القصرين/ القبض على عنصر خطير على علاقة بارهابيي الجبال    أبو ذاكر الصفايحي يفحص مبادرة السيسي ويتساءل:....هل شطرالنصيحة ليه؟    تنشط بين القصرين وقفصة: تفكيك شبكة مختصة في سرقة وتفكيك السيارات    من بينهم مناضلة قفصية: دليلة المفتاحي تدعو الى مسلسل ضخم يوثق تاريخ 5 من اكبر المناضلات التونسيات خلال الإستعمار    سوسة.. حجز 700 من الأسماك غير صالحة للاستهلاك    سمير الوافي يكشف تفاصيل عن مرض علاء الشابي    السيطرة على حريق نشب في أرض فلاحية ببنزرت    الملعب التونسي: 15 جوان عودة التدريبات الجماعية.. برنامج تربصات جاهز.. وتجديد العقود متواصل    الخطوط التونسية تفتح غدا استثنائيا 5 وكالات    أبو ذاكر الصفايحي يتذكر ويذكر: مقال عن غزوة من غزوات شهر شوال    نتائج تحاليل إصابة طالب ببن قردان بكورونا    أول صورة لعلاء الشابي بعد إعلان مرضه (صور)    جربة: افتتاح الفضاء السياحي والثقافي الفندق بحومة السوق بعد ترميمه (صور)    المنستير: ثلاثينيّ يحاول إضرام النار في جسده    نور الدين البحيري: حركة الشعب تحالفت مع الدستوري الحر...    قرض ب98 مليون دولار من صندوق النقد العربي لتونس    بعد أن أعلن مرضه: منال عبد القوي تتضامن مع علاء الشابي    بداية من الإثنين المقبل: استئناف العمل بنظام الحصتين    الأردن يعلن تأييده لإعلان القاهرة    متابعة/ سمير الوافي يعلق على مرض علاء الشابي    بئر الحفي: وفاة مهرب أصيل القصرين إثر انقلاب سيارته    المتلوي: ينتحر شنقا داخل منزله    إخفاء مراسلة من برلمان طبرق: مجلس النواب يُوضّح    وزارة الصناعة تضع خطة عمل للنهوض بقطاع النسيج والملابس    رئيس الزمالك: فرجاني ساسي لم يساوم لتجديد عقده    المنستير: نتائج سلبية لليوم 52 على التوالي و تسجيل 4 حالات شفاء    ابن رجل اعمال صحبة فتاة في وضع مخل داخل سيارة كشف عن شبكة مخدرات    سجن مشجع روماني لمحاولته قتل شرطي    مجلس الأمن يمدّد لعام إضافي قرار تفتيش السفن المشبوهة قبالة ليبيا    تونس: القبض على 3أشخاص تعلقت بهم قضايا عدلية    كيف توقعت المخابرات الأمريكية منذ عقدين حالة العالم في 2020 ؟ د.أحمد القديدي    وزير الفلاحة من الكاف يصرح : مراجعة الاوامر الترتيبية لصندوق الجوائح الطبيعية..وقريبا صرف المنح للمتضررين من البرد    بحضور حفتر وعقيلة صالح: السيسي يطلق "إعلان القاهرة" لحقن دماء الليبيين    بنزرت.. 3 عينات سلبية ولا كورونا لليوم 42 على التوالي    شباب حاجب العيون ينتفض ضدّ التّهميش والبطالة (صور)    الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد : خسائر مالية ب 136 م د    الأستاذ الطاهر بوسمة يكتب لكم: التي لا تعرف كيف تندب لماذا يموت رجلها؟    رئيس البرلمان الإيراني يرد على ترامب بآية قرآنية من سورة محمد    أسطورة كرة السلة مايكل جوردان يتبرع لمكافحة العنصرية    تخصيص قروض صغيرة لفائدة سائقي سيارات النقل العمومي    الرابطة الثانية.. الغاء اللقاء الودي بين قوافل قفصة واولمبيك سيدي بوزيد    بالأرقام: تحيين احصائيات كورونا في تونس    جلسة عمل حول المنطقة السقوية بسجنان    باجة..انطلاق موسم الحصاد... والصابة في تراجع    انتهاكات في عودة دوري الأضواء البلغاري    فيلم مصري من إنتاج تونسي ..«سعاد» ضمن الاختيارات الرسمية لمهرجان كان في دورته الملغاة    18 جوان 2020 آخر أجل لتقديم ملفات الترشح للحصول على منح التشجيع على الإبداع الأدبي والفني    عبر موقع تيك توك..