إن البحث والاستقصاء عن كل ما ورد من نماذج رائعة وصور مشرقة لمحاسبة السلف الصالح لانفسهم يتطلب مجهودا جبارا ووقتا طويلا، لأن أولئك القوم ارتبطت قلوبهم بالله، فكانوا أجسادا في الارض وقلوبا في السماء، وما إن يحصل من أحدهم تقصير أو زلّة إلا ،ويسارع في معالجة خطئه، ومعاقبة نفسه على ذلك، حتى لا تكاد تأمره إلا بخير. ولعلنا نقتصر هنا على بعض النقولات العجلى عن أولئك النفر الكرام لعلها تحرك القلوب، وتشحذ النفوس وتربّي المسلم تربية جادة قوية. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار : عمر!! أمير المؤمنين!! بخ بخ، والله بُنيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذّبنّك. وجاء رجل يشكو الى عمر وهو مشغول فقال له: أتتركون الخليفة حين يكون فارغا حتى إذا شُغل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرّة، فانصرف الرجل حزينا، فتذكر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرّة، وقال له: (اضربني كما ضربتك) فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك. فقال عمر: (إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقك) فقال الرجل: تركته لله. فانصرف عمر الى منزله فصلى ركعتين ثم جلس لنفسه: (يا بن الخطاب: كنت وضيعا فرفعك الله، وضالا فهداك الله، وضعيفا فأعزّك الله، وجعلك خليفة فأتى رجل يستعين بك على دفع الظلم فظلمته؟!! ما تقول لربك غدا إذا أتيته؟ وظل يحاسب نفسه حتى أشفق الناس عليه). وقال ابراهيم التيمي: (مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أردّ الى الدنيا فأعمل صالحا! قلت: فأنت في الامنية فاعملي). ** يحسّ بالنار وحكى صاحب للاحنف بن قيس قال: كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل، وكان يجيء الى المصباح فيضع اصبعه فيه حتى يحسّ بالنار ثم يقول لنفسه: يا حنيف! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ونُقل عن توبة بن الصمّة: (انه جلس يوما ليحاسب نفسه فعدّ عمره فاذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فاذاهي واحد وعشرون ألفا وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتي! ألقى الملك بواحد وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟!! ثم خرّ فاذا هو ميّت!! فسمعوا قائلا يقول: يا لك ركضة الى الفردوس الاعلى). يقول الغزالي معلقا على هذه القصة: (فهكذا ينبغي أن يحاسب (العبد) نفسه على الانفاس، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل ساعة. ولو رمى العبد بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة قريبة من عمره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي، والملكان يحفظان عليه ذلك {أحصاه الله ونسوه...} (المجادلة: 6). ويُحكى أن حسان بن أبي سنان مر بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه، فقال: تسألين عما لا يعنيك؟! لاعاقبنّك بصيام سنة، فصامها). وقال عبد الله بن قيس: كنا في غزاة لنا فحضر العدو، فصيح في الناس فقاموا الى المصافّ في يوم شديد الريح، واذا رجل أمامي وهو يخاطب نفسه ويقول: أي نفسي! ألم أشهد مشهد كذا فقلت لي: أهلك وعيالك؟!! فأطعتك ورجعت! ألم أشهد مشهد كذا فقلت لي: أهلك وعيالك؟!! فأطعتك ورجعت! والله لاعرضنّك اليوم على الله أخذك أو تركك. فقلت: لارمقنّك اليوم، فرمقته فحمل الناس على عدوّهم فكان في أوائلهم ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا (أي هربوا) فكان في موضعه، حتى انكشفوا مرات وهو ثابت يقاتل، فو الله مازال ذلك به حتى رأيته صريعا، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة). ** محاسبة نختم بفائدة مهمة فيما يعين على المحاسبة ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين)، فقد ذكر أن مما يعين على المحاسبة: أن يكون المرء صادقا في محاسبته لنفسه. وتعتمد المحاسبة الصادقة على ثلاثة أسس: الاستنارة بنور الحكمة، وسوء الظن بالنفس، وتمييز النعمة من الفتنة. فأما نور الحكمة، فهو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل، وكلما كان حظه من هذا النور أقوى كان حظه من المحاسبة أكمل وأتمّ. وأما سوء الظن بالنفس، فحتى لا يمنع ذلك من البحث والتنقيب عن المساوئ والعيوب. وأما تمييز النعمة من الفتنة، فلأنه كم مستدرج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهّال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه!