كيف ينظر علماء الاجتماع الى علاقة التونسي بذاته؟ وكيف يرسمون معالم هذه العلاقة بين الفرد وخبايا نفسه؟... أسئلة طرحتها «الشروق» على عدد من الأساتذة المختصين على هامش مشاركتهم في الندوة العلمية التي يقيمهما المعهد العالي للعلوم الانسانية بتونس تكريما للأستاذ عبد الوهاب بوحديبة والتي انطلقت أمس الاربعاء وتنتهي غدا الجمعة. أشار السيد محمّد محجوب مدير المعهد العالي للعلوم الانسانية أن لكل فرد فهم ما عن ذاته وله تصوّر ما عن نفسه لكن الاشكال: الى أي مدى يكون هذا الفهم وهذا التصوّر مطابقا للواقع وقال: «من زاوية الحقيقة المطلقة لا يمكن لأحد على الاطلاق أن يفهم نفسه نظرا لتشابك الصلة بين الذاتي والموضوعي فهما شيء واحد في هذه الحالة...»، لذلك يرى الأستاذ محجوب أنه لا بدّ من دراسة السياق الذي يتنزّل فيه هذا الفهم حتى يكون التصوّر الذي يحمله الفرد عن «ذاته» معينا على التعايش مع ذلك السياق ومستوعبا لامكانية تواجد الغير فيه «فلا فهم للذات دون فهم للآخر...» محاولات وأوضح الاستاذ عبد الوهاب بوحديبة أنه واثق من قدرة المواطن التونسي على فهم ذلك. وقال: «هو يستطيع ذلك الا أن الظروف تحول دون ذلك». وعن طبيعة هذه الظروف يقول الاستاذ بوحديبة: «الفشل والتقاعس وقلّة الجهد تولّد الكسل في رغبة الفرد وتحول دونه والوصول الى فهم حقيقي واضح لاحتياجات ذاته وتوقعه في اللخبطة..» وأضاف الاستاذ بوحديبة: «أن كل سعي لفهم الذات هو محاولة وهو بداية ولا يمكن أن يكون نهاية، لأن الذات تتغيّر وتتطوّر بحكم ما تكتسبه من تجربة. كما أن الذات اليوم ليست هي الذات الأمس..» وأكد على أن محاولة فهم الذات المستمرة هي التي تمكّننا من الامتداد الأفقي للارتباط بالواقع الحاضر والامتداد العمودي لربط الماضي بالحاضر...» الانتحار عدم فهم للذات ويرى الأستاذ الحبيب النهدي أن ظاهرة الانتحار تعبّر بجلاء عن عجز التونسي «والانسان بصفة عامة» عن فهم ذاته والوقوف على تجلياتها وقال: «الانتحار هو أحد مظاهر الهوة الموجودة بين ضياع الشخص في البيئة التقليدية وكذلك عدم تمكّنه من أخذ حظّه كما يجب من البيئة المتطوّرة والعصرية. وأبرز الأستاذ النهدي أن التغيّر في المجتمع على المستوى المادي وعلى مستوى البنية التحتية يكون سريعا في حين أن التغيّر على مستوى السلوك والذهنيات والأفكار يتطلب وقتا طويلا ذلك أنه يستلزم عملية ثقافية ومعرفية وتربوية كاملة». وأشار النهدي الى أن دراسة الذهنيات هي من أصعب مجالات الدراسة والبحث وهي ما تزال منقوصة عندنا في حين أن الغرب أقام لها فرعا في الأبحاث الاجتماعية أسموه «دراسة تاريخ الذهنيّات» تُساهم في تسليط الأضواء على جانب الأفكار والذهنيات والقيم والمخيال خاصة في ظل تعقّد ظاهرة الاتصال من وسائل اعلام وأنترنات وغيرها. ويعتقد الاستاذ النهدي أن غياب التلازم بين التغيّر المادي والتغيّر في الأفكار يحدث اضطرابا واختلالا في الذات إذ أن الفرد يصبح لا هو متشبّث بالماضي ولا هو منتفتح على الواقع المعاصر وهو الأمر الذي