مشروع للبناء والرخاء... مشروع للإنسانية جمعاء عبد الحميد الرياحي في الوقت الذي تنطق فيه لغة السلاح والحروب.. وفي الوقت الذي ترتفع فيه أصوات منادية بصراع الحضارات. وفي الوقت الذي تجد ثقافة الاقصاء والتهميش أتباعا ومريدين. وفي الوقت الذي تتفاقم فيه الفوارق بين اغنياء العالم وفقرائه. وفي الوقت الذي ترزح شعوب بأسرها تحت اعباء المديونية وخدمة الديْن. وفي وقت تدمر فيه انسانية الانسان ويغرق مئات البشر في ظلمات الفقر واليأس والحرمان... وفي هذا الوقت يرتفع من تونس الخضراء صوت مخلص حكيم مقدما الخلاص للانسانية... وتمتد فيه يد ثابتة لتشعل شموع الأمل وتطرد بها ظلام البؤس والحرمان. في هذا الوقت يظهر فيه من تونس مشروع للبناء... مشروع للانسانية... ومشروع للحب والخير والتآلف لإقامة عالم لا فقر ولا حرمان فيه... عالم يستعيد فيه الانسان كرامته... ويستعيد دوره كعنصر فاعل في بناء الحضارة الانسانية... انه صوت الرئىس زين العابدين بن علي الذي طرح مشروع اقامة صندوق عالمي للتضامن والذي صادقت عليه الاممالمتحدة بالاجماع وكونت لجنة حكماء لمتابعة الخطوات التنفيذية لبعثه... وانه مشروع لخلاص الانسانية وانعتاقها من قيود الفقر والخصاصة والإقصاء وما يتبعها من نعرات وهزّات وتطرف. لماذا هذا المشروع (1)؟ يمكن التأكيد اولا ان الأب الروحي لهذا الصندوق العالمي للتضامن هو الصندوق الوطني للتضامن والذي كان وليد نظرة انسانية رائدة عمرت فكر ووجدان الرئيس بن علي بعد سنوات قليلة من التحول المبارك... نظرة استندت الى تشخيص دقيق وعميق لواقع ظالم ظلت بمقتضاه آلاف الأسر التونسية ترزح تحت قيود الفقر والتهميش وتقبع وراء جدران النسيان التي ازدادت طولا وعرضا على مدى العقود الاولى للاستقلال... ونظرة وضعت الوصفة الملائمة لاستئصال الفقر والإقصاء والتهميش وانصاف مئات آلاف البشر وإعادة ادماجهم في الدورة الاقتصادية والاجتماعية... وتحويلهم الى عنصر انتاج ومراكمة للثروة بعد ان كانوا على الهامش يرضون بالعطايا وينتظرون الهبات. وماهي الا سنوات معدودات حتى تبدّل الحال غير الحال... ولبست تونس الأعماق حلة جديدة كلها كرامة وأنفة وكبرياء.. وهي معان ارتسمت على وجوه مئات آلاف التونسيين في الارياف القصية وفي اعماق لم يكن احد يتصوّر ان تطالها يد الحضارة والتطوّر... كيف لا وقد امتدت الطرقات وانتصبت الجسور وأقيمت المستشفيات والمستوصفات والمدارس... وعمّ النور الكهربائي ليطرد ستائر الظلام الى غير رجعة وسرى ماء الشرب ليجتث معاناة يومية كان يكابدها آلاف التونسيين ولأميال طويلة لجلب ماء الشرب والغسل... وفوق كل هذا اقيم نسيج من المشاريع الخاصة الفلاحية وغيرها والتي ثبتت الشباب في مواطنه الاصلية وشجعت الآلاف على خوض الهجرة العكسية ليعودوا الى مسقط الرأس وليبنوا مستقبلهم بالكد والعرق.. قصة هذا النجاح التي لامست الإعجاز بتحديها شح الموارد المالية من خلال تفعيل إرادة الخير وقيمة التضامن في المواطن التونسي عموما، سرعان ما اخترقت حدود بلادنا لتكتسح اصداؤها كل العالم وتحوّل تونس الى قبلة لكل الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء تقتبس منها وتستنسخها لمقاومة جيوب الفقر واشاعة انوار التنمية على الجميع. من هنا تهيأت الارضية وكبر الحلم المشروع الذي حوّله الرئىس بن علي الى حقيقة ملموسة ليأخذ بعده الانساني وليلامس العالمية... فكانت دعوة سيادته لإنشاء صندوق عالمي للتضامن يكون خير سلاح لمقاومة الفقر والاقصاء والتهميش ولتقليص الفوارق بين الاغنياء والفقراء وتخليص مئات ملايين البشر من ذلّ الحرمان وسدّ الطريق امام نزعات التطرف والارهاب التي تنمو وتزدهر مع انتشار الفقر واليأس ومع سيادة خطاب الإقصاء وما يستتبعه من جنوح لاستعمال القوة والغطرسة. لماذا هذا المشروع (2)؟ اذا قلّبنا صفحات من سجل العالم فإننا نجد بالتأكيد مآسي بالجملة تؤكدها الارقام الصحيحة والمعطيات الثابتة... ومن بينها: ان 90 من ثروات العالم يتحكم فيها 10 فقط من سكان المعمورة. ان الدول المتقدمة تسيطر على ما لا يقل عن 72 من حجم التجارة العالمية. ان الدين الخارجي لدول العالم تضاعف 4 مرات في العشرين سنة الاخيرة ليبلغ 2527.5 مليار دولار. ان المساعدات التي تقدمها الدول الغنية والتي لم تتجاوز بالمرة ربع نسبة 0.7 من الناتج القومي الخام التي حددتها الاممالمتحدة لمساعدة الدول الفقيرة هي مساعدات مشروطة وترتبط بإرادة المانحين وان هذه الاموال تستخدم لشراء منتوجات فائضة... وبالنتيجة اصبحت الدول الفقيرة مستعمرات اقتصادية ومالية للدول الغنية. ان ما لا يقل عن 30 الف طفل يموتون يوميا بسبب المجاعة والامراض وهو ما يعني وفاة 1250 طفلا كل ساعة وحوالي 21 طفلا كل دقيقة. ان 15 مليار دولار فقط تكفي لحل مشكل المجاعة في العالم في حين تنفق دولة كبرى حوالي 480 مليار دولار للتسلح فقط! هذه الارقام المذهلة والمرعبة (وغيرها كثير) تقيم لنا الدليل على حجم الكارثة التي تهرول الانسانية نحوها... لانها تفضي كلها الى ان يزداد الغني غنى وان يزداد الفقير فقرا وقد ارهقته خدمة الديْن دون اعتبار اصل الديْن... ولأنها تفضي الى تكديس الثروة العالمية عند 20 من سكان الكرة الارضية فيما يغرق البقية في الفقر والبؤس والتهميش... مع ما يوفّره هذا الواقع المرير من ارضية خصبة لظهور وتنامي نعرات التطرف والارهاب والتي بدأت الانسانية تكتوي بنيرانها... يقابلها ظهور خطاب احادي ينزع نحو إلغاء الآخر وتسبق حجة القوة عنده قوة الحجة... وهو ما يفضي حتما الى التصادم... كل هذه المعطيات تلتقي في نهاية المطاف لتعطي مقترح الرئىس بن علي كل ابعاده ومعانيه وتطرح خطاب العقل والحكمة بديلا لخطاب العضلات وحاملات الطائرات وتطرح لغة التآخي والتسامح والتضامن بديلا للغة التصادم والإقصاء... ولترسم للانسانية درب الخلاص الحقيقي... ممثلة في طريق ثالثة حقيقية تنشد اقامة تنمية متوازنة ينتفع بخيراتها الجميع بالاعتماد على تفعيل قيم الخير والتكافل والتضامن الكامنة بطبعها في الانسان.. والتي يكفي تحريكها وتفعيلها لتصبح بوصلة تهتدي بها الانسانية وتنشد بها خلاصها النهائي من الفقر والاقصاء والاقتتال.. ولأن الانسانية كانت في حالة ضلال.. ولأنها كانت تئن تحت وطأة امراض عضال.. ولأنها كانت تعاني خواء روحيا قاتلا فقد وجدت في اقتراح الرئىس بن علي انشاء صندوق عالمي للتضامن بلسما لجراحها وشفاء لسقامها.. وبوصلة تهتدي بها الى طريق الخلاص... فقد احتضنت فكرة الرئىس بن علي احتضانا تجلى من خلال ذلك الاجماع الرائع الذي قوبل به المقترح في المنتظم الاممي وحوّلته بسرعة قياسية الى مشروع قائم الذات تتولى لجنة حكماء وضع لمساته الاخيرة لينطلق في دكّ معاقل الفقر والتخلف... وليشيع انوار النماء والرخاء في مواطن البؤس وليعيد للانسانية لذة الحياة ونشوة الانتماء للحضارة الانسانية.. وهذه معان سبقهم اليها مئات آلاف التونسيين بفضل قلب كبير وإرادة خيّرة ومد تضامني فجّر ينابيعه الرئيس بن علي...