يتوفّر في تونس، وهي تستعدّ لقمة عربية تنعقد على أرضها، كل ما يجعل الرّشد يعود للأشقاء العرب، خصوصا وهم إمّا مجبرون على الإصلاح أو قادمون عليه من تلقاء أنفسهم! فهذا البلد هو أول بلد عربي : * أقام انتخابات سواء في الغابر من التاريخ أو في الحديث منه، ذلك أنه إذا كان قورش امبراطور إيران هو أول من صاغ اعلانا لحقوق الانسان، وإذا كان حمورابي العراقي هو أول من وضع قانونا، فإن قرطاجنّة هي أول بلد في العالم ينتخب ممثلين للشعب. * صاغ دستورا ووضع أسسا وضعية للحكم. * حرّر المرأة نهائيا وقضى على التمييز بينها وبين الرجل. * ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ فتونس هي أول بلد عربي : * تأسست فيه عمادة للمحامين. * بُعثت فيه رابطة للدفاع عن حقوق الإنسان. * عُرفت فيه حركة نقابية. ولأنها اختارت التحديث والتطور، راهنت أولا على التعليم الذي تحتلّ فيه الآن المرتبة العاشرة دوليا، كما راهنت على قطاعات الصحة والبنية الأساسية.. لذلك لم يكد يداهم هذا القرن شعوب الأرض، إلا وأصبحت مشاغل التونسيين مركّزة على الترفيه وتطوير نمط العيش. وقد توفّر ذلك بدون أن تمنح الطبيعة لبلادنا ثروات هائلة، أو تدرّ عليها ما يثري بدون أن يشقي، إنما هو الرهان أولا على الانسان رأس المال الحقيقي، وصمّام الأمان الضروري! ومن ميزات بلادنا أيضا، تواجد شريحة وسطى بها تتجاوز في نسبتها ال80 وهي شريحة يمكن وصف وضعها بالتاريخي، فتاريخ تونس كله يكاد يكون تاريخ الطبقة الوسطى عبر كل العصور، وهو ما يمكن أن يشرح اعتدال شعبها، وتفتحه على الآخر، والقبول بكل أنواع الثقافات! وليس معنى هذا ان تونس بلغت الكمال، هذا زعم فيه مجانبة للواقع وتعسّف عليه، وإنّما هي بلاد كانت دائما تستقرئ المستقبل وتستشرف القادم بلغة العقل ومنطقه، ولا تجد حرجا في التأقلم معه والتفاعل مع شروطه، خصوصا أنها ستأتي قسرا وستداهم المجتمعات سواء هي أبت أم هي خضعت. وبلا شك فإن المشاعر القومية والدينية التونسية، هي عربية اسلامية فتلك هي هوية وطننا، ولكنها مشاعر لا تحجب عنا بلغة الواقع والمصالح أنه لنا امتدادات ضاربة في جنوب أوروبا ووسطه، وتونس كما هو معلوم أول بد عربي يقيم علاقة شراكة اقتصادية مع الاتحاد الأوروبي،وان هذه العلاقات خصوصا في جانبها الاقتصادي لا يمكن مقارنتها اصلا مع أي تجمع عربي،وهو بالتأكيد ما يدعو الى الأسف والتساؤل! وإذا كانت هذه القمة تأتي في ظروف سياسية عربية مدلهمّة، وتحتاج الى وقفة حازمة، فإن الجانب الاقتصادي أيضا لا يقلّ أهمية عن الجانب السياسي. فهذا العالم كله يتكتّل، وهذه دُوله تتجمّع من أجل مصالحها الاقتصادية، ومن أجل تنشيط أسواقها، ومن أجل سيولة سلعها فما الذي ينتظر العرب حتى يبدؤوا على الأقل، وحتى يؤسسوا لما كان يجب أن يقع التأسيس له منذ عقود؟ إنه سؤال بقي الى الآن بلا جواب، فهل يجد جوابه في هذه القمّة؟ ذلك ما نتمنّاه، فهذا أيضا طريق لعودة الرّشد حقّا!