عندما تزور قسم الدوريات بالمكتبة الوطنية لتطلع على احدى الصحف القديمة فانك تنزعج في البداية من احد الاجوبة فإما ان يُقال لك ان الصحيفة المطلوبة غير قابلة للتداول لحالتها المهترئة. اما ان كنت محظوظا فيمكن ان تتحصل على البعض منها لكنك تجدها في وضعية لا تحسد عليها ولا يعني ذلك بالطبع انه لا توجد صحف في حالة جيدة. اقول هذا لأني طالعت سابقا، وهذه الايام كذلك، بعضا من تلك الصحف القديمة بحكم إعدادي لبعض البحوث فوجدت التي قرأتها بالأمس قد اصبحت في وضع مترد. وأقدّم على سبيل الذكر لا الحصر صحيفة النهضة 19291930 صحيفة الزهرة، صحيفة الصواب، صحيفة تونس الاشتراكية باللغة الفرنسية وصحيفة الدبيش (بالفرنسية ايضا) وغيرها كثير (وهذا دون الحديث عن وضعية بعض المخطوطات بقسم المخطوطات بالمكتبة الوطنية والذي يحتاج بدوره لمقال خاص). اذن هذه الصحف، نجد كثيرا من اعدادها شبه ممزقة وصفحات اخرى اندثرت منها تماما، والسبب هو انه لم يقع تمتين حواشيها بالبلاستيك، ولم يقع حفظها في ميكرو فيلم رغم انه تم في السابق تصوير بعض الصحف، لكن بعض هذه الميكروفلمات مهددة بدورها بالاتلاف لأنه يبدو ان عملية خزنها غير مطابقة للمواصفات من حيث درجة الحرارة والتهوئة. انني ارفع صيحة فزع لوزير الثقافة وللمسؤولين عن دار الكتب الوطنية كي يدركوا فداحة الخسارة التي ستلحق تراثنا الثقافي، اذ انني اصبحت اشك بأن يطّلع ابناؤنا خلال السنوات القادمة (لا خلال العقود القادمة) على محتوى هذه الصحف. وأعتقد ان الحل المستعجل يتمثل في تخصيص اعتمادات مالية اضافية ولو عن طريق القروض الدولية وهبات من منظمات ثقافية عربية ودولية، للقيام بصيانة هذه الصحف كأن تعمم مسألة تمتين الصحف بالبلاستيك Plastification او ان تصوّر عن طريق التصوير الرقمي رغم ارتفاع التكلفة، وقد سبق للمكتبة الوطنية ان صوّرت بعض الصحف القديمة بطريقة التصوير الرقمي مثل صحيفة «الشباب» في فترة الثلاثينات من القرن الماضي، وهي معروضة للبيع لكنها لا توجد بأرشيف المكتبة. ان عملية انقاذ الصحف القديمة من الاندثار هي في رأيي قضية وطنية، لان هذه الصحف تحمل ذاكرة تونس لمدة قرن او تزيد، وليس افدح من ان تمحي ذاكرة الشعوب، خاصة وان بلدنا معروف بجذوره الضاربة في التاريخ. علية العلاني (استاذ التاريخ بكلية الآداب منوبة)