وفاة رضيع بعد تعذر حصوله على علاج: والدة الضحية تروي تفاصيل الساعات الأخيرة وتحمّل المستشفى المسؤولية    من أجل الاساءة إلى الغير ...إيداع قاض معزول .. السجن    الجزائر تبدأ إلغاء اتفاقية خدمات نقل جوي مع الإمارات    تفرّق دمه بين المصالح الداخلية والإقليمية والدولية .. اغتيال سيف الإسلام ينهي آمال وحدة ليبيا    ملفات إبستين تكشف: كيف نهبت ليبيا قبل القذافي وبعده؟    الصهيانة يغادرون الكيان .. .400 ألف فرّوا منذ 7 أكتوبر    أخبار الشبيبة الرياضية بالعمران ..الفوز مطلوب لتحقيق الأمان    من سُلالة الموهوبين ومن أساطير الملاسين ...وداعا منذر المساكني    باردو ... الإطاحة بعصابة لسرقة سيارات بعد نسخ مفاتيحها    من أجل الاستيلاء على أموال محكوم بها قضائيا ...أحكام بالسجن بين 3 و8 سنوات لعدل منفذ وزوجته    إيقاف 3 أشخاص في حاجب العيون ...خلاف عائلي يكشف عن عملية استخراج كنوز    أيام قرطاج لفنون العرائس .. فسيفساء عرائسية بصرية ملهمة فكريا وجماليا    أحجار على رقعة شطرنج صهيونية ...«سادة» العالم.. «عبيد» في مملكة «ابستين»    تبون: علاقاتنا متينة مع الدول العربية باستثناء دولة واحدة... والسيسي أخ لي    تبون يعطي الضوء الأخضر للصحفيين: لا أحد فوق القانون ومن لديه ملف وأدلة ضد أي مسؤول فلينشره    داخل ضيعة دولية بالعامرة .. قصّ مئات أشجار الزيتون ... والسلط تتدخّل!    تأسيس «المركز الدولي للأعمال» بصفاقس    المهدية ...بعد أول تجربة في تطبيق آليّة سحب الوكالة ... المجالس المحليّة.. بين القانون والمُمارسة الواقعيّة    عاجل/:وزير التجارة يشرف على جلسة عمل حول آخر الاستعدادات لشهر رمضان..وهذه التفاصيل..    تفاصيل محاصرة وايقاف مهرب بجهة السيجومي..#خبر_عاجل    رقم صادم: 57 % من حالات العنف تقع داخل أسوار المؤسسات التربوية    في مثل هذا اليوم من سنة 2008...ترجل أيقونة الفكر في تونس مصطفى الفارسي...    يهمّ كلّ تونسي: كيفاش تكنجل المواد الغذائية...معلومات لازمك تعرفها    بطولة الرابطة المحترفة الاولى (الجولة20-الدفعة1): النجم يفوز في "دربي الساحل" و الحماس يشتد في اسفل الترتيب..    الجولة 21 لبطولة النخبة لكرة اليد: سبورتينغ المكنين يهزم النجم ويقترب من البلاي اوف    منخفضات جوية عاصفة تضرب شرق المتوسط ابتداءً من 12 فيفري    النجمة الزهراء: تأجيل المؤتمر العلمي الدولي "رجال حول البارون"    سياحة طبيّة واستشفائية: تونس "نموذج افريقي" مؤهل لتصدير خبراته في مجال ملائم للتعاون جنوب-جنوب    مدينة صفاقس تحتضن الصالون الوطني للتمويل 2026 من 9 الى 12 فيفري    إعادة تسخين الطعام أكثر من مرة عملية مضرّة بصحّة الإنسان (مختصة في سلامة الأغذية)    كاس تونس : نتائج الدفعة الاولى من مباريات الدور التمهيدي الرابع    العراق: استلام 2250 عنصرا من "داعش" من سوريا يحملون جنسيات مختلفة    إيران تتوعد بالرد على أي هجوم من الولايات المتحدة بضرب قواعدها في المنطقة..#خير_عاجل    مُقلي ولّا في الفرن...مختصّة تحذّر التوانسة من البريك...علاش؟    عميد البياطرة: ''اجعل غذاءك دواءك''    باردو: عامل بمحطة غسيل سيارات ينسخ مفاتيح الحرفاء ثم يستولي على سياراتهم ويفككها    الفيديو أثار ضحة: صانعة محتوى تحاول الانتحار في بث مباشر..ما القصة؟!..    وفد عن لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس الجهات والأقاليم يزور جندوبة    عاجل/ تنبيه لمتساكني هذه المناطق: لا تيار كهربائي غدا..    عاجل/ العثور على جثة امرأة بهذه المنطقة..    ملتقى فرانكونفيل لالعاب القوى بفرنسا - التونسية نورهان هرمي تحرز المركز الثاني لمسابقة الوثب الطويل    ويُغيّر إسمه: مغنّي راب بريطاني يعتنق الإسلام    تونس تتنفّس: السدود تمتلئ أكثر من 50% والمياه في تحسن مستمر!    الترجي الرياضي - الملعب المالي: من أجل الانتصار وافتكاك الصدارة    عاجل: ''ويكاند'' بطقس متقلّب    استراتيجيات الترجمة    انفراج مرتقب في النقل: دفعة أولى من الحافلات ترسو بحلق الوادي    ترامب يرفض الاعتذار عن منشوره بشأن أوباما وزوجته    مستشفى شارل نيكول.. أول عملية استئصال رحم بالجراحة الروبوتية    بورتريه ... سيف الاسلام.. الشهيد الصّائم !    رمضان على التلفزة الوطنية: اكتشفوا السيرة النبوية بحلة درامية جديدة    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    كرة القدم: جولتان فقط خلال رمضان، إليكم رزنامة المباريات الرسمية!    أيام قرطاج لفنون العرائس : جمهور غفير يُتابع عروض مسرح الهواة    تنضيفة رمضان : عادة ولاحالة نفسية ؟    "كلمات معينة" يرددها صاحب الشخصية القوية..تعرف عليها..    رمضان 2026: موسم كوميدي عربي متنوع يملأ الشاشات بالضحك    نزار شقرون ينال جائزة نجيب محفوظ للرواية ...من هو؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القنديل الثاني: الدكتور عادل خضر ل«الشروق»(3): نقد الجابري للفكر العربي قراءة تاريخيّة
نشر في الشروق يوم 03 - 08 - 2010

واسع المعرفة، بعيد الرؤية، عميق التحليل، وموضوعي الرأي. كتاباته الأدبية فكرية وموغلة في الاختصاص،دراسات جمالية نقدية تعتبر من المراجع الأكاديمية المهمة في الأدب العربي . عبر الحوار حاولت أن أتحدّث مع الدكتور عادل خضر قليلاً عن عادل خضر، لكن عندما بدأ يتحدث عن نفسه تعقد الشرح. نواصل الحوار حول مشروع الجابري، كتابة المقال، والجنون بمرجعيتين ثقافيتين مختلفتين بين الجاحظ وفوكو ..... وأشياء أخرى.
٭ ما رأيك بما نادى به محمد عابد الجابري في البحث عن فكر عربي معاصر، بعد أن قرأ وفكك بنية العقل العربي وتراكيبه ومفاهيمه وخطابه؟
مشروع الجابري طموح وينتمي إلى مجال المشاريع الكبرى، كمشاريع الطيب التيزيني، وحسين مروة، وأدونيس... التي تدرس الفكر العربي من بداياته إلى الأزمنة الحديثة دراسة تاريخية ظواهريّة بنيويّة، لكنّها مشاريع تظلّ محكومة بإيديولوجية صاحب المشروع، فمشروع الطيب التيزيني هو قراءة ماركسية للتّراث، وقراءة أدونيس رومنطيقية في جوهرها وإن ادّعى أنّها ظواهريّة، وقراءة الجابري تاريخيّة خاصة في مشروع قراءته للعقل العربي. اكتشف الجابري خاصّة في كتابيه تكوين وبنية العقل العربي أنّ لهذا العقل ثلاثة أنظمة معرفيّة، البيان والعرفان والبرهان. ويبدو تأثّره بمشروع ميشيل فوكو واضحا (الكلمات والأشياء) و(أركيولوجيا المعرفة). والمشكلة في مشروع الجابري أن فهمه لمتصوّر الإبيستيمي مختلف عن تصوّر فوكو، فالإبيستيمي هو النّظام