بقلم الاستاذ: جمال الدين بوغلاب كثيرا ما يُتّهم العرب بالجنوح الى نظرية المؤامرة لتفسير الواقع وتبريره، وما بين جالد للذات ورافض ظلت الامة تراوح مكانها. فلا الذي قسا أدرك مناه ولا الذي تخاذل نال الرضا. وتقدير المسألة في نظرنا كون تعاملنا مع ما يحيط بنا ظل مقتصرا على وصف الواقع والتعامل مع البادي منه وعزلنا أنفسنا تحت مسمّيات شتى عن العمق التاريخي لظاهرة «الحاضر». ولان التاريخ لا يمثل تمثّلا وتماهيا فقط. ولأننا في بلاد العرب أسأنا التعاطي مع المبحث التاريخي كجزء من صناعة الواقع والتخطيط للمستقبل اختزلناه في بوتقة ثنائية الشجب والتمجيد أو التأليه والتنصّل. وكلا المسلكين لا يفضي إلا الى تباعد الازمنة واستفحال الفجوة بمقياس الزمان ومغادرة المكان. فكان الذي نرى ونشهد مآل حتمي لمن اختار تفسير ظواهره ورسم واقعه بأحلام ومشاريع مستعارة. كما لا ينكر منا أحد أن الزمن الذي نحياه ليس تسليما بالموجود بل صراع على ذات الوجود. نكون أو لا نكون. لذلك يجد الانسان العربي اليوم نفسه من محيطه الى خليجه أمام أزمنة تعامل مع «المطروح». فمشكلة العرب اليوم لا تختزل في أنظمتها السياسية ولا في مكونات مجتمعاتها المدنية. بل في «صدقية» طرح السؤال وفهم من وما حولنا. فلا يظيرنا ان نكون «وطنا عربيا واحدا» أو «شرقا أوسطيا» صغيرا أو كبيرا، فكل هذه التجارب مررنا بها أسيادا لجغرافيتنا وقرارنا ومنهكين مستعمريْن في أوقات أخرى. وما بين تحالف «عربي تركي عثماني» الى «انتداب استعماري» والجميع قبل ذلك ومعه ذهبوا وبقي «الدار» لاهله. فلا يزعجنّ المرء كونه ليس سيد لحظته، بل مشكلتنا المركزية أننا ولئن استعمرنا في الماضي وهُنّا على أنفسنا فإننا مع ذلك كنا نحذق فن المناورة وحصافة الرؤية الثاقبة المميزة بين العدو والطامع وخصوصية كل منهم. أما اليوم فالهرولة لا هي اختيار ولا دهاء استراتيجي بل نكاد نكون على يقين بأننا إما نفهم ولا نريد أن نفعل شيئا أو أننا نساق الى حيث يراد لنا، والنتيجة وحيدة صنفان مختلفان يجمعهما مجلس ومصير واحد وهذا عيب ونقيصة في حق صاحب المسألة. نحن أمة تجاور عدوّا واحدا وان تعددت وسائله وتنوّع رسله انه «الحلم التوراتي» القديم المحرّف ومن والاه. هدفه المعلن ما نسمعه قولا ووسيلته ما نراه فعلا. وغايته القصوى التي لم يعودوا يدارونها فربّ اسرائيل كما تقول توراتهم قدّس شعبه «الشعب اليهودي» وتعهد بنصرتهم وتجميعهم من الشتات، وأقسم بعزته أن يقيم دولتهم أمام أعين أعدائهم. (قال السيد الرب: الآن أرد سبي يعقوب وأرحم كل بيت اسرائيل، وأغار على اسمي القدوس... عند إرجاعي إياهم من الشعوب وجمعي إياهم من أراضي أعدائهم وتقديسي فيهم امام عيون أمم كثيرين... ولا أحجب وجهي عنهم بعد لاني سكبت روحي على بيت اسرائيل) «حزيقال» في دولة كما وصفها التلمود ب «معدومية الحدود» استنادا للنص التوراتي الذي يقول: «كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى من البرية ولبنان هذا الى النهر الكبير نهر الفرات والى البحر الكبير (ويقصد به النيل) نحو مغرب الشمس يكون تخمكم» يشوع 4/3/1. وعليه فإن استعبادنا والسيطرة علينا هو تكليف إلا هي لانهم يعتقدون باطلا أنهم ورثة الارض وكل ثروة يملكها «أممي» أي غير يهودي حق مباح ومتاح له هي وصاحبها؟! فكيف يراد للحكام العرب أن يصالحوا ويعترفوا. وإننا لنأمل أن تخرج القمة العربية بتونس بدعوة الى «مؤتمر لكل القوى السياسية والفكرية العربية وغير العربية والتي تنادي بالحق الانساني من أجل توحيد قوى الضغط ومراكز الثقل في العالم باتجاه طرح مسألة تنقية «الفكر» من «شوائب» العنف والرفض للآخر وإدانة كل المدارس والمذاهب الاستئصالية والتحريفية أيا كانت مرجعياتها وعناوينها ولنبدأ بالعرب نموذجا حتى لا ينزعج الغير. من أجل ارساء جيل جديد لثوابت الفكر الانساني لا تؤمن بالالغاء والاستئصال. ثقافة وخطابا وسلوكا ونظام حياة في أبعاده الاقتصادية والسياسية. وليهون الامر نقترح أن تتكفل بالامر الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي على شرط ألاّ تتم مصادرة المقترح وأن يظل مفتوحا لكل القوى الحية لمدة خمس سنوات، تنتهي بمشروع بديل عقلاني يشخص الواقع وتنبثق عنه البدائل بعيدا عن المشروع الامريكي الضاغط على الجميع وفي المقام الاول ولاة أمور العرب والذي وضع له سقف زماني الى حدود 2010. وهو أمر لا يضير في شيء تواجده إن عقدنا العزم، فدون ذلك ما نراه بمناسبة كل قمة من «بيروت» الى «تونس» ارهاب وافشال وإملاء سمج وغبي في رفح وجنين وبغداد. ورغما عن ذلك ومعه فتونس كانت دوما منطلق الانقاذ والمبادرة وإن تخلف الخائبون.