ونحن نتأمل هذا المشهد السريالي للواقع العربي نكتشف للاسف ان الوطن العربي مريض ببعض «إعلامييه» وليس ببعض ساسته فحسب... ولكننا ندرك في المقابل انه لو كان هذا الواقع سويا لما كان لمثل هذا المرض ان يتفشى اصلا... الا اننا وصلنا على ما يبدو الى مرحلة من البؤس السياسي والإعلامي جعلت من هذه الآفة الخطيرة لدى البعض امرا طبيعيا... فما كان بالأمس القريب من المسلمات والبديهيات لم يعد له اليوم اي معنى واصبح قابلا للمطارحات والمزايدات والمتاجرة باسم الحياد والواقعية... حتى ان بعض «اعلاميينا» العرب وعوض ان يعملوا على تنظيف الامة من الادران التي تعتريها ويقفوا بشجاعة في نسق المدافعين الأوائل عن القضايا العربية كما كان يعرف عنهم الى عهد ليس بالبعيد اصبحوا اليوم داعمين و»مطبلين» لأمريكا وعملائها.. مرتجفين امامهم وأصبحوا لا يخدمون قضاياهم بل يستخدمونها ويضعون بؤس العالم في خدمة انانيتهم» كما قال المفكر الفرنسي الكبير بير نورا ذات يوم.. ما يدعونا الى الحديث هنا عن هذه «الآفة» الخطيرة التي باتت تنخر الأمة هو بالتحديد تلك الضجة الاعلامية التي احدثتها بعض وسائل الاعلام حول محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين والتي حاولت «استثمارها» لتكسب بها ودّ بوش وترفع اسهمه في الانتخابات القادمة.. فبعض وسائل الاعلام ومع بدء جلسات محاكمة «الرئيس» وحتى قبلها هرولت الى جماعة تعدّ على اصابع اليد قالت انها تمثل الشعب العراقي واستطلعت آراءها بخصوص المحاكمة لتقول لنا في الاخير هكذا: ان الشعب العراقي بدا اليوم محتفلا وسعيدا جدا... جدا وهو يرى صدام... في قفص الاتهام... نعم بعض وسائل الاعلام تدعي انها عربية ونزيهة جدا حاولت ان تستغل هذه «المناسبة» لتظهر لنا الرئىس العراقي وكأنه غير مقبول من طرف الشعب العراقي والجميع يريد محاكمته متجاهلة في نفس الوقت ان الذين يطالبون بمحاكمة صدام هم اولئك الذين «خانوا» العراق وكانوا وراء ذبحه واغتصابه... فأية واقعية وأية عقلانية تسمحان لهذا «الفصيل الاعلامي» او ذاك بالمساس من صورة زعيم عربي ظل طوال حياته مرابطا ومدافعا عن شعبه وعن امته بالرغم مما تعرض له من اعتقال واذلال؟ وأية واقعية يتحدث باسمها هذا «الفصيل» عن محاكمة «الرئىس» بالرغم من ان هذا الاخير بقي مدافعا عن قضيته حتى النهاية بل انه ابى الا ان يحوّل محاكمته هذه الى محاكمة للغزاة ولأولئك المتذيّلين للاحتلال ولقنهم درسا في كيفية الدفاع عن شرف الأمة وكرامتها..