من المتعذّر على المرء أن يواكب بمفرده التظاهرات الكثيرة التي تنتظم في اطار «شهر التراث» ببلادنا ما بين 18 افريل و18 ماي من كل عام: إنها ممتدّة في فضاء التنوّع الى حدود ملحوظة. لكن هل تستوعب المجموعة الوطنية، ككل، ذلك الزخم السنوي الاستثنائي استيعابا فعليا وهل تحسن توظيفه والاستفادة منه، تحقيقا للغرض الاصلي من اقامة هذا الشهر المتميّز؟ سؤال مشروع ولا شكّ ونحن أولا، قد ودّعنا الدورة الثالثة عشرة (وليس الثالثة عشر كما عنون لها الدليل الرسمي الذي نشر بعناية وزارة الثقافة والشباب والترفيه)، وهي دورة اختير ان يدور محورها حول «المعالم والطقوس الدينية بالبلاد التونسية عبر العصور». لقد تبارى الجميع وتنوّعت الانشطة والجهود المبذولة على امتداد ولايات الجمهورية والمندوبيات الجهوية للثقافة واللجان المحلية والمكتبات الجهوية والعمومية والجمعيات المعنية والغرف الفتية ودور الثقافة ودور الشباب والمراكز الثقافية ونوادي الاطفال وبجهود المشرفين والباحثين والفنانين. وغير ذلك كثير من المؤسسات والأفراد. فكانت الانشطة الفكريّة (من محاضرات وندوات وموائد مستديرة) واللقاءات والمعارض والورشات والمهرجانات والانشطة المختلفة الاخرى (من مسابقات واستعراضات وزيارات ورحلات وعكاظيات...). وبصرف النظر عن بعض الاطراف التي تألقت بتخلّفها عن الاسهام بوجه من الوجوه في «موكبة» شهر التراث، ثم بصرفه ايضا عمّا لم يقع انجازه مما سبق الاعلان عنه والالتزام بتنفيذه ودوّنه دليل الشهر الذي نشر بمعرفة المعهد الوطني للتراث ووكالة احياء التراث والتنمية الثقافية، فإن جمهرة معتبرة من تلك الانشطة لا شك انها قد جذبت اليها مرتاديها من المولعين او المختصين او المستطلعين او عامة المتفرّجين. دون الخوض حينئذ فيما حصل فعلا او لم يحصل، فإنه من المشروع ان لا يقصر المرء نظره على دورة عام 2004 بما كان لها او عليها، وأن يستطلع سائر دورات شهر التراث، ليطرح سؤالا مركزيا فيه رجاء وفيه قلق: هل حفظنا بضمير الجماعة رصيد كل تلك الجهود العامة والخاصة التي بذلت في خدمة مختلف المحاور الثقافية علي مدى الاعوام؟ نعم نسأل: اين ذهب تراث رصيد شهر التراث... أين حفظت دفاتره... هل دوّنت اعماله وسجّلت، هل جمّعت، هل رتّبت، هل بلّغت الى الدوائر المركزية للثقافة فصنّفت وخزّنت ثم نشرت فوضعت في متناول الطالبين؟ لا يتعلق المقام طبعا «بكل ما جرى» في مواسم التراث المتعاقبة، فالتنظيم والتصنيف و»التكرير» والاستثمار يقتضي كله نوع اصطفاء وحسن انتخاب... وتلك من قبل ومن بعد مسؤولية وأيّة مسؤولية. لا نبالغ ان نحن قلنا ان مئات من منتخبات الدراسات النافعة وثريّ المعلومات الثقافية المختلفة وعيون التسجيلات السمعية والبصرية ونادر الشهادات الثقافية الشفوية وقيّم الادوات والتقنيات وسائر ما في معناها مما لا نخاله يخلو من الاضافة والكشف والتثبيت والتحقيق، قد ظهر ذات شهر من الشهور ثم ها هو لا يُدرى اين هو، لا مركزيا ولا جهويّا ولا غير ذلك، ولا ما هي اليوم حاله ولا ما كان منذ ذلك الحين مآله. لقد كان بالامكان استثمار ذلك كلّه في تطعيم بنك معلومات، بلادُنا في اظهر الحاجة اليه، بنك تفاعليّ مع المادّة الثقافية التونسية ومع الانسان، مؤسس على أدوات استخدام متطوّرة وعلى منهجية عمل وتعامل عصريّة. شهر تراث، وبعد؟ بكل الحاح وحيرة نقدّم سؤالنا، لأننا واكبنا كغيرنا بعض ما زخر به هذا الشهر فاكتشفنا، وتعلّمنا، واستفدنا، وازددنا لهذا الوطن حبا وبه حياة. سؤال نطرحه هنا على الملإ بعدما ساررنا به أهل حل وعقد قائمين على حظوظ هذا الشهر في وزارة الثقافة في حديث خاص، فكان الجواب أن لا جواب ولا رصيد، اللهم سوى ما قد يكون حفظه او احتفظ به بعض المبدعين او المساهمين او هياكل التأطير المبثوثة هنا وهناك، فكانت الدعوة الحثيثة «أن أكتب». فها أن الامر كان رجاء ان يحصل ما ينبغي ان يكون. ويبقى رجاء آخر: لأن التقويم والاستخلاص بشأن الدورة الثالثة عشرة، المنقضية، لشهر ا لتراث، لا نحسبهما قد تما، فالمرجوّ الاكيد الاسراع بذلك قبل التفات وزارة الاشراف الى شأن آخر يستأثر بالاهتمام والجهد... والصيف عند الباب! كما انه من الحزم البدء من الان في اصطفاء محور الدورة القادمة لسنة 2005 كي يكون كافّة المعنيين والمتدخلين والمساهمين في سعة نسبيّة من امرهم. فلنأخذ بالاختيار الذكيّ الثريّ وبالاعداد الجيد، اليس تراثنا الحقيقي هو ما افاد لغد وليس مجرّد ما كان وانتهى؟