هو واحد من رواد علم الاجتماع في تونس بل هو مؤسس هذا العلم في الجامعة التونسية له عديد الدراسات والمؤلفات الزاخرة بالتحاليل والمواقف التي تحلّل الحاضر الاجتماعي وتستشرف المستقبل بعين الحصيف. الدكتور عبد الوهاب بوحديبة التقته «الشروق» في حوار تناولنا فيه عديد الجوانب الاجتماعية وتوقفنا فيه عند عديد القضايا والمشاغل التي نزعم ان المجتمع التونسي في حاجة ماسة اليوم الى تدارسها. أكثر من ساعة تحدث فيها الدكتور عبد الوهاب بوحديبة عالم الاجتماع المختص والمدير العام لبيت الحكمة عن الشباب اليوم وآفاق الجامعة التونسية واشكالية الهوية والسلوكات الاجتماعية وهذه الحصيلة. الدكتور عبد الوهاب بوحديبة... ونحن في السنة الدولية للشباب... كيف تنظرون من منطلق تخصّصكم في علم الاجتماع الى اهتمام البحوث الاجتماعية في تونس لمسألة الشباب... والى أيّ مدى أولت هذه البحوث الشباب ما يستحقه من اهتمام؟ يمثل الشباب في كل مجتمع عموده الفقري فهو أولا وبالذات كنز للمستقبل وإعداده بجعله يتحمل عبء الماضي فهو يحمل التراث المعنوي والأخلاقي والثقافي لكل مجتمع ولذا لا نعدّ الشباب حسب معطيات اليوم ولكن حسب ما نعتقد أنه سيكون مستقبلا دورا له ليقوم مقام الاجيال الكهلة الحالية. الانسان يمثّله الشباب في ماضيه وفي حاضره وفي آفاقه المستقبلية لذا أصعب تربية هي تربية الشباب لأننا من ناحية نسعى أن نقدّم له في سنوات قليلة زبدة ما اكتسبته الانسانية منذ أن وجدت على هذه الارض ولكن اعدادنا له ليس في اطار قوالب جاهزة ولكن في اطار حركية تجعله يسيطر على ملكة الاكتساب المعرفي زادنا له مزدوج في نفس الوقت إذ يمثل حصيلة معرفية أقرب ما يمكن الى الكمال أو الاكتمال بالأصح ويسنح للشاب كي يكتشف بنفسه طرقا ومسالك يشعّها لايجاد حلول لمشاكل معظمها لا يخطر علىبال لأنها ليست معروفة في يومنا وإنما هي مجهولة كجلّ ما يتعلق بالمستقبل. كانت في المجتمعات التقليدية التربية الاسرية تسيطر عليها الى حدّ ما لأن الاستمرارية كانت تمثّل عنصرا من عناصر الحياة الاجتماعية في حين أن البشر دخل اليوم في طور جديد من تاريخه يتمثل في سرعة التغيير مما يجعلنا في حاجة أكثر للتركيز على ما يتداوله المجتمع جيلا بعد جيل بحيث أصبح من الصعب جدّا أن ينتقل جيل ما بمكاسب الاجيال السابقة فحسب. ملكة الابداع والاختراع تمثل الحاجة الماسة في تربيتنا الجديدة. معنى الزمنية تغيّر فيركن المجتمع في عوامله للتربية الى قابلية استنباط الحلول أكثر من قابلية استيعاب الحلول الجاهزة فهذا العنصر الذي كان موجودا في كل تربية أصبح اليوم أهم العناصر في تكوين الشباب. فالشباب زاد من حيث لا يتعهد فقط باستيعاب الماضي بل الى جانب ذلك يتعهد بالمستقبل فالذي يرثه منا ليس الماضي بقدر ما هو المستقبل. في اطار تخصّصكم في علم الاجتماع دائما... ما تفسيركم لما شهدته بلادنا من احتجاجات تصدّرها الشباب العاطل عن العمل؟ من ميزات الشباب قلة الصبر لأنه لا يمكن له نفسانيا ولا أخلاقيا ولا اجتماعيا أن يكتفي بما لديه. نحن غرسنا فيه هذه الجبلّة... جبلّة النقد والرفض وعدم الرضاء ومن مفارقات مجتمعنا أننا كل ما بنينا هيكلا الا وظهرت هياكل عديدة تفرض نفسها علينا حتى نبني أشياء أخرى. هذا التطور السريع هو الذي يجعلنا بين موازنات صعبة التحديد بين ما نقدم وبين ما ينتظر منّا، فلا يمكن لنا إلاّ أن نقبل ثورات الشباب مع محاولة ترويضها وتطويرها، بل ربما استغلالها لبناء المستقبل. وهذه الموازانات هي التي تجعلنا دائما وأبدا نلهث وراء تلبية آمال كلما خيّل لنا أننا ساهمنا في ارضائها إلاّ وظهرت آفاق عدم الرضا من ناحية أخرى. نحن نعلم أن العين بصيرة واليد قصيرة وكلما سخرنا مجهودا في هذه الحركية الدائمة المتواصلة إلاّ وظهرت حاجيات أخرى. فهذه الحاجيات الجديدة علينا أن ننظر إليها بصفة ايجابية، فلذلك التروي.. هو ترو من حيث الامكانات والتروي من حيث الطموحات.. أردنا ونريد أن يكون شبابنا طموحا وأردناه كذلك، الذي لا نقبله هي المبالغات والانزلاقات والمطلبية المستمرة مع ضرورة أخذها بعين الاعتبار والتعامل معها بصفة المحرّك الايجابي لكل مجتمع. شبابنا كما أردنا وكما فعلنا، ففي هذه الحيوية، حيوية المجتمع فالمطلوب منّا هو الحوار مع هذه الحيوية والتعامل معها بصفة ايجابية. ... هناك من انتقد مفهوم الجامعة الشعبية الذي سارت عليه تونس بمعنى دمقرطة الجامعة أكثر ما يمكن.. المعروف أنكم من المساندين لهذا الاختيار.. فهل لازلتم عند هذا الموقف؟ هذا الموضوع قيل فيه الكثير وكتبت فيه الكثير وهو موضوع حسّاس. المفارقة الكبرى نجدها عند أهل الاقتصاد، فالجامعة مكلفة وكلما توسعنا في الجامعة توسعنا في التكاليف والسؤال الملحّ كيف نواجه هذه المطالب من حيث توسيع التربية وخاصة توسيع الجامعة وهو سؤال وجيه سؤال آخر حسب قانون البشرية المعروف منذ أرسطو ولا فيه جديد ولا استغراب كلما توسعنا في منطقة إلاّ واقتصدنا في مدلولاتها. الجامعة المفتوحة لا يمكن أن تكون نخبوية كالجامعة المغلقة ممّا يعني أن التوسيع في الجامعة يؤدي ضرورة الى انخفاض في مستوياتها وهذا معروف عند أرسطو. الدول التي تطورت تنظر الى المرحلة الأولى من التعليم العالي كامتداد للتعليم الثانوي لأن نسبة أكبر فأكبر من الشرائح العمرية أصبحت تسير نحو التعليم الجامعي ونحن في تونس بفضل تقدمنا نسير في هذا المنهاج. بأي حق نسمح لأنفسنا بأن نغلق أبواب المعرفة أمام شبابنا لذلك وجب علينا في نظري من زمان أن نفتح الجامعة مهما كانت التكاليف، ونحن نعلم أن هذه التكاليف باهظة فعلى المجتمع أن يجد المعادلات الصعبة بين مختلف توجهاته التربوية والاقتصادية والقانونية والسياسية الطريق السهلة أن تعدّل الجامعة امكانياتها على الامكانيات الاقتصادية. ثمن ذلك في نظري أكثر ارتفاعا من الثمن الذي ندفعه في فتح الجامعة.. فتح الجامعة كسب يؤدي الى سلبيات.. ضيق سوق الشغل والفجوة بين ما نزوّد به تلاميذنا وطلابنا وبين ما يجدونه في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. أما غلق الجامعة فثمنه أدهى وأمرّ لأنه يعني كسرا في المجتمع بين فئة تنعم بالمعرفة وتدخل سوق التشغيل من بابها الواسع وجمهور يحرم من ذلك. إن نحن تفادينا الشرخ الاجتماعي فإننا جعلنا من المساواة في المعرفة حقا للجميع. مهما كان الحلّ لن نكون في مأمن من الحركية الاجتماعية لأن الهزّات الاجتماعية تمثل بدورها عنصرا من عناصر التقدم ولا يغيب ذلك إلاّ عمن كان يجهل أهمية الجدليات الاجتماعية. ... واقع علم الاجتماع في الجامعة التونسية هل يتمتع بالمكانة اللازمة التي يستحقها وأطرح هذا السؤال على اعتبار أن خريجي علم الاجتماع يعانون أكثر من غيرهم من البطالة؟ أكثر أم لا لست أدري.. هناك أيضا طلاب في اختصاصات أخرى يعانون من البطالة وهذا يعود الى ثغرة في التوجيه الجامعي المختص في الرياضيات أو التصرف والاقتصاد لا يجد نفس الصعوبات في سوق الشغل وهنا التحليل الاحصائي وحده يمكننا من السيطرة على المشكل، فهي المعادلة الصعبة بين التكوين الجامعي والحاجيات الاقتصادية والصناعية والخدمات في البلاد. توجيهنا الجامعي ينبغي أن يخطو خطوة أخرى لتحسين هذه المعادلة حتى نجعل الاطار الكفء في المكان الكفء. هذا يعني الحاجة الماسة الى دراسة مستقبلية أي أن نسطّر لعشر أو عشرين سنة قدر المستطاع نسبة الحاجيات في هذا القطاع أو ذاك وكثير من المعطيات التي من شأنها أن تمكنّنا من تحسين هذه المعطيات هذه معطيات مجهولة تماما لأن وراءها قضايا عديدة لا نسيطر عليها، الاستثمار في أي مجال واقبال الاستثمار القومي والدولي ووراء ذلك محدودية الامكانات وظرفيات الامكانات المالية القومية والدولية. الاقتراب من هذه الأهداف رهين كل هذه المعطيات وليست في متناولنا دائما، من هنا تأتي الصعوبات في المقارنة المثلى للمعادلة الصعبة التي تكلمت عنها. في دراسات كثيرة قام بها المرصد الوطني للشباب على امتداد السنوات الأخيرة أبدى الشباب في مسألة الهوية أولوية خاصة لمقوّم الدين الاسلامي.. التونسيون والهوية.. تجذير الشباب والهوية.. ماهي مقاربتكم لهذه الاشكالية؟ من أصعب المشاكل اليوم مسألة الهوية في المجتمعات مصنعة كانت أو غير مصنّعة، أوروبية أو آسيوية أو افريقية، وهذه المقاربات في دخول العولمة كأفق لا مناص منه في تحديد الهوية القومية ولمّا نقول ذلك، فإننا نقدم مقاربة جديدة. قبل عشرين أو ثلاثين سنة كنا لا نسيطر على الاعلامية كما هو الحال الآن، وكنا نلاحظ أن الأسرة الشعبية ينقل إليها في الداخل أطفالها ما تعلموه في المدرسة ويتعلم الطفل في الستينات والسبعينات قواعد حفظ الصحة ومعطيات التاريخ والجغرافيا فينقلها الى أسرته التي تعيش زمنا لم يتغير اليوم. تغيّرت الأوضاع والزاد الذي يأخذه الطفل من خارج المدرسة. المعرفة المدرسية هي معرفة مقنّنة نسيطر عليها الى حدّ ما، أما المعرفة الاعلامية فهي غير مقننة ونحن لا نسيطر عليها فهي تأتينا من الخارج حسب معطيات ثقافية واقتصادية وسياسية لا نسيطر عليها أصلا. هذا يجعلني الآن أمام تعقيد الهوية كيف نحرم أنفسنا من فوائد المعرفة الكونية التي يسيطر عليها غيرنا وتأتينا جاهزة وما هي المكانة التي يمكن ان نخصّصها الى هذه المعرفة دون ان نكون ضحية لها لنتساءل من جديد في مكوّنات الهوية وما هي الفوارق بين آفاق الهوية القومية وآفاق الهوية المحلية والهوية المعولمة... اشكاليات جديدة في حاجة الى بحوث جديدة. هناك نداءات من بعض الحقوقيين وأطراف المجتمع الدولي للمطالبة بالمساواة في الارث سيسيولوجيا هل أن المجتمع التونسي بالنظر الى ما تحقق للمرأة من مكاسب مؤهل لقطع هذه الخطوة؟ مهما قمنا بمجهود لاعطاء المرأة مكانة مشروعة لائقة بها في مجتمعنا فإننا لا نزال بعيدين عن أهدافنا لسبب بسيط جدا لأننا أتينا من بعيد ولسبب آخر أن ذلك البعيد ليس سلبيا مائة بالمائة. أتينا من بعيد بحكم أننا اجتماعيا واقتصاديا وضعنا المرأة في المكانة الصفر. فالنهوض بها يتطلّب مجهودا يطول سنوات وسنوات علينا أن ننظر الى المرأة في مجتمعات أخرى آسيوية أو أوروبية أو افريقية ولكن في نفس الوقت لم يكن وضع المرأة التقليدي سلبيا مائة بالمائة ويتجلّى