لا يزال السّجال الحاد الذي يعيشه لبنان بشأن المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس الراحل رفيق الحريري وبالقضية التي باتت تُعرف بقضية شهود الزور السّمة الأبرز للمشهد السياسي في هذا البلد خصوصا مع تحريك القضية إعلاميا والبناء على ما بدأه مدير الأمن العام السابق اللواء جميل السيد من هجوم عنيف على رئيس الحكومة سعد الحريري والانخراط في موجة من الاتهامات المتبادلة بين فريقي الموالاة والمعارضة حتى بات البلد يعيش أجواء مهيّأة بامتياز لتفجّر أزمة لا أحد يعلم حجم تداعياتها، فهذا فريق يريد المحكمة الدولية ويحذّر من الفتنة، وذاك فريق يرفض بشدّة هذه المحكمة ويحذّر أيضا من الفتنة.. وبين هاتين الرؤيتين يقف لبنان اليوم موقفا صعبا ويجد عنتا شديدا في التصدي لحالة الاحتقان التي تنذر بالانجرار الى الفتنة.. فما هي المعادلة الأنسب للخروج بلبنان من هذا المأزق؟ لعلّ الأمر الايجابي الوحيد في هذا الجدل الدائر أن كلا الطرفين لا يريد الفتنة، وهذا مفهوم لاعتبارات سياسية وتاريخية، فالتجارب السابقة (وآخرها أحداث ماي 2008) رسّخت لدى اللبنانيين قناعة بأن نار الفتنة إذا اشتعلت وأيا كان مصدرها لن تستثني أحدا وبأن التهدئة والعودة الى الحوار هما العنوان الأبرز لمرحلة ما بعد التصعيد الاعلامي، ثم ان اللبنانيين جميعا يدركون أن قدرهم هو التعايش السلمي والحفاظ على صيغة مناسبة لكل مرحلة للوحدة والاستقرار، لكن الخطير أن كل طرف يتهم الطرف الآخر بإثارة الفتنة واعتماد خطاب تحريضي هدفه تحريك النعرات المذهبية بعيدا عن منطق الحوار السياسي والحجاج العقلاني وفي ذلك انحراف عن مسار الوفاق والوحدة الوطنية وعن روح التعايش المشترك التي نصّ عليها اتفاق الطائف وأقرّها اللبنانيون وارتضوها شرعة ومنهاجا لحياتهم منذ تجربة الحرب الأهلية المريرة (بين 1975 و1990). والأخطر من ذلك أن فريق الأكثرية النيابية وفي مقدمته تيار «المستقبل» الذي ينتمي اليه رئيس الحكومة سعد الحريري بات يعتبر المحكمة الدولية عنوانا أساسيا للمرحلة الحالية ومحرارا لحالة التوافق وجعل منها أساسا للمعادلة الضامنة للوحدة، حيث صرح نائب عن كتلة «المستقبل» بأن «من يعتبر المحكمة الدولية عدوته سنعتبره عدوّنا» وهو يعلم جيدا أن «حزب اللّه» وفريق «8 آذار» معه يعتبر المحكمة كذلك، بل ينظر إليها على أنها مشروع اسرائيلي يهدف الى زرع الفتنة في لبنان، وأنها غير ذات مصداقية ولا أساس لما تدّعيه (وما يعتقده فريق الأكثرية) من أنها تسعى الى استجلاء حقيقة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.. وفي خطاب هذا النائب أيضا انحراف خطير عن ثوابت اتفاق الهدنة (الموقّع في الدوحة) الذي ينص على وقف التحريض الاعلامي، وعمّا جاء في البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية (وهي أيضا ثمرة من ثمار اتفاق الدوحة) من أن معادلة الشعب والجيش والمقاومة هي الضامنة لأمن لبنان وتماسكه ووحدته. واليوم وقد عاد فريقا الأكثرية والمعارضة الى ما كانت عليه الأمور إبّان فترة ما بعد اغتيال الحريري وما شهده البلد من فراغ سياسي رهيب وبات جليا أن كل طرف متمسّك بمواقفه وبرؤيته للحلول، والمؤسف أن هذه المواقف والرؤى لا تلتقي عند أية نقطة (سوى الحديث عن ضرورة تجنّب الانجرار الى الفتنة) بات على اللبنانيين التحرّك والبحث عن حلول عملية لتهدئة الوضع أو على الأقل تأجيل البتّ في هذا الموضوع الى مرحلة لاحقة ريثما تهدأ النفوس ويبسط العقل سلطانه على خطابات الفريقين. ولا شكّ أن هذه التحرّكات وكما هو شأن لبنان في معالجة أزماته السابقة تسير على واجهتين، فهي تنقسم الى وساطات داخلية والى جرعات خارجية قد يلجأ إليها حكماء لبنان في النهاية. وبصرف النظر عمّا آل إيه اجتماع الحكومة الليلة قبل الماضية من معالجة عقلانية للأمور تجري الوساطات الداخلية بقيادة الرئيس ميشال سليمان ورئيس المجلس النيابي نبيه برّي والنائب وليد جنبلاط، وهي شخصيات قادرة بوزنها السياسي وبتجربتها الطويلة على التوصل الى صيغة ما لوقف هذا السّجال وإعادة الطرفين الى لغة الجادة وهي قادرة أيضا لو توفّرت النوايا الصادقة للمصالحة والتفهم من كلا الجانبين على الوصول الى صيغة تُرضي رئيس الحكومة وفريقه ولا تُغضب اللواء السيد الذي أمضى 4 سنوات في السجن بناء على تُهم باطلة وعلى شهود زور وبات اليوم يطالب بالقصاص.. التحركات الداخلية اللبنانية قادرة إذا اعتمدت لغة هادئة على حل الأزمة بشكل لا يسيء الى الحكومة ولا ينتقص من قدرة القضاء على احتواء الموقف. ولعلّ ثقة هذه الشخصيات اللبنانية في التوصّل الى حلّ وحماية البلد من الانزلاق الى الفتنة مردّها أن «المظلّة العربية لا تزال مفتوحة فوق لبنان» وفق تعبير الرئيس برّي، وهو ما يبعث على التفاؤل بأن التقارب العربي العربي (وتحديدا السوري السعودي) مازال يشكل السياج الآمن للوضع الداخلي اللبناني، وأنه طالما أن هذا السياج متين فلا خوف على الوضع الداخلي من الانفلات.. ولكن متى يبني لبنان لنفسه سياجا داخليا متينا يقيه شرّ الفتن والمحن ويكون له ضمانة للأمن والوحدة والاستقرار؟