انعقاد القمة العربية الإفريقية في سرت بعد إنعقاد إستثنائي للقمة العربية اعطى الفرصة للمقارنة بين القمتين، من زاوية الكلمات والقرارات، وجاء الإنطباع بأن العدوى قد إنتقلت فباتت مؤسسة القمة العربية الإفريقية شبيهة في أدائها بالقمة العربية التي سبقتها، وبدا ان المواقف من التطورات والتحديات لا يزال محكوما بثلاثة سقوف، الحرص على عدم تفجير الخلافات وبالتالي إستخدام لغة مواربة في توصيف الأوضاع ترضي الجميع ولا تقدم جوابا واضحا من جهة، وإعلان قرارات لا تتضمن آلية تنفيذ من جهة ثانية، وتاجيل القضايا الساخنة، سواء كانت طموحات وتطلعات أو مواجهة تحديات مصيرية، بما لا يفسر التأجيل إلا بإنتظار أن تطوي الأيام هذه التحديات بقدرية مرعبة من جهة ثالثة. وإذا كان لنا ان نفسر الإرتباك العربي بالتباين الذي يحكم النظام العربي الرسمي تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي وموقعها من العلاقات العربية الأمريكية من جهة، والعلاقات العربية العربية من جهة اخرى، وبالتالي التهرب من مواجهة عربية جامعة للإستحقاقات، فإن الواقع العربي الأفريقي لا يقل تشابها كما هو الواقع الأفريقي لجهة الحضور الأمريكي الكثيف في قضايا القارة، المختزنة للموارد الطبيعية والغذائية وآخر سلال المؤونة المناخية في القرن الواحد والعشرين، وما يدبر لها من مشاريع تقسيم وتفتيت وتغيير سياسي قد يصيب في الصميم أنظمتها الإستقلالية من جهة وطموحاتها التوحيدية من جهة أخرى. قضيتان رئيسيتان كانتا على جداول أعمال القمتين، وواحدة ثالثة مرت في القمة العربية من خارج الجدول وطويت وغابت كليا عن القمة العربية الافريقية، ولنبدأ بالقضية الخجولة الغائبة الحاضرة و هي قضية فلسطين التي كانت طوال عقود بندا أول للقمم العربية وبندا يتفاخر العرب بشراكة أفريقيا معهم في همها في القمم المشتركة، ويسجل بوضوح مع تراجع هم القضية الفلسطينية تراجع الهم التحريري في بنود القمم العربية ومثلها العربية الأفريقية، وهو الهم الذي كان في اساس التلاقي العربي الأفريقي وفي اساس تطلع العرب نحو المشاركة في تجمع عالمي ممتد على مساحة القارات، هو كتلة عدم الإنحياز، والواضح ان ما يجب تسجيله هو تراجع هذا الهم التحرري والإستقلالي في الخطاب السياسي المنفرد والمشترك لحساب ما يسمى بالواقعية السياسية، بحيث باتت هذه التجمعات أقرب للبنى التقليدية التي لا تحمل مسؤولية تغيير في القواعد الدولية، رغم ما تضمه من كم ونوع يؤهلانها لمثل هذه المسؤولية، وتراجع في داخل مستوى القرار فيها التطلع للشراكة في بناء نظام عالمي أكثر توازنا وأشد إنصافا، رغم تزايد المؤشرات والفرص لمثل هذا التطلع، بما يؤشر على شيخوخة اصابت هذه المؤسسات لجهة السقوف التي تشكل اساس وجودها. القضيتان البارزتان في إهتامات القمتين بوضوح كانتا، قضية السودان وقضية التعاون المشترك، قضية التعاون المشترك جرى حلها في القمة العربية الافريقية بذات الكلمات التي وردت في قمم سابقة، وهي كلمات عامة لا تقدم جوابا واحدا شافيا حول مشروع إقتصادي معين او آلية تحكيم واضحة لحل النزاعات، وهما البندان التفصيليان اللذان تطرق إليهما البيان الختامي، رغم التطلع الواضح لدى دول إفريقية لتطوير الإهتمام العربي بالمشاريع الإستثمارية في أفريقيا، ورغم وضوح الضغط الذي تشكله النزاعات والحاجة إلى آلية عربية أفريقية للتحكيم والمصالحة والتدخل، وهي آلية سياسية قضائية أمنية يبدو أنها ممنوعة بقوة التدويل، كما هي الإستثمارات محجوبة لحساب الروزنامة الأبعد مدى دوليا عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيث التحكم بالسياسات يشكل ثمنا للمساهمات المالية. لكن في التعاون المشترك يلفت النظر ما قرره العرب في قمتهم بوضوح،وهو تأجيل البحث ريثما يجري ترتيب البيت العربي، وهو ترتيب وجيه حكما لكنه سيطول حكما أيضا، بما يعني أن الصيغ المطروحة للجوار العربي مؤجلة بقرار علني وليس بتوجه مستور، وهل هذا هو تفسير البرود العربي تجاه حماوة التطلع الأفريقي؟ خصوصا أن الذهاب نحو الجوار الأفريقي بتسارع معين سيطرح بقوة السؤال عن التوجه نحو الجوار التركي والإيراني الذي يبدو أن صفارات إنذار كثيرة تحول دونه. تبقى قضية السودان والمحور فيها واضح لدى القادة في المستويين العربي والأفريقي، وهو إمكانية تفتت الدول وتقسيمها على اساس إثني وعرقي وقومي ثقافي وديني، والواضح أن التلعثم في الخطاب وجد نفسه في جمع المتناقضات، فمن جهة الدعوة الى التمسك بوحدة السودان ومن جهة دعم الإستفتاء مع شرط مستحيل وهو إمتناع التدخلات الخارجية، ومن جهة ثالثة تقبل نتائج الإستفتاء، ليكون لكل طرف حق إتخاذ الموقف اللاحق بالوقوف وراء مفردة من المفردات الثلاثة، فمن يريد رفض الإستفتاء ونتائجه سيقف وراء التمسك بوحدة السودان، ومن يريد تقبل التقسيم سيقف وراء قبول نتائج الإستفتاء، ومن يريد البين بين سيتساءل عن التدخلات الخارجية. الواضح ان الجسد العربي كما الجسد الأفريقي يعانيان من الضعف، مما سيجعل ساحتهما مفتوحة على مخاطر رسم جغرافيا سياسية جديدة، وولادة كيانات جديدة يبدو أنها ستحقق نبوءة أو تشاؤم أو تفاؤل من قال بإمكانية تحول الخمسين دولة إلى مائة، معتبرا أن المهم هو أن تبقى عضوا في الإتحاد الأفريقي، المأمول تحوله ولو كحلم بعيد المنال إلى ولايات أفريقية متحدة، كما هو حال التمني العربي أن تبقى الدول المرشحة للولادة عضوا في جامعة عربية يبقى الأمل بعيدا بتحولها إلى ولايات عربية متحدة، ويتناسى الجمع هنا وهناك أن ولادة الدول على البارد معاكسة لمنطق التاريخ والجغرافيا ومن يتولى دور القابلة والولادة، فالدول الوليدة ستجر معها حروبا على الحدود وفرزا للديمغرافيا لا يستقيم بلا أنهار من الدماء.