المعرفي الذي يتحكم في نظام كلّ العلوم فهو نظام الأنظمة، وعندما يتغير هذا النّظام أو الإبستمي يتغيّر معه بالضّرورة الخطاب العلمي في شتى الاختصاصات. وبتغيّر الإبستمي تحدث القطيعة بين نظام معرفي سابق ونظام معرفي جديد. والمهمّ أنّه في كلّ مرحلة ثقافية، كان فوكو يصرّ على أن وجود نظام معرفي واحد يتحكم في نظام العلوم، لكن الجابري وجد ثلاثة أنظمة معرفيّة متصارعة ومتقاطعة أيضا، وهذا في الحقيقة من المفارقات الّتي جعلت فهمنا للنّظام المعرفي ولمفهوم الإبستمي متسرّعا ومنحرفا. والحقيقة أنّ الجابري لم يدرس النّظام المعرفي ولا الإبستمي بالمعنى الدّقيق الّذي ضبطه فوكو، وإنّما درس الأنظمة السيميائية الهرمونطيقية، (التأويلية) المتصارعة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. فقد اهتمّ الجابري، بنصوص هذه الثّقافة في جميع مجالاتها علوم اللّغة نحو بلاغة، وفقه وأصول الفقه، وعلم الكلام والتّفسير والتّصوّف... وتعمّق في طرائق تأويل هذه النّصوص وأنظمتها السيميائية الهرمونطيقية، فالنظام البياني على سبيل المثال يدرس علاقات اللفظ المختلفة بالمعنى، كلّما كان اللفظ قريباً كان مفهوماً، وكشف عن المعنى بوضوح، وينحجب المعنى تماماً إذا كان اللفظ غامضاً. فأعلى درجات الوضوح في القرآن هي الآيات المحكمات، وأعلى درجات الغموض هي الآيات المتشابهات... فالجابري في رأيي الشخصي لم يدرس أنظمة معرفيّة وإنّما الأنظمة السيميائية التأويلية الّتي سادت في الفكر العربيّ الإسلاميّ، أو هو درس الأنظمة السيميائية الهرمونطيقية وهو يعتقد أنه يدرس الأنظمة المعرفية.
٭ اهتماماتك تتّجه غالباً إلى ما يبدو هامشياً من الظواهر المهمة، في حين أن المواضيع المهمّشة أو المهملة غالبا ما تكون محورية وليست ثانوية، مثل النادرة في النظام البلاغي وحيوانية الجنون ... ؟
مساهماتي في مجال الأدب همّها الأساسي هو قلب الأسئلة وإعادة طرحها بطريقة مختلفة، مثلاً في كتاب « يحكى أن « كلّ المقالات كتبت بعد بحث طويل هو العمل السردي استغرق ثلاث سنوات من القراءة في مجال السّرديّات بمختلف اتّجاهاتها، وكنت إلى حدود سنة 1996 بنيوياً حتى النخاع في مجال التحليل القصصيّ، بمعنى أنني أدرس النص من الداخل لتحليل جميع مستوياته لبناء دلالته، والسؤال الذي تدور عليه هذه المباحث هو: كيف يصنع الشعر، والرواية، والقصة؟ السؤال يتعلق بالصناعة، بالفن، بالشعرية، هذا السؤال يتعلق بصفة خاصة بكيفية كتابة هذه الأنواع الأدبية، وما يجعل من القصة قصة، ومن الشعر شعراً، ومن الأدب أدباً، والمفاهيم البنيوية بصفة خاصة بجميع مدارسها تحاول أن تجيب عن هذا السؤال بأن تبين ما هو عام ويحيط بكل أنواع الكتابات، فالقصص بكل أصنافها وأنواعها ومدارسها، تخضع لقوانين عامّة يمكن أن ندرسها على نحو موضوعيّ أو علميّ بكشف أبنيتها المجرّدة وطرائق توليدها... والنتيجة واحدة، وهي أنّ التحليل البنيوي لا يظهر من هذه النصوص الشديدة الاختلاف إلا بنيتها العامّة أو خصائصها الكلّيّة. وتجربتي في التدريس كشفت لي أننا عندما نطبق منهجاً من المناهج السردية على أي نص مهما كان نوعه، تكون النتائج متماثلة دائما، لأنّ التحليل لا يعتني بالاختلافات الموجودة بين النصوص القصصية، أو الشعرية وإنّما يهتمّ بصحّة المنوال وصواب النّظريّة واستقامة المنهج، في البداية تكون النصوص مختلفة، قصة، ملحمة، مقطعا من رواية، لكن في المنتهى النتائج واحدة، وهذه النتائج جعلتني أتساءل السؤال: «لماذا كانت هذه النصوص مختلفة، ولماذا يجعلها التحليل متماثلة»؟ وقد تبين لنا بعد مراجعة منطلقاتنا أننا كنّا نطرح سؤالاً كان منذ البداية يحتاج إلى تعديل، فبدل أن نقول: «كيف تصنع القصص وتبتدع؟» وجب أن نعاضده بسؤال آخر فنقول: «لماذا تقص القصص وتسرد وتحكى وتكتب؟ «فسؤال «لماذا» يختلف عن سؤال «كيف؟» لأنه يبحث عن الفريد في كل قصة ويحاول أن يفسّر سبب الاختلافات الموجودة بين قصة وقصة، ورواية و رواية ومقامة ومقامة...، وهذا السؤال يقتضي طريقة أخرى في معالجة النصوص القصصية تعتمد على التأويل لا على التفسير، فالتفسير يبحث عن العام في كل خاص، كأن يبحث مثلاً في رواية « اللص والكلاب « عما يجعله نصاً سردياً روائيّا، أما سؤال لماذا ؟ فهو يطرق المشكلة بسؤال آخر هو: لماذا كانت رواية «اللص والكلاب» لا تشبه رواية « الشحاذ»؟ والإجابة عن هذا السؤال تقتضي من قارئ الرواية وناقدها أن يتسلح بمقاربات مختلفة، منها ما هو فلسفي، ومنها ما يدور في فلك التحليل النفسي، كل ذلك لبيان أن الأدب مهما كان سؤاله ينبني على قواعد لعب، لا على قوانين عامّة كلّيّة، وأنّ الهدف من دراسة الأدب ليس إنتاج معرفة علمية، وإنما هو في الأساس بحث عن المعنى بمتابعة تقلّباته المدهشة بحيث يصبح التّأويل متابعة لمعنى لا يتقرّر لأنّه في تحوّل مستمرّ، فأزمة النقد العربي المتأثر بالنظريات البنيوية، أنه نقد مستقيل لا يؤوّل النص ولا يشْرك القارئ في العملية التأويلية، ولا ينتج المعنى، ولا يبحث عنه، ولا يؤسس معقوليته، فأغلب ما ينشر الآن هو تمارين تطبيقية جوفاء لمناويل سردية تطبق على النصوص بطريقة آلية ميكانيكيّة خشبيّة، وهذا مضرّ بالأدب، لذلك حاولت في كتابي «يحكى أن» «أن أعتني بنصوص معظمها روائي، ومعظمها غير مشهور، لأبيّن بالتأويل طرافتها وما تثيره من قضايا أدبية لا يمكن اكتشافها إلا إذا كان القارئ متنوع الثقافة، يستطيع أن يقف في كل أثر على شيء، أو ظاهرة يعسر العثور عليها في نصوص أخرى. في «أوراق العائلة لمحمد البساطي» وهو نص في غاية البساطة الخادعة، يكتشف القارئ اليقظ أنّ هذه الرواية لا تبتعد كثيراً عن تراجيديا» الملك أوديب «وفي رواية» مريم الحكايا « لعلوية صبح، نكتشف أن القانون المحرك لعملية السرد بأكملها، هو ما يسمى في التحليل النفسي بالمتعة الأنثوية، وأن اللعبة في «اللص والكلاب» إنّما هي بحث عن الهوية، وطرائق بنائها... وهذه الأمور لا يمكن أن تكتشف بمناويل جاهزة، فالتأويل نوع من الاستكشاف لهذا الفريد الذي لا يمكن أن ندرسه بقوانين العام. في مقالة صناعة النادرة، حاولت أن أبين قواعد صناعة النادرة البلاغيّة، وهي قواعد محكومة ببلاغة معينة، هي بلاغة الهزل، وهي نقيض لبلاغة الجد. وبل هي نقض لكلّ الوسائل المستخدمة لإنتاج الكلام البليغ الفصيح، فتنقلب بلاغة الجدّ إلى ضدّها وهو بلاغة الهزل، لتنتج خطاباً مضحكاً من أشكاله النادرة، ويعني ذلك أنّي اعتنيت ببلاغة سلبية لم يعتن بها الدّرس البلاغيّ إلاّ عرضا، وهي بلاغة لم يكتب فيها بعد بحوث تشفي الغليل.