لطيفة تدعو الله أن يزيل وباء كورونا عن تونس    القيروان..يوفران مداخيل سنوية بالمليارات..«بطيخ ودلاع» الشراردة يغزوان الأسواق الأوروبية    بعد أيام.. ميسي يبدأ مفاوضات العقد الأخير    وفاة بطلة أوروبا لتنس الطاولة إثر سقوطها من النافذة    في مكالمة هاتفية بين سعيّد و ماكرون.تمسّك بحل ليبي ليبي وتونس لن تكون جبهة خلفية لأيّ طرف    دروس تدارك لفائدة تلاميذ الباكالوريا    يوم 9 جوان..البرلمان يقرر مناقشة لائحة تطالب فرنسا بالاعتذار للشعب التونسي    طقس اليوم: ارتفاع نسبي في درجات الحرارة    رونالدو أول «ملياردير» في تاريخ الكرة    هبة طبية أمريكيّة لفائدة الصحّة العسكريّة    مساء اليوم: خسوف شبه ظل جزئي للقمر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أنطولوجيا الشعر الدنماركي للشاعر العراقي منعم الفقير: بانوراما أخرى من الشعر المتجدّد واتجاهات ورؤى مختلفة
نشر في الشروق يوم 10 - 12 - 2009

الشعر بهجة الأزمنة ونواحها الخافت... وهو السحر الذي تتحلى به العناصر والتفاصيل في رحلة الكائن تجاهها... هذا هو الشعر في لغته العالية ومعانيه الباذخة مهما تعدّدت ألوان الجغرافيا وحروف الأبجدية واللهجات والثقافات.. وقدر الانسانية أن تتعايش وفق هذه الأفكار وما جاورها من إيهاب رمزي جمالي ومعنوي.
ويقول الشاعر والمفكر الدنماركي الراحل (19291989) إيفان مالينوكسي:
هذا الذي أحبّه
كما هو..
الحليب والخبز وسعادة بؤسنا وغيرها
كلّها من بنات أفكارنا ومع ذلك يبتسم المغني
ممّا ستؤول اليه صداقتنا العارية،
ويضحك بألف حنجرة طير مليئة
من المستحيل...
بهذه الكلمات الرقيقة والأنيقة لشاعر صاحب تجربة درس الآداب السلافية وترجم الى الدنماركية أعمال بابلونيرودا، باسترناك، باوند، براخت، تراكل مايكوفسكي ونقلت أعماله الى 21 لغة كما أنّه حاز على الجائزة الكبرى للشعر وكرّمته الدولة بمنحة مدى الحياة.
بهذا اللون الشعري أمضي للحديث عن مناخ شعري في غاية الأهمية... إنه عالم القصيدة الدنماركية... كون آخر من إدارة لغة الشعر بامتياز والانتباه لتفاصيل أخرى من سحر القول بالنظر لما ينهل منه الشعر الدنماركي من ثقافات عميقة ووجدان حيث نشعر أنّنا إزّاء حداثة شهرية تصنع مجدها ولمعانها وأصواتها من اليومي بشكل مريح للشعر وللثقافة... الشاعر العراقي المقيم بالدنمارك منعم الفقير توغّل في هذا الكون الجمالي والوجداني للشعر الدنماركي بعد سنوات من التأمل والمعايشة والقراءة والدراسة حتى جاء كتابه الذي وسمه بأنطولوجيا الشعر الدنماركي في جزئه الأول حيث أشرف على إعداده وتحريره واشترك في فعل الترجمة مع الكاتبة مي شحادة جلبي...
هذا الكتاب جاء في حوالي 270 صفحة من حجم كتاب الجيب وفي طباعة أنيقة عن دار شمس للنشر والتوزيع بالقاهرة وبدعم من المعهد الدنماركي المصري للحوار واتحاد الكتاب الدنماركيين... الكتاب هو أول أنطولوجيا شاملة للشعر الدنماركي بمراحله ومدارسه واتجاهاته منذ عام 1848 وحتى تاريخ صدور آخر جزء منها.
الهيئة الاستشارية لهذا الكتاب العمل ضمت عددا من الأدباء والكتاب منهم بالخصوص جديته غوتسبول الكاتبة ووزيرة الثقافة السابقة بالدنمارك ومفيد الجزائري الكاتب ووزير الثقافة العراقي السابق وكنود فلبي رئيس اتحاد الكتاب الدنماركيين ونينه ماليتوسكي الشاعر ونقيب فناني الدراما بالدنمارك وخضير ميري الكاتب والناقد العراقي وأحمد الشهاوي الشاعر المصري وساسي أندرسون المترجم والمسرحي الدنماركي وكورين بروتسروم الأكاديمي ضمن تاريخ أدب الدنمارك...
في مقدمة هذا العمل الهام تقول جديته غوستبول الكاتبة ووزيرة الثقافة الدنماركية السابقة: «ما يدعو الى السرور أن تترجم مختارات من الشعر الدنماركي الحديث وتصدر في العالم العربي، انّ ما وصلنا اليه بالطبع هو نتيجة نشوء علاقات وطيدة بين المبدعين من الكتاب العرب والدنماركيين وعلى اختلاف أجيالهم ومدارسهم الأدبية... ان تبادل المعلومات وتوسيع نطاق المعرفة عن العالم العربي أصبحا من اهتمامات العديد من الكتاب في الدنمارك وتأصّلا فيهم كما أن تجمع السنونو الثقافي (مؤسسة ثقافية يديرها الشاعر منعم الفقير) نجح فعلا في بناء وتشييد جسر التواصل والتفاهم بين الكتاب العرب والدنماركيين وتوثيق العلاقات بينهم وبين المتلقين... ولتقييم الشعر الدنماركي الحديث، على المرء أن يقرأ القصيدة الحديثة بحس حرّ وألا ينتظر الأوزان أو القافية ففي بنية الشكل الحديث توجد الكثير من المعاني العالقة بين السطور والشعراء الجدد يعملون بنوع من البساطة التامة، وهذه البساطة تقوم على إلغاء كل شيء لا ضرورة له، التورية والمجاز يتكونان عبر العلاقة بين ما تقرأه وبين ما تفكر به كما ستجد كسرا للايقاع لكنه أي الايقاع موجود في قصائد كل الشعراء... فكّر حسب ما كتب جون كيتس في عمله «ان ديميون» سنة 1818 «الشيء الجميل هو سعادة الى الأبد» وها هو عام 2008 يجلب الشعر، الجمال والحقيقة حيث إن التبادل الثقافي يتطلّع الى رؤية شعرية عن عالم أفضل...
كلام جميل عن الشعر يتبعه كلام آخر هو بعض ما ورد في هذا الكتاب بقلم الشاعر منعم الفقير منجز هذا المشروع: «ان تناول الشعر الدنماركي يبقى ناقصا ما لم يُلحق بعرض للبيئة والبيئة هنا بيئة النص فهي اصطلاح مركب من ثلاثة عناصر هي المناخ، الطبيعة والمزاج، الشعر الدنماركي الحديث يجنح نحو أمكنة وأحداث لينشئ منها وطنا ويُدوّن له تاريخا ويسكنه كائنات يكتب لها حياتها ويقدر مصائرها ويخترع لها أزمنة فنجد شاعرا ينظر الى ذلك بدوافع الانفصال عن الحاضر المختلف حوله والعودة الى ماض متفق عليه ينسحب من حاضره مندفعا الى ماض لم يعشه، قد يكون احتجاجا أو إعلان استقالته الروحية من عصر مادي...
هذا مدخل ليواصل الشاعر منعم الفقير رئيس جمعية الشعر باتحاد الكتاب الدنماركيين تجواله في حدائق هذا الشعر الذي يفتح الآفاق على ما هو بسيط حتى أن الذاكرة ترجع بي الى عشية صيف بفضاء بيت الشعر بتونس وبمدينتها العتيقة تحديدا حيث كان اللقاء المفتوح مع الشاعر منعم الفقير الذي خدمته بنص حول تجربته الشعرية اضافة الى ما انطبع لدينا بخصوص ترجماته للشعر الدنماركي... في خلال هذا الحديث تدخل الشاعر المنصف المزغني مدير بيت الشعر ليلاحظ لمنعم والحضور البرودة التي يتحلى بها هذا الشعر... إن قراءتنا لهذا الشعر من حيث صدقه وابتعاده عن الطقوس المنبرية والطللية والعنتريات الخاوية جعل منه الى جانب الشعر الآخر في بلاد أوروبية وآسيوية وغيرها مجالا للريادة والابداع... فشعرنا العربي في قسم كبير منه وخاصة ما عرف بالتقليدي والمنبهر بنزواته التاريخية قد عفا عنه الشعر والزمن أمام هذا الشعر الحديث والحيّ والصادق مع مجاريه ودروبه... ماذا جنى العرب من هذا الشعر غير الصراخ والعويل والتداعي والنفاق والسقوط والمديح والتزلّف...
