وهو شعب قال في شأنه جندي أمريكي هرب من جحيم العراق تحت وطأة تعذيب الضمير. لقد قدّموه لنا ، في دروس التعبئة المعنوية، التي سبقت الحرب، على أنه أقل انسانية منا، وأن واجبنا يتمثل في ترويعه وقتله. وكل من شاهد شهادة هذا الجندي التي بثتها القناة البلجيكية، أحسّ بالغثيان والقرف من دولة لا تحترم شيئا إلا القوة، ولا تؤمن بما في الانسان إلا العضلات. دولة واضح أنه يجب إعادة تأهيلها في مجال حقوق الانسان، وليس منحها الفرصة لتقدم دروسا هي لا تعرفها أصلا. وانه من واجب العالم الآن أن يتعامل مع أمريكا كتلميذ شرّير ومعاق معا، ومثل طالب يعاني من شيزوفراينا متطورة تصوّر له أنه حتى عندما يقتل فإنه يفعل ذلك إرضاء للرب، بل انه على العالم كله أن ينتهج معها ما تنتهجه هي مع كوريا الشمالية تحديدا، فالعالم بلا شك سيكون أفضل إذا ما نزع أسلحة أمريكا، وأقام عليها وصاية، وعاملها مثل معاملة ألمانيا بعد المحرقة العالمية الثانية. إنها ليست مقترحاتنا، ولكنها مقترحات الكثيرين من عقلاء الولاياتالمتحدة.