بقلم : عبد الرحمان مجيد الربيعي عندما يجري الربط بين ما يحدث في فلسطين وبين ما يجري في العراق فإن هذا الربط خال من أي قسر فالجريمة واحدة بنواياها وبأسلحة تنفيذها. ليس صدفة أن يتداخل المشهد بحيث لا يستطيع المرء أن يميز للوهلة الأولى إن كان المشهد الذي يراه يجري فوق أرض العراق أو أرض فلسطين. فالأباتشي هي الأباتشي سواء حلقت في سماء فلسطين أو في العراق. والأسلوب هو الأسلوب مادام جنود الاحتلال الأمريكي قد استعانوا بخبرة جنود شارون في القصف والنسف والتجريف والمداهمة والتعذيب والقتل. محترفو الجريمة يتبادلون ويتبارون أيهما أكثر قدرة علي قتل المزيد من هؤلاء الذين لا يبدو أنهم ينظرون اليهم كبشر، لهم أحلامهم وطموحاتهم، ولهم قوة الارادة في أن يستعيدوا ما اغتصب منهم ليعيشوا بشرف فوق أرضهم. لا يعرف الهمّج من القتلة أنهم بأفعالهم هذه وهم الذين لا تاريخ لهم إنما يعتدون على سبعة آلاف سنة من التاريخ، يعتدون على إرث حضاري عظيم، معالمه في الحضر وبابل وأور، ومعالمه في بيت لحم والقدس ونابلس وحيفا وعكّا. إن حرفة القتل التي تعلموها أنستهم لماذا يحاربون؟ ومن يحاربون؟ جاءت جريمتا الأربعاء الماضي لتؤكدا أن الجريمة واحدة وإن اختلف منفذوها واختلفت جغرافيا الأرض التي نفذت فيها. الجريمة واحدة وطائرة الأباتشي هي سواء حلقت في سماء غزة لتقتل مدنيين ساروا باتجاه تلّ السلطان تضامنا مع أهلهم صرعى الخراب الصهيوني وجرائم الجزّار المعتوه المطلق السراح «شارون». جاءتهم صواريخ الأباتشي الأمريكية الصنع لتحصد أكثر من عشرين منهم بينهم الطفل والشيخ والأم والأب. وفي الوقت نفسه كانت هناك طائرة أباتشي أمريكية أخرى توجه صواريخها الى أناس يحتفلون بعرس. لقد توهّموا أن بإمكانهم ذلك في زمن الخراب الأمريكي فتمّ إفناء المحتفلين في تلك المدينة الوادعة «القائم» القريبة من الحدود السورية، ورأينا من هرعوا للمكان من أبناء القرى المجاورة وهم يحفرون (القبور الجماعية) يلمون بها أشلاء الضحايا الأبرياء، الذين تحول فرحهم الى مأتم كبير. هذه (المقبرة الجماعية) في عهد ديمقراطية الدبابات والأباتشي ومجلس بريمر و(العراق الجديد) الذي بشّرونا به تنضاف الى مقابر جماعية أخرى، رأيناها وهي تحفر وتوضع فيها نثارات البشر وبقاياهم. هل نسينا ملعب كرة القدم في الفلوجة الذي تحول بهمة فرسان الأباتشي الى مقبرة جماعية؟! * * * إن العالم فقد صوته، أصابه الخرس، أشرافه على قلتهم مازالوا يتصرّفون، مازالوا يندّدون، يجعلوننا لا نفقد الأمل. والكرام على قلّتهم سيهزمون اللئام. لقد اقترنت الجريمتان بإصدار حكم على أحد الجنود الذين نفذوا الاعتداءات اللئيمة على سجناء «أبو غريب:» وفي اليوم نفسه، ولكن أي حكم كان؟ سنة واحدة سجنا وطرد من الخدمة العسكرية! لماذا هذه القسوة أيتها المحكمة؟ كان عليكم أن تحكموه أسبوعا، عشرة أيام وليس عاما كاملا فهو كثير. هل هذا الحكم نكتة ؟ نعم، إنه كذلك. فالجريمة أكبر وأكثر وفي القاموس الأخلاقي العراقي تسمى (عارا) والعار لا بد من الثأر له وإلا بقي عارا ونقيصة تجاه من لحق به ولم يرده بالِثأر. والثأر لا يموت بالتقادم، سيظل دينا متوارثا، ألم يعلمكم هذا من جاؤوا بكم؟ من زيّنوا لكم الأمر؟ من وعدكم بأن الاحتلال نزهة؟ على من تضحكون في مسرحيات المحاكمات هذه التي تنتهي بعام فقط؟ ثم لماذا تجعلون الأمر صغيرا لهذا الحد وهو جريمة ما بعدها جريمة؟ لماذا تخفون كبار المجرمين، عتاة المخططين لكل ما جرى وتمسكون بالصغار؟ بالمنفذين لما أردتموه بإصرار؟ إن جريمتي الأربعاء في (تل السلطان) و(القائم) صرختان تطالبان بالقصاص ولا بدّ لهذا القصاص من أن يأتي، إن لم يكن اليوم فغدا!