إنّ الشعر الصادق تجاه جماله وعواطف عناصره وتفاصيله والكائنات هو الابقى بعيدا عن الضجيج... الشعر كلام خافت وقد لا يحتاج الى مصدح ومنبر أصلا... إننّا إزاء شعر آخر حديث وصادق وفيه الصفاء النادر وقد تبيّن كل ذلك للشعراء الحقيقيين وحدهم فحسب لذلك جاءت نصوصهم باذخة ومغذية للوجدان ومختفية بالحياة وأكتفي بذكر سعدي يوسف سركون بولص أمجد ناصر شيركو غسان زقطان خالد النجار صقر عليشي أدونيس بول شاوول وآخرين والحمد &...
في هذا الكتاب المميز نجد نصوصا منتخبة لشعراء دنماركيين منهم بني أندرسون وكريستن بيوركير وبول بوروم وميته بينه برون وأنجر لريستنسن وأولريكاغارنس وت. سزهوي وأف.ب.جاك وماريانا لرنس وبيترلاركسن وفيجوماذسن وإيفان ماليونوسكي...
من قصيد لميته موستروب الشاعرة وأستاذة الأدب وعنوانها كليوباترة كنغ سايز نقرأ ما يلي:
«أنا أدخّن سيجارة مصرية
وأقرأ قصيدة بالسويدية
أفكّر بالحب شيرليك
والعليل بالسيجارة وكيلوباترة كنغ سايز
كانت كليوباترة جميلة،
كانت تتجمل بماكياج زئبق وإسفلت النحاس
هناك دخان في فمي أوكسيد الحديد...»
لهذه الشاعرة ثلاث مجموعات شعرية هي الوشم 1998 وجولدن ديليسيوس 2002 وكليوباترا كنج سايز التي استلهمتها من تأملاتها للحضارة المصرية.
ينزع شعرها نحو الغرابة ليأخذ من المشاكسة الخيالية كدافع لا واع لمزاولة واقع متعذّر... هي تنتقد العواطف بكيفية شعورية تتألف من ازدواجية بين ذاتي الأنثى والآخر.
كما نقرأ للشاعر فيجو مادسن قصيدا بعنوان النوتة فيه: «الليل الطويل الأرق أسمع هدير السيارات تعتلي الهضبة لكل منها إيقاعها الخاص أفكّر بتدوين النوتات عنها على ورق غير مرئي بعد يوم أعزفها...».
هذا الشعر ولد سنة 1946 بمدينة ساحلية وعمل مستشارا في مكتبة أدرنسه وله عديد المجاميع الشعرية وكتب للأطفال، كما أنه حصل على عديد الجوائز حيث أن شعره يحمل حنينا الى جغرافيا لم ترسمها مدينته... سافر الى القاهرة أحبها أمكنة وناسا كتب عنها واقتنى منها ربطة عنق يلبسها في كل أمسياته الشعرية... (هذه طرائف جميلة عنوان محبة الأمكنة والتعاون... وحميمية الشعر والشعراء...).
كلاوس ريفبيرج شاعر وروائي وعضو الأكاديمية الدنماركية ومن مواليد 1931، درس الأدب الانقليزي بالجامعة وعمل مساعد مخرج سينمائي وهو أكبر الشعراء الأحياء وأصدر نحو 120 كتابا في الشعر والقصة والرواية والمقالة وحصل على العديد من الجوائز الرفيعة وتعبّر قصائده عن مسؤولية الشاعر الجمالية حيال أهم معضلات العالم التاريخية والثقافية...
من قصيدة له بعنوان أبولو ودافني نقرأ:
«امض واجعل هذا الأمل واقعا
الى أن يكون فجر هذه الأسطورة ربما قد أطلّ
حيث أن الشمس تمضي مشرقة علينا
ونحن في غابتنا...».
شاعر آخر في هذا الكتاب هو من أبرز الشعراء الدنماركيين الأحياء... بيني أندرسن من مواليد 1929 وهو شاعر وموسيقار ونقلت أعماله الى العديد من اللغات وله مؤلفات في القصة والرواية والفلسفة... في أعماله روح من السخرية ويهتم بالتسامح وفهم الآخر...
من قصيدة له بعنوان رئتاي نقرأ: «أحب كثيرا رئتي تتابعاني أينما أكون حتى عندما يغشاني النعاس... نشهق معا عندما نقرأ إلياذة هوميروس عند النظر الى مؤخرة جميلة لامرأة أو عندما أطالع كشف الضرائب...».
فسحة أخرى في ألوان ومناخات شعر جميل يرتاح الى حداثته... هو الشعر الدنماركي المأخوذ بالحس الجمالي والانساني... فسحة يمنحنا إياها هذا الكتاب الجميل الذي أعده منعم الفقير بتعب جميل أيضا... وردة أخرى على طريق الحوار الثقافي والتعاون... رائع...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.