٭ ضمن جاحظيات كتبت عن «المستنبح والنابح»؟
يدخل هذا المقال «المستنبح والنّابح: من بيان الكلب إلى حيوانيّة الجنون» ضمن كتاب بعنوان «جاحظيات» وهو قيد التّأليف، ومعظم الدراسات فيه تعتني بكتاب الحيوان للجاحظ، ومشروع هذا الكتاب السّرّي هو البحث فيما سميته «البيان الآخر» فالبيان هو لفظ من الأضداد فهو يعني الظهور والقرب والوضوح، ويعني أيضا البعد والخفاء، اعتنى الأستاذ حمادي صمود في أطروحته، وعلى نحو منظّم ونسقيّ، بالوجه الأوّل من البيان «الوضوح» . أمّا مشروع هذا الكتاب «جاحظيات» فهو الاعتناء بالوجه الآخر، وهو البيان الذي لا يبين شيئاً ولا يكشف عن المعنى إلاّ بإخفائه وكبته أو التّعبير عنه بطرق غير مألوفة. في نطاق هذا المشروع، كتبت هذا المقال «المستنبح والنّابح»، الذي شاركنا به في ندوة ميشيل فوكو في القيروان، سنة 2004 في قسم الفلسفة بكلية الآداب في القيروان. الفكرة الأساسية هي أن نقدم قراءة متقاطعة بين الجنون الغربي الذي اعتنى فوكو بكتابة تاريخه في كتابه الشّهير «تاريخ الجنون»، والجنون العربي كما تراءى لنا من خلال قصتين أوردهما الجاحظ في كتاب الحيوان، ولا يجمع بينهما إلا النباح، فالجنون عند فوكو هو ذهاب العقل، أما عند الجاحظ فمن معانيه الاختفاء، ومنها الجنّ وهو كائن لا يرى، والجنين في رحم الأمّ، وجنّ جنون الليل، والمعنى الثاني هو فقدان الكلام والاستعاضة عنه ببيان الكلب، أو نباحه، فالمجنون هو الذي ينبح، يتكلم لغة غير بشرية، التقاطع بين فوكو والجاحظ يظهر في حيوانية الجنون التي استعملها فوكو ليبين أن الحيوانيّة هي قناع الجنون، وهذه العبارة هي التي جعلتني أقرأ قصتي الجاحظ، انطلاقاً من تصوّر حيوانية الجنون بوصفها قناعا للجنون. وإذا استغنينا عن الكثير من التّفاصيل فإنّ المهم في هذا المقال هو هذا « اللقاء بين تصورين : الجنون وقد تقاطع بين مرجعيتين ثقافيتين مختلفتين تاريخيّا ومتباعدتين جغرافيّا، ولعلّ هذا الضّرب من التّجريب لا تطيقه من أشكال الكتابة إلاّ المقالة، فهي في رأيي الفنّ الّذي يجرّب فيه الباحث بعض المشاريع كالجمع بين المفارقات الغريبة، لاكتشاف معقوليتها السرية، فكاتب المقالة بصفة عامة ينطلق من نظرية في الظاهر لا تفسير لها، لكن بالتأويل الأدبي يكشف ما فيها من معقولية وطرافة، وكتاب المقالة قلة قليلة في الوطن العربي, هناك كتابات قليلة في هذا المجال ولكنّها ثمينة ككتابات رجاء بن سلامة، فتحي بن سلامة، عبد الكبير الخطيبي ...
٭ هل فكرت في كتابة الرواية؟
الرواية هي طريقة في التّفكير بالسّرد عند الروائيين الكبار، وأنا إبداعي في المقالات .
٭ هل كتبت الشعر؟
كتبت الشعر وأنا في سن 17،كان شعراً رديئاً، ثم عدت لكتابة الشعر سنة 2003، وبعنف شديد سنة 2005، نصوصا قصيرة مكثّفة أعجبت بعض القرّاء ولكنّي أرفض بكلّ صرامة نشرها، لأنّي لست شاعرا.
٭ لماذا لا تنشر؟
وكأنّك تسأليني لماذا لا تتعرى أمام الناس؟
٭ لماذا؟
فلسفتي البقاء بعيداً عن الأعماق، ففي الأعماق لا توجد إلاّ الظلمات اللاّبشريّة، أنا إنسان أحبّ السّطح ولا يعني ذلك أنّي سطحيّ، أتحرك في فضاء السّطح، لا أحب أن أكتب عن الأعماق . أعمق ما فيّ هو الجلد، تحت الجلد لا تجد إلاّ العضلات والعظام، إذا زال الجلد أصبح شيئا آخر لا بشريّا. حتى الظواهر التي تبدو غريبة كالجنّ والملائكة والشّياطين هي من صنع البشر، كلّ ما يبدو مفارقا وغير بشري ينتجه الإنسان، ولعلّ ما ينتجه الأدب والفنّ عموما هو هذا اللاّبشريّ، ولكنّه لا يوجد في الأعماق شيء إلاّ هذا اللاّبشريّ، ولا يمكن أن نعي به إلاّ في السطح، أي إذا روّضه الفنّ والأدب. لست شاعرا لأنّي أخفقت في ترويض هذا اللاّبشريّ بالشّعر. ولكنّي أتحدّث عنه في المقالة وبالمقالة.
