من البيوت السرية لاستخبارات البنتاغون، الى البيت الشيعي العراقي، قطع احمد الجلبي مسافات طويلة وعلى ظهر دبّابة، أمريكية الصنع، وأمريكية الوجهة، وأمريكية الهدف! وعلى الرغم من ازمته مع الذين صنعوه، والذين أتوا به، ثم الذين شردوه، فإنه لابد من النظر بعين الريبة لكل هذا الذي يحدث من «جلبة» حول احمد الجلبي. فمن حوله، ومنه تصدر عدّة اشارات بأن الرجل مكلّف بصب خراطيم الزيت على النيران الطائفية. ليس لأنه كان احد اوّل مؤسسي ما يسمى بالبيت الشيعي، وليس لأنه من قلّة لا تجد حرجا في المحاصرة بحق الشيعة بالنصيب الاكبر من هياكل النظام العراقي القادم، بل لأن ما صدر عنه اول امس في حوار له مع قناة العالم الايرانية، يبعث على الريبة، ويعيد السؤال حول دور هذا الرجل، ويضع نقطة استفهام كبيرة حول المهام المنوطة حول دور هذا الرجل، ويضع نقطة استفهام كبيرة حول المهام المنوطة بعهدته! ففي الحوار المذكور، قال «العميل المزدوج»، إن السبّب في تأخير المؤتمر الوطني العراقي، يعود الى اكتشاف حقائق ديمغرافية في العراق، تظهر كلها ان الشيعة هي الفئة الطاغية في العراق. وهذا ما لا يعجب لا دول الجوار، ولا أمريكا، ولا أطراف عراقية اخرى من السنة. وفي ذات الحوار كرّر الرجل الذي يتخّذ من ايران مقرّا، منذ مدّة، أهمية دور البيت ا لشيعي وضرورة الرجوع اليه وواجب ان يبقى بيتا سياسيا، لكل الشيعة مهما تجدّدت اهواءهم او اختلفت امزجتهم. وذكر تلميحا وتصريحا انه اصبح ضحية بسبب هذه التوجهات، ومغضوب عليه انطلاقا من تمسّكه بحق الطائفة، و»مشرّدا» لولائه للعشيرة والطائفة والاهل! وهذا كما هو واضح، كلام منتقى، وخطاب مدروس، وطرح مختار. وقد يكون هذا الرجل يمسك بهذه القشّة للنجاة من الغرق، ويغيّر ولاءه بحثا منه على طوق نجاة، ويبدّل خطابه بعد ان حاق به السوء الذي كان يفعل! قد يكون الامر كذلك، وقد يكون على خلاف ذلك... إذن لا مانع اصلا ان يكون الرجل مكلّفا بمهمة أقدم عليها بغبائه المعهود لكن بخطره الممكن، مهمّة اللعب بالنيران الطائفية التي تريد ان تنتهي بالعراق حتما الى بلد مقسّم، بعد أن اصبح بلد محتلاّ. وهذا امر يجد هوى في عدّة نفوس امريكية، وخواطر تجول في عدّة عقول هناك. لدرجة ان احد الجنرالات القدماء من المقربين من السيد كولن باول، لم يجد حرجا في كتابة مقال ينبّه فيه صديقه انه اذا كان يريد ان لا يقع في ما وقع دونالد رامسفيلد، واذا كان يريد ان تخرج امريكا سالمة من المستنقع العراقي فإنه لا حل امامه الا بتقسيم العراق وتفتيته الى دويلات طائفية! وفي نفس اليوم، الذي اجرى فيه الجلبي حواره مع قناة العالم، صدر تصريح لا مسؤول من نائب محافظ البصرة بانفصال المحافظات الجنوبية في العراق واقامة اقليم خاص هناك. والنائب المذكور يمثّل خط الشاب مقتدى الصدر الذي لا نعتقد انه يسعى حقا لتقسيم العراق. بل هي قلّة النضج السياسي، والحديث الصادر عن غضب والكلام المرمي على عواهنه بلا ادراك لمآله، إذ كم من كلمة قادت الى ما لا يحسب له حسابا. وإضافة الى ذلك فإن كلام ممثل الصدر موجّه لحكومة علاوي وللاحتلال، والذي رمى به يعتقد انه بمثله يضغط، وبشبيهه قد يخيف. وهذا غير صحيح. والصحيح هو امكانية أن يوفّر هذا الكلام للقوى التي تريد أن تفصل العراق بعضها عن بعض ما تريد وماتشتهي، حتى اذا كان المقصود هو عكس الشهوة المستعرة والارادة الدؤوبة للذئاب المتربّصة بالعراق العظيم بوحدته، والشامخ بكل اهله، والعزيز على نفس كل عربي مهما كانت طائفته بل وديانته ايضا! إننا نحبّ العراق، كل العراق، ليس لشيعته او سنته ولا لمسلميه او مسيحييه، اننا نحبه كله لأنه العراق وكفى. ونجزم أن الثعالب التي تربّصت به، والذئاب التي تحوم حوله، والكلاب التي تنهش جسده لن تقف عند حدّ، ولن تجرّب الا كل مكر، ولن تسعى الا الى تفتيته عبر ضرب وحدته الوطنية، والرهان على النعرات الطائفية فيه!. والجلبي سواء هو تطوّع من تلقاء نفسه او لحساب غيره، لا يريد من وراء خطابه الجديد الا رمي جمار النار على السنة والشيعة وغيرهما.