يخلّف هوّة الأجيال في الذات بين «ذات الكبار/الماضي» وذات «الشباب/الحاضر». ويضيف محدّثنا: «ان المواطن التونسي اليوم مهتزّ في المرجعيات في ظل عدم حل مشكلة صراع الأجيال لأن الفرد يبقى متذبذبا بين ماضيه بما فيه من ايجابيات وسلبيات وبين واقعه الذي يسعى الى فهمه فينفلت منه لأنه واقع متغيّر بصفة سريعة». ويواصل: «ان التونسي يفتقد الى صورة مرجعية يعود اليها، صورة بقدر ما تدفع الى الماضي فهي تدفع الى الأمام». تعدّد الأدوار وأكّد الأستاذ رضا الغول أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بصفاقس أن «التونسي لا يمكنه فهم ذاته لعدّة أسباب من أهمّها تعقّد الحياة اليوم نتيجة لظهور تقنيات جديدة والتي ساهمت «دون نسيان ايجابياتها» في ضبابية رؤية الانسان الى ذاته... وقال: «العالم اليوم يعيش تحوّلات ثقافية واجتماعية متسارعة بوتيرة لم تعرفها البشرية منذ نشأة الحياة على وجه الأرض...» وأشار الأستاذ الغول الى أن التونسي وبرغم هذه الضبابية فهو ما يزال متجذّرا في عاداته المجتمعية وثقافته فلا خوف عليه من ثمّ من الذوبان في الثقافات الأخرى أو في فقدان هويته». لكن المتحدّث يرى أن تعدّد الوضعيات والأدوار التي تمرّ على الفرد في حياته اليومية من مكان العمل الى المنزل الى الشارع تجعله يعيش بذات متعدّدة الأبعاد قد يصعب الالمام بتفاصيلها الدقيقة من عالم الاجتماع أو عالم النفس بل من الفرد نفسه. غياب الاجماع ويتّجه رأي السيد عادل بالحاج رحومة أستاذ علم اجتماع «اختصاص القيم والمعايير الاجتماعية عند التونسي» الى إبراز غياب اجماع لدى التونسيين حول المفاهيم القيمية وذلك انطلاقا من دراسة أجراها شملت عيّنة متباينة من الريف الى المدينة وبحسب المستوى الثقافي وبحسب الجنس... كل ذلك يدل على وجود أزمة قيم في الذوات التونسية. وقال: «هي أزمة ليست بالضرورة تشاؤمية خاصة عندما تكون بحثا ناجما عن عملية ابداعية جماعية تجسمها كل قوى المجتمع في كافة الميادين الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية». وأكد الاستاذ بالحاج رحومة «لا توجد ذات انطولوجية واحدة ثابتة من منظور سوسيولوجي ديناميكي..» وقال: «نحن إزاء ذات تتشكّل باستمرار ومجتمع يتساءل باستمرار عن نفسه مجتمع حي ينبض بكل ما في ذلك من احراجات وصعوبات وحتى اخفاقات». ويعتقد الاستاذ بالحاج رحومة أن التونسيين يعيشون قلقا ناتجا عن رؤيتهم أشياء يعتبرونها أصيلة تنهار وسط هذا الاندفاع تجاه الحداثة نحو المشاركة في الحاضر والمستقبل لكن بالتفات مستمر للماضي... فكأن التونسي يودّ أن يتقدم لكن ما ينفك ينظر الى الخلف من غير ايجاد معادلة بين الماضي والمستقبل. وقال المتحدث أن التونسي يحاول وسط ذلك كله البحث عن توازنه وسط المتغيّرات المستمرة. استعداد وأبرز الأستاذ عبد الوهاب بوحديبة أن علماء الاحتماع يبقون دائما في الاستماع الى شواغل الانسان في صيرورته اليومية محاولين اعانته على فهم ذاته والوقوف على احتياجاتها قائلا: «إن فشل هؤلاء يعتبر فشلا لنا نحن...»