٭ بإعتبارك أشرفت على سلسلة أدبية، ما عدا استئناءات ما هو تفسيرك للحياة القصيرة للسلاسل رغم الاختيارات الجيدة؟
المال قوام الأعمال، الكتاب يحتاج إلى مال، السلسلة التي أشرفت عليها تخضع لهذه القاعدة، صاحب الدار قرّر التوقف عن النشر بسبب الماديات. والسّلسلة لا تدوم إلاّ إذا كان إصدارها منتظما ومتسلسلا.
٭ هل عندك مشروع حلم كبير ؟
في الأحلام الوهمية أحلم بطريقة غير واعية أن تصبح داري مكتبة مليئة بكتب لا تنتهي كالرّمل. من النّاحية الأكاديميّة، أحلم بإكمال أطروحتي بكشف جوانب أخرى من «الأدب عند العرب» كالأدب واللعب، والأدب والحرب، فالأدب لديه وجوه أخرى تنتظر منّا ومن غيرنا من الباحثين أن نستكشفها.
٭ ما علاقة الأدب بالحرب ؟
السّلم مفهوم حديث، الدول القديمة دول حرب، مقولة الحرب تجدها في الأدب، شعرت بذلك خلال الأطروحة لكن لم أتمكّن إلاّ من إثارة المشكليّة دون طرقها بالتّحليل اللاّئق. درست الأدب الحيواني ككليلة ودمنة، وهو يفتتح بحكاية حرب الإسكندر على ملك الهند وينتصر عليه بحيلة. الحيلة هي جزء من فنون الحرب، تخصّص لها في كتب فنّ الحرب بعض الفصول.
٭ أنتم من الجيل الرابع أو الخامس في الجامعة التونسية، مثل شكري مبخوت، عبد الواحد المكني، رجاء بن سلامة، ألفة يوسف، عدنان منصر، لطفي عيسى، منصف التايب وغيرهم، جيل مهم، أعطى إنتاجاً مهماً، واهتم بلغة عربية متجددة وكتابة من نوعية خاصة، ماذا أضاف هذا الجيل وما هو المشروع الذي حمله؟
يقدّر الجيل بثلاثين سنة في العادة، ولكن في الجامعة يمكن أن نقدّره بعشر سنوات لأنّ الطّالب إذا تخرّج والتحق ليدرّس بالجامعة سرعان ما يصبح زميلا لأستاذه. ولكن إذا قسنا الجيل بنوعيّة المعرفة الّتي يدرسها ويدرّسها وينقلها في بحوثه أو ينتجها فإنّ الأجيال في الجامعة التّونسيّة لا تتجاوز الثّلاثة، منها جيل المؤسّسين من الّذين درسوا في الجامعات الأوروبيّة، وفرنسا تحديدا، والجيل الثّاني هو الّذي تخرّج من الجامعة التّونسيّة وقدّم إنتاجا متأثّرا بالتّكوين الّذي تلقّاه من الجيل الأوّل، وجيل ثالث، تلقّى من الجيلين تكوينه الأكاديميّ، إلاّ أنّه يختلف في اهتماماته وأبحاثه عنهما اختلافا متفاوتا. الأسماء الّتي ذكرتها تنتمي فكريّا إلى الجيل الثّالث، وهو مختلف لأنّ المشهد الفكريّ العالميّ قد تغيّر بنسق حثيث، وهو جيل منفتح يتابع ما يجدّ في حقول المعرفة المتنوّعة كاللّسانيّات والتّاريخ والفلسفة والأدب والإنسانيات، ومن الطّبيعيّ أن تكون لغته وطريقة تفكيره مختلفة عن الجيلين السّابقين، فهذا هو منطق المؤسّسة الأكاديميّة كلّ جيل يضيف بقدر طموحه إلى الجديد والتّجديد. على أنّ الجديد لا يعرف إلاّ بالتّراكم وبالقطائع. لعلّ الأسماء الّتي ذكرتها هي جيل يضيف بالقطيعة، أي بإقصاء ما لم يعد حيّا في المجال المعرفيّ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.