ذلك في القوانين ويتجلّى أيضا في العادات والسلوك اليومي. كتبت الكثير في هذا الموضوع ولا يمكن لي أن ألخّصه وإنما أقول إن المرأة العربية المسلمة بحكم عامل بسيط لم ينتزعه أحد عامل الأمومة قبل أن تكون زوجة وقرينا المرأة هي الأم، ومكانة الأم في أي مجتمع مهما كانت الضغوطات هي الأصل... نحن قوم آمنّا بأن الجنة تحت أقدام الأمهات، فهذا يجب أن لا يغيب علينا أو نتجاهله وفي حين أن مفهوم الأمومة أخذ في التغيّر لأن عوامل عديدة شوشت هذه العلاقة بين الأم والطفل وهي السكن وحرية التنقل والخروج الى الشارع، تنظيم الاسرة والعائلة ودخول الطب في الحياة الجنسية. نحن في حاجة الى ايجاد معادلات أخرى جديدة بين مشروع تحرير المرأة ومشروع إعطاء المرأة مكانة لائقة بها تأخذ بعين الاعتبار الوظيفة التي لا يمكن لأحد ان ينتزعها منها وهي الأمومة. ظاهرة العنف اللفظي والمادي وحتى الرمزي أصبح مستشريا بشكل ملفت للنظر في الشارع التونسي... ما هي قراءتكم كمختص في علم الاجتماع لهذه الظاهرة؟ هذه ظاهرة سيئة ولا يمكن ان نقبلها لأن فيها إساءة لا فقط لمن يعتدى عليه بل في نفس الوقت الذي يقوم بالاعتداء فهو سلوك تعويضي ويجب أن يقاوم نفسيا واجتماعيا وتربويا كذلك. تستعد بيت الحكمة في مارس القادم الى تنظيم ملتقى دولي كبير حول الغزالي، كيف تنزلون أهمية هذه الشخصية ودلالات احتفالات بيت الحكمة بها؟ فعلا نستعد الى اقامة احتفال بحجة الاسلام الامام الغزالي الذي ندين له بالكثير في ثقافتنا العربية الاسلامية نحن نواصل الاستعداد لاقامة ملتقى دولي وتظاهرات فكرية تبيّن لماذا الغزالي يمثّل بالنسبة الينا اليوم فيلسوفا يجب علينا ان نتعمّق في رسالته. كتب الكثير فيه وعليه وهناك من شكّك فيه وعنده بطبيعة الحال انزلاقات عديدة نحن سنقرأه كصاحب نظرية متكاملة للمرأة الذي أعطى الجدل العقلي مكانه والتصوّف مكانه وأعتقد أنكم ستجدون في هذا الملتقى من الدراسات العميقة ما يجعلنا نقوم بفتح آفاق جديدة أمام معرفة الغزالي. قيل الكتاب خير أنيس... بعيدا عن زحمة المشاغل المهنية... هل يجد الدكتور عبد الوهاب بوحديبة الوقت الكافي للانفراد بأحد الكتب والاستمتاع بلذّة المطالعة؟ (بعد ابتسامة عريقة) أنا «أرحي» الكتب ويشرفني أن أكون قدر المستطاع مطّلعا على الاصدارات الجديدة لأقول يوما بعد يوم ما تعلمته أيام دراستي لا يمثل الا واحدا بالمائة أثري به معرفتي وزادي الذي وحده يمكنني من أن أكون مطلعا على مشاكل اليوم. ومطالعاتي أدبية وفلسفية وسياسية باللغتين العربية والفرنسية، فأختار ما أقرأ ولكن أخصص ساعات يومية للمطالعة هذا الذي جعلني أحتفظ بقابلية السيطرة على مشاكل اليوم وأجد في هذه المطالعات متعة ولكن في نفس الوقت فائدة كبيرة حتى لا أدخل في طور الهرم. وما هي الموسيقات التي تشد اهتمامكم؟ كل الموسيقات التقليدية التونسية والعربية والموسيقى الكلاسيكية الغربية والى حدّ ما الجاز الذي أصبح كلاسيكيا. أما الموسيقى التجارية التي نعيشها اليوم وتسيطر على مؤسساتنا الثقافية فهي لا تروق لي. أخصص وقتا للاستمتاع بالمالوف وأغاني أم كلثوم وصليحة والهادي الجويني ومحمد عبد الوهاب. الفن الرابع... هل يستهويكم وهل حدث أن شاهدتم عملا مسرحيا تونسيا كان أم عربيا؟ ظروف عديدة تمنعني من ارتياد المسرح رأيت في حياتي مسرحيات ومشاهد عجيبة لا أستطيع أن أميّز بينها وبين الهزليات.