بيتر بيخسل كاتب سويسري اشتهر بكتابة القصة والرواية والمقالة السياسية. يقول عنه أبو العيد دودو احد الذين ترجموا له انه يساري في السياسة انساني في الأدب يعبر عن عزلة الانسان وطموحه الى تغيير العالم حتى لو أدى به ذلك الى فقدان اللغة التي يتواصل بها مع الاخرين. من أطرف ما قرأت لهذا الكاتب قصة موسومة ب «المائدة مائدة» لا أظنها مما يدخل في باب الاغتراب أو الاسراف في اللامعقول والحداثة كما كتب المترجم. فهي صورة من اللعب اللغوي بالمعني العميق والشامل للكلمة، أي اللعب الذي يجري على قواعد يضعها واضعها بكامل حريته ويمتثل لها بكامل ارادته دون ان يسوق ذلك الى القول انها حرية او ارادة مطلقة. تروي القصة سيرة رجل عجوز يعيش في مدينة صغيرة ويمتلك غرفة تحتوي على كرسيين ومائدة وسجادة وسرير وخزانة ومنبه وألبوم صور... وعلى الجدار علقت مرآة ولوحة. لم يتغير شيء في حياة الرجل الى ان كان يوم مشمس اعجبه على نحو مفاجئ فقال لنفسه: «الآن سيتغير كل شيء». عاد الى غرفته ولكنها كانت كما تركها . اعتراه غضب شديد فكور قبضته وضرب بها المائدة بكل قوة ثم اخذ يطبل فوقها وهو يصرخ: «لابد أن يتغير الامر... لابد! المائدة نفسها دوما والكرسيان نفسهما. والسرير واللوحة... وأنا أسمي المائدة مائدة واللوحة لوحة... والسرير يسمي سريرا والكرسي يدعى كرسيا... فلم كل هذا؟ الفرنسيون يسمون الفراش LIT والمائدة Table واللوحة Tableau ويتفاهمون... والصينيون يتفاهمون كذلك» وفكر لماذا لا أسمي السرير لوحة وأعجبته الفكرة واحس انه متعب وقال: «سأذهب لاضطجع في اللوحة» وأخذ يفكر كيف يسمي اشياءه الاخرى. واستقر رأيه... سيسمي المائدة سجادة والكرسي منبها والجريدة سريرا والمرآة كرسيا والمنبه ألبوم صور والخزانة جريدة والسجادة خزانة واللوحة مائدة وألبوم الصور مرآة... وصار بامكانه الان ان يواصل كتابة القصة بنفسه كما يقول الكاتب. فقد بقي صاحبنا نائما في اللوحة حتى الصباح... في التاسعة دق ألبوم الصور فنهض ووقف فوق الخزانة... أخرج ملابسه من الجريدة وارتداها ثم راح يتصفح المرآة حتى عثر بين صفحاتها على مائدة امه وفكّر لابد ان يتعلم الاسماء الجديدة فلديه الان لغة خاصة به اشترى دفاتر مدرسية واخذ يقيّد فيها الكلمات الجديدة بل انه ترجم الاناشيد المدرسية التي حفظها في طفولته البعيدة الى لغته الخاصة وأخذ يترنم بها مع نفسه، وشيئا فشيئا بدأت الترجمة تصعب عليه فقد نسي اكثر مفردات لغته القديمة وأصبح يتحاشى الكلام مع الناس ويتعجب لمَ يسمّون لوحته سريرا وسجادته مائدة وسريره جريدة... حتى أنه صار يستغرق في الضحك حين يسمع الناس يتكلمون... يضحك حين يسمع احدهم يقول لصاحبه: «لي عمّ في أمريكا او سأذهب لمشاهدة كرة القدم» لأنه بكل بساطة لم يكن يفهم كل هذا. هذه القصة ليست قصّة مسلّية كما يقول الكاتب فقد عجز الرجل عن فهم الناس وهذا ليس بالامر السيء في حد ذاته انما الاسوأ انهم لم يعودوا يفهمونه... أفهمتم الان لماذا صار مجلس الحكم الانتقالي يسمى حكومة مؤقتة... وقوات ا لاحتلال تسمى قوات متعددة الجنسية... والمقاومة ارهابا... والاحتلال تحريرا... اختم بهذه النادرة... ولكم ان تترجموها الى لغة صاحبنا... بوش لكلينتون: أنجدني يا بيل... اني اغرق في العراق! كلينتون: افعل كما فعلت انا مع مونيكا لوينسكي! بوش: اتمزح... أنا لا أفهم؟ كلينتون: أنا لا أمزح... أبدا ب «الصدر».