«من الصعب حماية حكومة بأكملها»، هكذا اعترف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول متحدثا عن الحكومة العراقية التي تم تشكيلها والتي سيتم تسليمها السلطة مؤقتا مع نهاية هذا الشهر. وقد جاءت هذه التصريحات الأمريكية على خلفية الهجمات الأخيرة التي استهدفت مسؤولين عراقيين سامين. وقد توقع وزير الخارجية الأمريكي تصعيدا جديدا في عمليات اغتيال قد تستهدف مسؤولين عراقيين جددا... وربما ستبدأ المشاكل الحقيقية بالظهور الآن بعد أن حسم الأمريكيون الصيغة «القانونية» لتواجدهم في العراق من خلال القرار 1546 الذي منحهم الغطاء السياسي والذي قال عنه باول انه دليل على تفويض وموافقة دولية جماعية على المجهودات الأمريكية في العراق. وربما كان من السهل على الدبلوماسية الأمريكية والبريطانية المدعومة بخبرة المبعوث الأممي الابراهيمي، في تشكيل الحكومات على انقاض الحروب الأمريكية، اقناع أعضاء مجلس الأمن الدولي بضرورة تبني القرار 1546، بعد مداولات وتنقيحات عديدة.. وربما اعتبرت الدول الدائمة العضوية في المجلس والمعارضة للحرب التي شنت على العراق، ان القرار 1546 هو أفضل الصيغ التي يمكن الوصول إليها في الوقت الراهن، والذي يتسم بشدة السيطرة الأمريكية على العلاقات الدولية، حيث فضّل كل طرف القبول بحل يضمن له السلامة في نهاية الأمر مادام الوجود الأمريكي في العراق أمرا واقعا لن يغيّره قرار جديد من مجلس الأمن الدولي.. وبذلك لم يكن التفاوض حول هذا القرار ليمثّل اشكالا كبيرا بالنسبة للدبلوماسية الأمريكية التي تراهن على اعتراف دولي بهذه الحكومة الجديدة المؤقتة، المنصّبة من دون شرعية فعلية، وقد تحصل هذه الحكومة فعلا على اعتراف دولي، ولكن هل سيكون بامكان هذه الحكومة الحصول على الشرعية من العراقيين؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الإدارة الأمريكية، وربما ستعمل على التكثيف من التواجد العسكري الأمريكي والبريطاني في العراق لدعم سيطرة هذه الحكومة على الأوضاع هناك، ولكن كل هذه الحلول تظل حلولا ترقيعية لاطالة عمر هذه الحكومة المؤقتة، وربما لاستكمال بقية المخطط من وضع «دستور» للعراق إلى تنظيم «انتخابات» وغير ذلك من الخطوات السياسية، التي تعتقد إدارة الاحتلال ان من شأنها تطبيع الوضع في هذا البلد.. وقد تنجح إدارة الاحتلال في تنظيم كل هذه الخطوات وفي تحريك هذه الحكومة باتجاه تنفيذ ما هو مطلوب منها، وهو أمر متوقع، انطلاقا من الاتفاقيات التي أبرمت مع هذه الحكومة ووضعت في شكل ملاحق اضافية ضمن القرار 1546، وكذلك انطلاقا من خصوصية القيادات التي تم اختيارها ضمن الحكومة المؤقتة، ألم يعترف رئيس الوزراء العراقي المعيّن مثلا، بأنه قد عمل في السابق لصالح المخابرات المركزية الأمريكية، وإن قدّم الأمر باعتبار ذلك عملا من أعماله «الوطنية الجليلة» التي سهلت «تحرير» العراق، وبأن ذلك لم يكن مع المخابرات المركزية الأمريكية فقط، بل مع أجهزة مخابرات عديدة في دول عديدة..! قد تنجح الادارة الأمريكية اذن في تسيير الأمور بالعراق، عبر هذه الحكومة، ولكنها ستظل عاجزة عن تحقيق الاستقرار، وخاصة عن ايجاد شرعية لهذه التشكيلة الحكومية المنصّبة، فلا شرعية إلا تلك التي يمنحها العراقيون. وستظل هذه التشكيلة تفتقد الشرعية القانونية والأخلاقية، مادامت لا تعكس اجماع العراقيين ومادامت تأتمر بأوامر الاحتلال، ولذلك فإنه سيصعب «حماية هذه الحكومة» كما قال وزير الخارجية الأمريكي، ما لم تكن حمايتها نابعة من ارتباطها بالعراق، ومن اخلاصها لخدمة شعبه.