في خطابه أول أمس في «نيو أورلينز» قال السيد ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي وهو يعدد مآثر ادارته على العالم وخصوصا على منطقة الشرق الاوسط : ها نحن اليوم نضع أمام القضاء الرجل الذي كان يمنح عائلة كل «ارهابي» ألف دولار بعد أن يفجّر نفسه وسط الاسرائيليين ويقتل الناس الأبرياء! السيد ديك تشيني يعني طبعا ذلك القرار الذي اتخذه صدام حسين منذ سنوات والقاضي بمنح المبلغ المالي المذكور لعائلة كل استشهادي ليس فقط تعويضا على حياته التي لا يعوّضها مال الدنيا كلها ولكن تعويضا لعائلته التي تهرع جرافات اسرائيل لهدم منزلها وتشريدها عقابا على ما فعل ابنها الضال وتحقيقا لما تسميه هي عدالة بحيث تدفع عائلة لا علم لها أصلا بنوايا ولدها «فعلته» ولا تسمع عن «عمله» الا عبر شاشات التفزيون مثل كل العالم! وهذا التعويض المالي الذي كان صدّام يدفعه للمقاتلين الفلسطينيين هو بلا شك أحد الأسباب الرئيسية للحقد الصهيوني والتحريض عليه ورميه بتهمة الارهاب. وقد يكون هذا مفهوما. أما أن يعتبره قادة العراق الجدد وأمثالهم بأن فيه اهدارا للمال العراقي وتبذيرا لثروة شعب واسرافا بلا موجب. فذلك ما يفسّر أولا درجة الانحطاط التي هم عليها وذلك ما يبرر للمرة الألف كل موقف لا يعتبرهم الا حفنة من المرتزقة والعملاء ليس لأمريكا وحدها بل ولإسرائيل أيضا! وتهمة العمالة لإسرائيل هذه لا تدخل أبدا في باب التجني اذ اضافة الى ما هو معروف ومكشوف لم تقدم تركيا في الفترة الاخيرة على تهديد اسرائيل والهجوم الديبلوماسي المتواصل عليها رغم الحلف القديم الذي يربطهما ولا يزال الا بعد ان تبين لمخابراتها مدى التغلغل الصهيوني في العراق ليس في الشمال فقط وهم يحرّضون من هناك على التمرد والانفصال بل في بغداد ذاتها وفي مناطق جنوبية كثيرة، ولمست تركيا في هذا التغلغل ما يهددها مباشرة وهي التي تعلم ان اسرائيل لا تصادق أحدا ولا تتحالف مع أحد الا لتنتهي بالتآمر عليه، وهي تعلم أنها أي اسرائيل وراء عودة تيار حزب العمال الكردي تحت قيادة عبد الله أوجلان الأسير لديها لعمليات التخريب ضد مصالحها كما تعلم ان الاحزاب الاوروبية التي تتعاطف مع الأكراد ومنهم جناح حزب العمال متصلة مباشرة بإسرائيل وتقودها شخصيات يهودية الديانة أوروبية الجنسية! تأتي اذن محاكمة صدّام حسين من ضمن ما تأتي ضمنه بسبب التهمة التي قالها ربما في زلة لسان جديدة السيد نائب الرئيس ديك تشيني وهو وزير دفاع والد بوش الصغير في حرب الخليج الثانية وواحد من أكبر المحرّضين ضد صدام حسين وكبار المؤمنين بالحرب عليه وعلى غيره ممن لا يروق لأمريكا وللابنة المدللة اسرائيل! غير ان المسألة هنا معمدة فإذا كان «الامريكان» يرون في التهمة سببا لإدانة فإن العرب والمسلمين لا يرون فيها الا مدعاة لشرف وأي شرف بعد أن ضاقت الدنيا بما رحبت على الفلسطينيين وشحت مواردهم المالية العربية الاخرى تحت الضغط والتهديد والابتزاز الامريكي. ولهذا السبب ولأسباب كثيرة أخرى رأيناها وشاهدنا أتت محاكمة صدام في جلستها الاولى مثل المهزلة لكن ليس تلك التي تضحك بل تلك التي تدل للمرة الألف على سخف من هيأ مسرحها ووضع ديكورها حتى أنه أُسقط في يد أولئك الذين وضعوها وأيضا أولئك الذين تعاطفوا معها! أليس من أقصى درجات السخف أن يعترف وزير العدل العراقي ذاته بأن محاكمة صدام في جلستها الاولى كانت تفتقر الى الخبرة وهو المحامي القديم بل والنقيب القديم لنقابة محامي العراق؟ أوليس من أقصى درجات السخف أيضا ان يعجز وزير «القانون» عن الاجابة عن كل سؤال قانوني حول المحاكمة ويهرب جهلا وعجزا الى ترديدتهم سياسية صالحة لكل زمان ومكان؟ ولأن الفضائح لا تأتي وحدها فإن الفضيحة الأكبر تمثلت في طلب عبد حمّود السكرتير الشخصي للرئيس العراقي أن يمثله محاميا عراقيا تبين أنه وزير العدل الحالي ولم يكن السكرتير يعلم طبعا أنه أصبح وزيرا للعدل. أليس هذا مدعاة للسؤال حول علاقة الرجلين وحول عمقها وحول متانتها وحول حجم الثقة التي كانت تجمع بين المتهم الكبير والخطير وبين الوزير الحالي للعدل العراقي. وتأبى المهازل الا أن تتواصل اذ ها هي قناة «العالم» الفضائية المختصة في النعيق تستنجد ليلة المحاكمة بغراب قانوني عراقي من الذين باعوا ضميرهم نهائيا ومن الذين اختلطت عليهم سبل الحقد بسبل القانون ليقول بأنه ليس من الحق ضمان محاكمة علنية لصدام حسين معترفا أنه خرج منها أي صدام منتصرا واستند في ضرورات المنع على أنه حتى في انقلترا لا يسمح للشخصيات الرسمية بالمحاكمات العلنية بل انه حتى بالنسبة للتصوير تستنجد وسائل الاعلام هناك برسام «بورتريهات» للمتهم وللقضاة ولا تبث مباشرة ما يتم! وظاهر ان الرجل هو من ذلك الصنف الذي أصبح مستشارا قانونيا بوسائل بعيدة كل البعد عن الجهد الأكاديمي وواضح أنه نسي بأن كل أركان ادارة بوش تحدثوا عن محاكمة علنية تحضرها وسائل الاعلام وتبثها مباشرة وهو ما لم يتم طبعا الا في بعض الاجزاء المنتقاة من الجلسة الاولى للمهزلة الاولى وواضح أنه لم يطلع على تصريحات في هذا المضمار لتصريحات لأعضاء في مجلس الدورة الشهرية المنحل ولأعضاء في حكومة إياد علاوي التي ستنحلّ بدورها. وعندما لمح المذيع الورطة مرّ لأسئلة أسهل حيث سأله عن سبب تعاطف الوجدان العربي مع الرئيس صدام حسين فكان جوابه تلك الاسطوانة المشروخة والمزيفة : انها كوبونات النفط، متناسيا انه حتى لوكان الامر صحيحا فإن عدد كوبانات النفط بالمئات وليس بالملايين. فهل استطاع صدام هذا المعجزة في كل شيء أن يرشي ملايين العرب ومتى؟ زمن الحصار وانحسار الثروة وسحق الشعب العراقي حتى في خبزه اليومي! وتبقى في الأخير ملاحظة وهي تخص اتصالنا مرات كثيرة بهواتف السيد رئيس اتحاد المحامين العرب الجوالة وغير الجوالة و لكنه لم يرد وهو الذي كان من عادته الرد على كل سؤال. وقد يكون السبب يعود الى ضغط اعلامي عليه في ظرف كهذا، لكن يبقى من واجب السيد ابراهيم السملالي أن يتكلم وأن يتحرّك لضمان حق الدفاع عن الرجل وأعضاده وأن لا ينصاع لما هو سياسي في قضية أصبحت قانونية بحتة ا وهكذا هو ظاهرها وكذلك ان لا يتذرع بعدم تفويض زوجة صدام لهيكله للدفاع عن زوجها فمثل هذه الهياكل لا تحتاج الى تفويض ومعروف عنها أنها لا تغيب عن أية معركة سياسية فكيف يكون الحال مع معركة قانونية! انه قول نرميه بلطف مع علمنا يقينا أن عدة أطراف ستسعى الى تحييد هذا الهيكل بكل الطرق وأولها الابتزاز المالي والضغط على الموارد وهات من هذه العادات.